بعض القذى في عين المثقفيين

بقلم: أحمد شهاب

لم يستقر مقال الأستاذ فهمي هويدي "بعض القذى في عين مصر" على صفحات الجرائد والذي عرض خلاله أوجه من الفساد المتكاثر في مصر، إلا بعد أن نوه في الربع الأخير من المقال إلى أن هذه ليست صورة مصر بل بعض القذى في عينها، وأنها أعرض وأكبر من الفساد، وأن عدد الشرفاء فيها أكثر من أعداد الفاسدين، ثم عرض لبعض أوجه الفساد في الشركات الأمريكية العملاقة، وفضيحة رشوة رئيس وزراء إسرائيل، والفساد المستشري في حياة الهند اليومية، ليقول لنا أن مصر ليست وحدها في خندق الفساد، وأنه لا يقصد الإساءة لبلده لأن الإعتراف بالخطأ من آيات الشجاعة والثقة، وهو محق بذلك.
لكن ما الذي يدعو كاتب بمكانة الأستاذ فهمي هويدي إلى طرح هذا التنويه؟
أعتقد أن المسألة أكبر من تنويه، المسألة تتعلق بقدرة رواد الإصلاح على فعل التغيير والذي يبدو أنه فعل صعب المنال في العالم العربي بصورة عامة، وإذا أحببنا أن نطرح السؤال بصورة أشمل نقول: لماذا يضطر أصحاب الرأي والمثقفون ودعاة الإصلاح في بلادنا إلى وضع ديباجة لمقالاتهم أو التنويه في آخرها يؤكدون من خلالها إخلاصهم للوطن، أو تبرير فعل النقد وكأنه جريمة؟ فهل في إخلاص من ينتقد الأوضاع السائدة والفاسدة شك؟
أعتقد ذلك، فربما يصح القول أن مسار الإستبداد السياسي وإستشرائه على مجمل حياتنا الثقافية والإجتماعية كان ولا يزال له أثره في صناعة مفهوم يعتبر "النقد عديل الخيانة"، فالمخلص لا يتجرأ على إقلاق هدوء "الكبار"، ولا يرى في الوطن سوى الجانب المشرق والجميل، ولا يعترض كثيرا، أما أولئك الذين يبنون أحلامهم بوطن خالي من الفساد ومتحرر من الإستبداد ويضطرون لممارسة النقد والتقييم فإنهم سيفاجئون بالتشكيك بهم وبوطنيتهم، وعليهم أن يؤكدوا أنهم ليسوا كذلك.
ثمة خوف عام من تهمة الإصلاح خشية أن يتم اللبس عند السلطة أو بعض أعضائها بين رغبة المثقف في الإصلاح مع القبول بالسلطة، وبين السعي للتصادم معها وتقويضها، وهو ما يدفع دعاة الإصلاح للتراجع خطوة إلى الخلف عند ممارسة النقد والتقييم عبر التأكيد على إخلاصهم ووطنيتهم وقبولهم باللعبة السياسية دون تغيير، وأن الخلل ليس هنا فقط بل في كل مكان، فلا تقلقوا.
وأخشى أن يكون لهذا السلوك المتخوف عند ملامسة "الوجع الوطني" وطرح إعتذارات غير مباشرة على الجرأة في الكلام الصريح آثاره السلبية على مسار الإصلاح، فالتطمينات التي يرسلها "أهل الرأي" للسلطة، تؤكد الإنطباع السائد من أن الناقد خائن إلى حين تثبت برائته، الأمر الذي يجعل حركة الإصلاح تدور في حلقة مفرغة، كما أنها تبعث برسائل سلبية إلى الجمهور أن لا يتجاوز الحد في مطالبه لأن كل شيء على ما يرام لولا بعض اللَّمم.
والأمر ليس كذلك بالطبع، والإصلاح لا يتحقق بالتردد والخشية من ردود الأفعال، فالأصل أن المثقف وصاحب الرأي هو أحرص على وطنه من غيره، وهذا ما يدعوه لتشخيص المواجع الكثيرة في الواقع السياسي والإجتماعي والإقتصادي، ويحاول مع نظرائه وضع تصورات ورؤى لصناعة واقع أكثر ملائمة للعيش بكرامة وإنسانية، فإذا إنهزم المثقف إهتزت الأمة لكونه يمثل ضميرها ويقود وعيها.
و لا زلت أتذكر شخصيات الروائي عبدالرحمن منيف الثقافية كطالع العريفي وعادل الخالدي، تبدأ الشخصيتان في "الآن هنا أو الشرق المتوسط مرة أخرى" بمناقشة إشكالية السجن ونفسية المثقف في العالم العربي، فيخاطب طالع العريفي صديقه عادل الخالدي بقوله: "يبدو أنني لن أشفى.. ولا أشعر إطلاقا أنني أصبحت حرا.. أحمل السجن معي أينما ذهبت، لقد أصبح السجن بالنسبة لي حالة لا تفارقني كالعلامة الفارقة.. إن ما أفكر فيه السجن الداخلي، وهو أن يرضى جميع الناس بالبقاء في هذا السجن، عدا مجموعة صغيرة للحراسة، وهذه المجموعة ذاتها دائمة الخوف لأنها لا تعرف متى ستلتحق بالآخرين وتدخل السجن أيضا، لو كان شعور الناس بالحرية حقيقيا لتقلص السجن إلى حدوده الجغرافية، وربما انتهى، لكن ما دام الناس هكذا فإن السجن لن يبقى أحد خارجه."
ثمة خوف من تهمة الإصلاح، وثمة قلق ينتاب من يتصدى لهذا الأمر كون الإستبداد غلف حياتنا جميعا في هذا الجزء من العالم، وما يدعوا كُتاب كبار على الإعتذار غير المباشر هو ذاته الذي دعى نخبة من "الإصلاحيين" إلى سحب توقيعاتهم على عريضة تطالب بإجراء إصلاحات دستورية في بلد خليجي بعد أن تسرب خبر العريضة عبر وسائل الإعلام، وحاول أكثر من "إصلاحي" التبرؤ من تهمة المشاركة في صياغة العريضة، أو الموافقة على مضمونها، بل ووصل الحال ببعضهم إلى رفض هذا الحجم من المطالب، فالوطن بخير والقيادة حكيمة وكل شيء على ما يرام. آه.. كم نحن المثقفين جبناء. * أحمد شهاب، كاتب كويتي AHMED_HJ@HOTMAIL.COM