بعد رحيل المرجع فضل الله: مسؤولية الحركة الإسلامية في متابعة مسيرته الوحدويّة

بقلم: قاسم قصير

ترك رحيل العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله فراغاً كبيراً في الساحة الإسلامية وفي العالمين العربي والإسلامي. فرغم ان السيد لم يكن قيادياً حزبياً أو رئيساً لتيار منظم، فإنه نجح في أن يكون إحدى أبرز الشخصيات الإسلامية العابرة للطوائف والمذاهب، وأن يكون على علاقة قوية بكل القوى والحركات الإسلامية في العالم العربي والإسلامي.
فالسيد الذي بدأ مسيرته الإسلامية كأحد مؤسسي حزب الدعوة الإسلامية في العراق، ثم عمل على رعاية الحركة الإسلامية في لبنان، كان على علاقة وثيقة بكل القوى والحركات الإسلامية دون أي تمييز بين حركة وأخرى، وكان حريصاً على التواصل مع جميع القيادات الإسلامية لتبادل الرأي والنصيحة وللبحث عن أفضل السبل لتطوير العمل الإسلامي وعمل قوى المقاومة خاصة.
كما نجح بتجاوز كونه مرجعاً دينياً شيعي الانتماء، ليصبح مرجعاً إسلامياً تجديدياً ووحدوياً وذلك من خلال سلسلة الفتاوي والآراء التي أطلقها خلال مسيرته الاجتهادية والتي تدعو لرفض كل ما يسيء للوحدة الإسلامية، ولاعادة النظر بالعديد من الأفكار والطروحات التي تؤسس للخلاف المذهبي والشيعي.
وبالاضافة لاهتمامه بالواقع الإسلامي، حرص السيد على اقامة أفضل العلاقات مع التيارات السياسية غير الإسلامية وفتح آفاق الحوار معها، كما انه سعى لتطوير الحوار الإسلامي - المسيحي، والحوار مع الغرب بعيداً عن أية أفكار مسبقة.
من أجل كل ذلك فإن رحيل السيد سيترك فراغاً كبيراً في الواقع الإسلامي، وهذا الفراغ يتطلب من قيادات الحركة الإسلامية في العالم العربي والإسلامي بذل المزيد من الجهد والنشاط لملء هذا الفراغ، ولمتابعة هذه المسيرة الوحدوية.
فما هي أبرز الانجازات والمميزات التي ساهم السيد في ارسائها على صعيد الواقع الإسلامي؟
وكيف يمكن القوى والحركات الإسلامية متابعة هذه المسيرة الإسلامية الوحدوية؟ الإنجازات والمميزات بداية ما هي أبرز الانجازات والمميزات التي ارساها السيد محمد حسين فضل الله خلال مسيرته الإسلامية منذ خمسينات القرن العشرين وحتى رحيله؟
لقد انطلق السيد فضل الله في مسيرته الإسلامية منذ الخمسينات بروح وحدوية بعيداً عن أي اعتبار مذهبي أو قطري أو إقليمي، فهو منذ ان بدأ العمل الإسلامي من خلال حزب الدعوة الإسلامية كان حريصاً على العلاقة مع كل القوى والحركات الإسلامية وخصوصاً تيار «الاخوان المسلمين» و«حزب التحرير»، فضلاً عن دعوته إلى الوحدة الإسلامية والتواصل مع كل القيادات والمرجعيات الدينية.
كما عمد للتنظير للحركة الإسلامية من خلال فهم الواقع وتقديم الأفكار العملية لتطوير العمل الإسلامي وعدم البقاء في الاطار النخبوي، وقد حقق السيد العديد من الانجازات ومنها:
1- اقامة عدد كبير من المؤسسات المتنوعة الفكرية والإعلامية والاجتماعية، ما حوّل العمل الإسلامي من اطار فردي الى عمل جماعي، وكان حريصاً على ان تتميز هذه المؤسسات بكل اشكال التطور والحداثة والانفتاح على العصر.
2- عمد السيد لتأسيس تيار اسلامي واسع بعيداً عن الأطر الحزبية الضيقة رغم علاقته الايجابية مع كل القوى والحركات الإسلامية، لانه كان يعتبر نفسه أباً ومرشداً للجميع بعيداً عن أي اعتبار للعمل الحزبي. وتبنى خيار المقاومة الإسلامية في لبنان والعراق وفلسطين وأفغانستان في مواجهة الاحتلال بكافة اشكاله، ورفض أي مساومة مع المحتل، وفي الوقت نفسه دعا للانفتاح على كل التيارات والقوى الأخرى من يسارية وعلمانية وقومية، كما أكد على الانفتاح على الغرب والحوار معه.
3- تميز السيد بالجرأة في طرح النقاش حول العديد من الموروثات والروايات المتعلقة بالسيرة وبعض الاجتهادات الفقهية وأسس لاجتهاد جديد في الواقع الشيعي ورفض كل ما يؤدي للمذهبية وخصوصاً اللعن والسب والشتم، وقد أثارت طروحاته حملة كبيرة عليه من بعض الجهات الدينية والحوزوية، لكنه رغم ذلك استمر في عمله النقدي والتجديدي حتى آخر لحظة من حياته.
4- لقد دعم السيد كل التجارب الإسلامية وخصوصاً التي وصلت الى الحكم كإيران والسودان، كما تابع باهتمام كل التجارب الإسلامية في مصر والجزائر والمغرب وفلسطين والعراق وباكستان ولبنان وتركيا، وكان حريصاً على تقديم كل الدعم والمشورة والنصيحة للقيادات الإسلامية حتى لو اختلف مع بعض التجارب الإسلامية.
5- كان السيد على علاقة وثيقة مع قيادات الحركات الإسلامية والعلماء الوحدويين، وخصوصاً رئيس الاتحاد العالمي للعلماء المسلمين الشيخ يوسف القرضاوي وقادة الجماعة الإسلامية في لبنان، المرحوم الدكتور فتحي يكن، الشيخ فيصل المولوي، الأستاذ ابراهيم المصري، اضافة إلى قيادة الاخوان المسلمين في مصر وحزب التحرير، وحماس وحركة الجهاد الإسلامي، وكان يحرص على التواصل الدائم معهم والبحث معهم في كل القضايا والملفات. مسؤولية الحركات الإسلامية واليوم، بعد رحيل السيد محمد حسين فضل الله، وفي ظل التحديات الكبيرة التي يواجهها العرب والمسلمين، ما هي مسؤولية الحركات الإسلامية والقيادات الإسلامية الوحدوية؟
ان الوفاء للسيد فضل الله وللانجازات التي حققها يتمثل في الاستمرار في العمل لتحقيق الأهداف التي سعى اليها وحمل الرؤية الفكرية والحركية التي تبناها، وخصوصاً على صعيد تعزيز الوحدة الإسلامية ورفض كل ما يعزز المذهبية وايجاد الأطر المناسبة للتعاون والتنسيق بين القوى والحركات الإسلامية والبحث عن أفضل السبل لتطوير العمل الإسلامي.
ويمكن ايراد أهم القضايا والملفات التي ينبغي البحث فيها وكيفية العمل لمعالجتها:
1- حماية المقاومة الإسلامية في لبنان وفلسطين والعراق وأفغانستان في مواجهة قوى الاحتلال مع رفض كل ما يسيء لهذه المقاومة من ممارسات خاطئة في بعض الأحيان.
2- الاستمرار في دعم الأطر الوحدوية كالاتحاد العالمي للعلماء المسلمين، وتجمع العلماء المسلمين، ومؤسسات التقريب بين المذاهب، مع السعي لكي تقوم هذه المؤسسات بخطوات عملية توحيدية وعدم الاكتفاء باقامة المؤتمرات والنشاطات أو اصدار البيانات والمواقف فقط.
3- استكمال مسيرته الفكرية والاجتهادية على صعيد تطوير الفكر والفقه الإسلامي وخصوصاً لجهة تجاوز بعض الموروثات المذهبية والتي اساءت للواقع الإسلامي والبحث عن كل ما يوحد المسلمين في مواجهته الأعداء وعدم البقاء في ظروف الماضي وتخلفه.
4- تطوير العمل الإسلامي نحو الأفضل والاستفادة من كل التقنيات والاشكال الحديثة وخصوصاً لجهة اعتماد العمل المؤسساتي والتكامل بين كل المؤسسات، وايجاد اشكال التعاون والتنسيق بين المؤسسات القائمة والاستفادة من التطور الكبير على صعيد وسائل الاعلام (الفضائيات، الإنترنت)، مع العمل لرفض كل ما تبثه بعض هذه الوسائل من مواد تسيء إلى الإسلام والمسلمين.
5- التأكيد على اعتماد منطق الحوار والتواصل سواء بين القوى والحركات الإسلامية، أو على صعيد الحوار الإسلامي - المسيحي، أو الحوار مع الغرب، والتركيز على قاعدة الانفتاح والبحث عن كل ما يجمع مع الآخرين مع الحفاظ على الثوابت الإسلامية.
هذه بعض الأفكار والاقتراحات التي يمكن اذا قامت الحركات والقوى والتيارات الإسلامية باعتمادها، ان تسد الفراغ الذي تركه المرجع السيد محمد حسين فضل الله، كما تكون وفية للرسالة التي حملها خلال 75 عاماً عاشها في سبيل الإسلام ورسالته. قاسم قصير