بعيدا عن إبداعاته.. محفوظ كان مثالاً للموظف الملتزم

محفوظ: الإنسانية على مشارف الجحيم

القاهرة - في ذكرى الميلاد الخامس والتسعين للروائي المصري نجيب محفوظ الحائز على جائزة نوبل في الاداب 1988 خصصت دار نشر مصرية سلسلة كتب تتناول رسائله واراءه النقدية ووصفا للاماكن التي دارت فيها أحداث رواياته.

وقال محمد رشاد رئيس مجلس ادارة الدار المصرية اللبنانية بالقاهرة الثلاثاء ان السلسلة الجديدة تسعى لتلمس العالم الثري لمحفوظ من خلال علاقاته الانسانية وفلسفته في الحياة التي تشير اليها رسائله أو آراؤه.

ويصدر الثلاثاء كتابان في السلسلة الجديدة التي صمم أغلفتها الفنان التشكيلي المصري محمد حجي الذي تولي رسم "أحلام فترة النقاهة" وهي اخر كتابات محفوظ حين كانت تنشر مسلسلة حيث جاءت رسوم حجي تأويلا بصريا لنص محفوظ الذي ولد يوم 11 ديسمبر/كانون الاول 1911 وتوفي في نهاية أغسطس/اب الماضي ولا يزال العربي الوحيد الذي نال جائزة نوبل في الآداب.

والكتاب الاول عنوانه "نجيب محفوظ.. رسائله بين فلسفة الوجود ودراما الشخصية" وجمعه وحققه عيد عبد الحليم وعنوان الكتاب الثاني "نجيب محفوظ.. لقاءات وحوارات" وهو محصلة مقابلات أجرتها معه الكاتبة المصرية سلوى العناني زميلة محفوظ في مؤسسة الاهرام حيث كان يذهب بانتظام الى مكتبته.
وتلقي الحوارات أضواء على جوانب من عادات محفوظ في الكتابة، منها أنه فوجئ بعد حصوله على جائزة نوبل بكثيرين يسألونه عن مسودات أعماله "ويعرضون في مقابلها أثمانا عالية، ليس في حوزتي أي ورقة قديمة" حيث يعترف لمؤلفة الكتاب بأنه لم يكن يبالي بتلك المسودات بل كان يلقيها في سلة المهملات.

ويُعتبر محفوظ من الكتاب المصريين القلائل الذين يعدون سجلا دقيقا لكل شخصية وتطورها النفسي والعقلي وعلاقتها بمن حولها قبل بدء الكتابة، وبعد الانتهاء من الكتابة كان هذا "الكنز" الذي يمكن أن يفسر جانبا من سيكولوجيا الكاتب، يذهب الى "الزبالة" على حد قوله.

ويقول محفوظ "لو كنت احتفظت بالمسودات وبالدراسات الشخصية لكل أبطال أعمالي كنت أحتاج بيتا اخر أحفظها فيه، وكان سيدر علي ثروة هائلة".

وهنا يشير محفوظ إلى بعض ما يواجه الكاتب المصري من عقبات حيث يضطر لامتهان أعمال ربما لا يرضى عنها ليضمن مستوى لائقا من العيش أو يعمل موظفا يصارع بعد أوقات العمل كي يكتب، وظل محفوظ موظفا بوزارة الاوقاف الى أن أحيل الى التقاعد في سن الستين وكان مثالا للموظف الملتزم.

ويقول ان الوظيفة "ليست الا أكل عيش وتأمينا لحياتي".

ويتطرق الكتاب الى رؤية محفوظ لعالم ما بعد انهيار الشيوعية، ففي مقابلة أجريت بعد هجمات 11 سبتمبر أيلول 2001 على الولايات المتحددة تقول له سلوى العناني ان بطل روايته "رحلة ابن فطومة" 1983 طاف عبر حضارات وأيديولوجيات وأفكار منذ فجر الحضارة بحثا عن حلم فهل اقترب الحلم الان؟ فيرد محفوظ ضاحكا "كنت متفائلا، الانسانية الان على مشارف الجحيم".

وبدأ محفوظ مشواره في مطلع الاربعينيات بكتابة ثلاث روايات عن مصر القديمة هي "عبث الاقدار" و"رادوبيس" و"كفاح طيبة".

واعترف في بعض المناسبات بأنه وضع تخطيطات لاربعين رواية عن مصر الفرعونية وأنه كان ينوي كتابة التاريخ المصري القديم بصيغة روائية على غرار ما فعله سير وولتر سكوت في تعامله مع تاريخ اسكتلندا لكنه تحول الى الكتابة الواقعية ثم الرمزية ثم عاد الى التاريخ في الثمانينيات متوقفا أمام أحد أكثر شخصياته اثارة للجدل وهو أمنحتب الرابع الشهير باخناتون أول داع الى التوحيد في مصر القديمة حيث حكم البلاد بين عامي 1379 - 1362 قبل الميلاد تقريبا.

وتسأله سلوى العناني عما اذا كان يعتبر اخناتون مصلحا دينيا أو سياسيا فاشلا انتهت حياته نهاية غامضة ودمرت مدينته "أخيتاتون" تماما فيقول "في حماسة شديدة: اخناتون كان مثل الانبياء، كان مثاليا ضحى بالحكم والملك في سبيل أفكار الحب والسلام، كان السلام والجمال والحب والتأمل رسالته في الحياة".

وتعد علاقة محفوظ بالنقاد مثالا حيا لما يمكن أن يواجهه كاتب مبتدئ من صمت شبه تام لنحو 15 عاما من نقاد يتجاهلونه ثم ينقض النقاد أنفسهم على أعماله نفسها مشيدين بها كأن كاتبها شخص اخر.
وعبر محفوظ بعد حصوله على جائزة نوبل للناقد المصري الراحل غالي شكري قائلا انه عاش سنوات على أعصابه بسبب هذا التجاهل حيث ان "الصمت لا يطاق".

وكان الناقد المصري سيد قطب قد بلغ حماسه لرواية "كفاح طيبة" لدرجة أنه تمنى أن يوزعها على القراء قاطعا بذلك الحصار الذي مارسه نقاد الجيل السابق على أعمال محفوظ.

ومما قاله قطب عن هذه الرواية "لو كان لي من الأمر شيء لجعلت هذه القصة في يد كل فتى وكل فتاة ووزعتها على كل بيت بالمجان ولأقمت لصاحبها الذي لا أعرفه حفلة من حفلات التكريم التي لا عداد لها في مصر للمستحقين وغير المستحقين".

ويعترف محفوظ لمؤلفة الكتاب بأنه بدأ النشر منذ عام 1938 "وكان أول من كتب عن المرحوم سيد قطب وبعده أنور المعداوي.. كانا شابين يحملان فكرا جديدا ومن الطبيعي أن يهتما بشاب مثلهما" ولم يتغير رأي محفوظ في قطب (1906 -1965) الذي أعدم في قضية وجهت فيها لبعض عناصر جماعة الاخوان المسلمين اتهامات بالتآمر على نظام حكم الرئيس الاسبق جمال عبد الناصر.

ويصدر في السلسلة نفسها خلال أيام كتاب "نجيب محفوظ: المكان الشعبي في رواياته بين الواقع والابداع" لشريف الشافعي.

وقال الناشر في بيان ان الدار المصرية اللبنانية هي صاحبة حق نشر مقالات محفوظ تحت عنوان "حوليات" التي صدرت منها الى الان تسعة كتب.