بعد انتهاء معركة غزة، الأنظار تتجه إلى لبنان

نجحت حماس في تجنب الفخ الذي نصبه لها بعض القوى المتحالفة مع إيران في إدخالها معركة غير متكافئة مع إسرائيل، لإنهائها والقضاء على حضورها المقاوم والسياسي، ولإحراج حركة الإخوان المسلمين في مصر والعالم، ولتوجيه الأنظار إلى ساحة أخرى بدل التركيز على ساحة الصراع في سوريا التي يمارس نظامها سياسة القتل المنظم والمنهجي بحق شعبها، والتدمير المتواصل لبنيتها التحتية وأملاك المواطنين وأرزاقهم. قبلت حماس باتفاق الهدنة او وقف إطلاق النار الذي رعته مصر بمتابعة تركية وقطرية وإشراف أميركي مباشر ضمن البنود التي ورد ذكرها إعلامياً، والتي تعني وقف إطلاق نار متبادل مع تخفيف حالة الحصار وتسهيل الحركة على المعابر وكذلك تنقل الأفراد والبضائع...إلخ. ولكن هذا لم يكن لينجح لولا صمود المقاومين وتضحياتهم إلى جانب ما قدمه الشعب الفلسطيني في غزة من تضحيات جسام.

كذلك تجنبت إسرائيل بقبولها هذا الاتفاق، الدخول في عملية برية باهظة الكلفة والثمن ليس عسكرياً فحسب بل سياسياً أيضاً، حيث سيقف العالم والمجتمع الدولي عاجزاً عن تبرير حجم الخسائر البشرية في صفوف المدنيين الفلسطينيين والذي ستوقعه الآلة العسكرية الإسرائيلية أثناء غزوها غزة، مما سيضع إسرائيل على لائحة مرتكبي المجازر ضد الإنسانية وسوف تؤجج العملية مشاعر الكراهية أكثر، وسوف يرتفع أكثر منسوب التطرف والحقد في العالم العربي والإسلامي ضد إسرائيل، مع ما سوف يسببه الاجتياح من إحراج لكافة الدول العربية والإسلامية وإظهار مدى عجزها وضعفها عن مساندة غزة والشعب الفلسطيني أثناء العدوان عليها. وبما ان إسرائيل تريد من عمليتها العسكرية الأخيرة تحقيق الهدوء على جبهتها الجنوبية ووقف إطلاق الصواريخ من قطاع غزة وتحميل المسؤولية في حال حصول ذلك مستقبلاً لدولة عربية هي مصر، ولحركة حماس المهيمنة على القطاع وكافة مفاصله وقد تحقق ذلك، فكان قبولها بالاتفاق منطقياً ولو قامت بتقديم بعض التنازلات رغم احتمال خسارة نتنياهو بعض الأصوات المتطرفة في الداخل الإسرائيلي أثناء الانتخابات المقبلة.

إذاً الاستقرار في غزة والهدوء على الحدود الإسرائيلية الجنوبية بعد أن استتب لم يعد الآن فقط مسؤولية إسرائيلية، بل أصبح مسؤولية مشتركة مع حركة حماس التي وعدت بضبط ساحتها ومنع إطلاق الصواريخ او تنفيذ عمليات عبر الحدود أو استهداف الدوريات الإسرائيلية، وهذا بحسب بنود الاتفاق التي نشرت. وقد تحدث خالد مشعل وإلى جانبه رمضان عبدالله أمين عام حركة الجهاد للتأكيد على موافقة كافة الفصائل وليس حماس وحدها على بنود هذه الاتفاقية، مع الإشارة إلى جانب الدور المصري في رعاية وضمان وتنفيذ الاتفاق، ومن ثم بعد مصر يأتي دور قطر وتركيا كراعيين مستقبلاً لعملية إعادة البناء وتقديم الدعم السياسي والمالي والإعلامي إلى جانب دور السعودية ودول الخليج... مجتمعة.

السؤال هو، بعد تنفيذ اتفاق التهدئة التي يجب ان تكون طويلة ومستقرة على الجبهة الجنوبية، كيف سيكون وضع الجبهة الشمالية لإسرائيل - أي جبهة لبنان - التي يمسك بها حزب الله دون راعٍ أو ضامن باستثناء إيران بعد انهيار النظام السوري الذي كان يلعب هذا الدور خلال المرحلة السابقة وأخرها خلال حرب عام 2006؟ كما أن وجود القوات الدولية لا يشكل ضمانة بقدر ما يشكل عقبة للطرفين واستهدفت القوات الدولية من قبل عناصر حزب الله في الجنوب بشكل متكرر ومزعج لهذه القوات؟ كما أي استهداف لهذه القوات هو استدراج للتدخل الدولي وهذا ما أشار إليه الرئيس الفرنسي هولاند أثناء زيارته لبنان مؤخراً.. واختفاء حزب الله خلف القوات الدولية في الجنوب يجعله ينخرط أكثر في مأزق صراعه الداخلي الذي يتفاقم مع سائر القوى المحلية، مع نمو الحالة المذهبية لدى جمهوره، وتطور التضخم المعنوي في صفوفه، مما يدفع عناصره وجمهوره لارتكاب الكثير من الممارسات الشاذة والتصرفات المرفوضة والاستفادة من فائض القوة.. واكتشاف الصواريخ الموجهة نحو إسرائيل خلال الأيام الماضية لم يكن تهديداً اكثر منه رسالة ومفادها ان حزب الله هو الضمانة للاستقرار بعد غياب سوريا النظام، وأن هذه الصواريخ قد تكون من فعل بعض المتطرفين الإسلاميين أو الفلسطينيين، ولذلك تم استخدام صواريخ 107 ملم.. وهي صواريخ لا يستعملها عادةً حزب الله. ولكن هل ترضى إسرائيل بعد نجاح منظومتها "القبة الحديدية" في تخفيف نسبة الصواريخ التي سقطت على جنوب إسرائيل ومنعت أي صاروخ طويل المدى من السقوط على تل أبيب في الإبقاء على حالة عدم الاستقرار التام على الحدود وغياب راعي جدي وقادر على ضمان الأمن والاستقرار، وضبط أداء حزب الله والفصائل الصغيرة الأخرى بعد غياب نظام بشار الأسد الراعي السابق؟

إذاً الأنظار يجب ان تبقى متجهة الآن نحو جنوب لبنان، وبالتأكيد فإن نصرالله سوف يرفع من منسوب تهديداته لإسرائيل حتى لا ترتكب أي مغامرة ضد حزب الله في محاولةٍ منه لتجنب الأسوأ. ولكن ما ضمانة عدم ارتكاب إسرائيل لمغامرة عسكرية ضد لبنان لانهاء حالة اللاحرب واللاسلم؟ ومن يمنع إيران الطلب من حزب الله بتوجيه ضربة استباقية لإسرائيل تعيق الاستقرار السياسي في المنطقة وتتسبب في إدخال المنطقة في مرحلة صراع إقليمي واسع خاصةً بعد طلب تركيا الأخير من حلف (الناتو) نشر صواريخ باتريوت على حدودها مع سوريا.. وهذا يعيق صواريخ نظام سوريا كما إيران وحزب الله أيضاً. لعل تغيراً ما يؤخر سقوط النظام السوري ويعطي إيران نفحة من امل في الابقاء على مشروعها النووي مستقراً ومستمراً كما يسمح لحزب الله بالبقاء مسيطراً على الوضع اللبناني ومهيمناً على الحياة السياسية فيه.

بناءً على هذا هل سيشهد لبنان ما شهدته غزة وهل ستكون النتائج متشابهة أم مختلفة. منطق الأمور يقول بأن هذا الأمر إذا حدث سيكون هناك تغييراً جذرياً في الواقع اللبناني، وهذا ما أشار إليه الرئيس سليمان في مواقفه الأخيره وهو يسعى لتجنيب لبنان تجرع هذه الكأس المرة، وكذلك هو ما يحاول الرئيس بري تفادية باتجاهه نحو جنبلاط وهما صاحبا تاريخ مشترك. والحديث عن الوسطية وإطلاق الحوار وإيفاد المندوبين والاشارات الإيجابية نحو قوى 14 آذار، إضافةً إلى ان التوتر والقلق بدا واضح جداً على حزب الله وفريقه من خلال مواقفه وطبيعة تصريحاته بعد خسارة جبهة غزة وورقة فلسطين والاتجار بأرواح أبناء غزة والشعب الفلسطيني...وإطلاق حالة العداء نحو شريحة واسعة من الشعب اللبناني عند كل مفصل ومناسبة دينية كانت او وطنية.

حسان القطب

مدير المركز اللبناني للأبحاث والاستشارات