بعد الاعلان الايراني إيران.. هل تتغير استراتيجية الامن الخليجي

مما لا شك فيه أن إعلان ايران بأنها اصبحت القوة النووية الثامنة في العالم يشكل انقلابا استراتيجيا وامنيا كبيرا في المنطقة من شأنه ان يغير خريطة المنطقة الامنية والعسكرية فضلا عن تغيير الكثير من المفاهيم والمعطيات الواقعية لاستراتيجية الامن الخليجي وبالرغم من ان هذه الخطوة الايرانية الجبارة من شأنها ان تشكل توازنا نوويا في المنطقة بين ايران واسرائيل فإن وجود المنطقة بين قوتين نوويتين متصارعتين يهدد مستقبل الاستقرار الاقليمي فيها وينذر بحروب مستقبلية طاحنة.
إن اعلان ايران الاخير يؤكد اهمية ايجاد استراتيجية امنية خليجية موحدة تستطيع ان تؤمن لدولها ظروف الوقاية والحماية المستقبلية من أي اخطار قد تواجهها خاصة وان التبعيات والمسئوليات الملقاة على عاتق الاستراتيجية الامنية الخليجية اصبحت ثقيلة الى درجة العجز فمن خطر الارهاب الذي جثم على المنطقة الى الملف العراقي الذي اثار عدم الاستقرار واخيرا جاء الاعلان الايراني ليقصم ظهر هذه الاستراتيجية ويحولها الى مجرد خطوط لا تمتلك أي امكانيات دفاعية مستقبلية لاي افتراضات قد تهدد امنها.
ان خطورة وجود قوى نووية متصارعة في المنطقة لا يمثل خطرا لدول الخليج فحسب بل للكثير من دول العالم باعتبار هذه المنطقة تحتوي على 60 في المائة من احتياطي نفط العالم و37 في المائة من احتياطي غاز العالم والتخوف الطبيعي السائد حاليا لدى الكثير من دول الخليج هو حول احتمالات ان تستخدم ايران امكانياتها النووية للضغط المباشر او غير المباشر على جيرانها لتحقيق اهداف ما كانت تقدر على تحقيقها بدون التهديد باستعمال اسلحة الدمار الشامل.
وبحسب اعتقادي فإن دول الخليج ستسعى جاهدة الى تطوير امكانياتها الدفاعية بمساعدة اميركية وغربية وستحرص على امتلاك صواريخ لم تكن تمتلكها من قبل.
والتخوفات الخليجية من قدرات ايران النووية قديمة حديثة ومتنامية في نفس الوقت ووصلت الى ذروتها بعد الاستعراضات الايرانية الاخيرة والاعلان المفاجئ الذي شكل صدمة للجميع حيث كان الامين العام لمجلس التعاون الخليجي عبدالرحمن بن حمد العطية قد وجه نهاية العام الماضي ما يمكن وصفه بأول انتقادات خليجية علنية لايران في موضوع برنامجها النووي واكد أن حصول ايران على أسلحة نووية سيقود المنطقة الى حالة من السباق النووي لا مبرر له وسيسهم في خلق مناخ من عدم الثقة بين الجانبين الخليجي والايراني، مشيرا أن ذلك أصبح يشكل هاجسا في دول مجلس التعاون وللعالم ولحلف الناتو وعلي نحو يمثل تهديدا للمصالح الاستراتيجية للمنطقة وتهديدا للأمن العالمي.
السعودية الدولة الخليجية الكبرى اظهرت عدم اكتراثها من الاعلان الايراني بحسب أعلان وزير الخارجية السعودي عن زيارة قريبة لايران. وبحسب سعود الفيصل فقد اشار إلى ملف إيران النووي، وما يثار من شائعات أن دولاً في المنطقة ربما تكون هدفاً لصواريخ الجمهورية الاسلامية الإيرانية في المستقبل وقال ان إيران نفت التهم الموجهة بشأن ملفها النووي، ونحن نأخذ تصريحات المسؤولين الإيرانيين على محمل الجد، ونتعامل معها على هذا الأساس كما أشار وزير الخارجية السعودي الى المناورات البحرية التي تجريها ايران في الخليج الفارسي وقال انها لاتبعث على القلق. واضاف: ليست المرة الاولى التي تجري فيها ايران مناورات وان السعودية لا تعتقد ان ايران تمثل خطرا على اي من جيرانها وقال: ان السعودية لا ترى خطرا في حصول ايران على المعرفة بعلوم الطاقة للاغراض السلمية.
ويبدو واضحا ان تخوفات السعودية من ضربة متوقعة لايران اكبر بكثير من تخوفاتها من خطر الاسلحة الايرانية النووية بدليل ما نقلته وكالة الانباء الفرنسية عن مسؤول روسي كبير عن تخوفات سعودية من ان تستخدم دول الخليج لتوفير غطاء لاميركا وحلفائها لتوجيه ضربة لايران وبحسب تصريحات وزير الخارجية القطري فان اي مشكلة توجد في منطقة الخليج يجب حلها سلمياً ودبلوماسياً.
وبحسب تقرير اميركي نشر مؤخرا فإن من ضمن التوقعات التي ستلجأ اليها الولايات المتحدة في حالة انعدمت الحلول الدبلوماسية للازمة النووية الايرانية هو بيع اسلحة كروز لدول المنطقة الحليفة وقبول حصول السعودية على اسلحة نووية وصواريخ بعيدة المدى.
وسعت واشنطن، منذ ما يقرب من اربعة عقود، لضمان الاستقرار الاقليمي في الخليج، معتمدة على تحالفها مع المملكة العربية السعودية وايران الشاه في السبعينات، ثم العراق الذي خاض حرباً ضد ايران الثورة الاسلامية في الثمانينات، وصولاً الى سياسة «الاحتواء المزدوج» لكل من ايران والعراق في التسعينات. إلا ان تلك السياسات لم تحقق اهدافاً يمكن الركون اليها على المدى البعيد، ولم تحل دون اضطرار اميركا الى التدخل عسكرياً ثلاث مرات خلال 16 عاماً ضد التهديدات الاقليمية – بدءاً بالتدخل لوقف التهديد الايراني خلال العامين 1987 و 1988، ثم ضد العراق عام 1991 بعد غزوه الكويت، ثم في آذار/مارس 2003، عندما تدخلت مجدداً لإطاحة النظام العراقي.
واتاح نجاح اميركا وحليفتها بريطانيا في اطاحة النظام العراقي فرصة لإعادة بناء المنظومة الامنية الاقليمية التي اختلت بسبب انحسار النفوذ الاميركي في المنطقة واستمرار تهديد النظام العراقي على رغم هزيمته عام 1991، وتمرد حلفاء اقليميين على المصالح الاستراتيجية الاميركية والغربية لأسباب عدة من بينها فشل واشنطن في التدخل في شكل فاعل لتحقيق تسوية سلمية للنزاع العربي الاسرائيلي. وبادرت اميركا بعد سقوط النظام العراقي الى سحب قواتها من السعودية، في مؤشر الى تغيير جذري في تفكير ادارة الرئيس بوش بعد ازاحة نظام صدام حسين من السلطة. إلا ان ملامح المنظومة الامنية الجديدة، التي تسعى واشنطن الى رسمها، لم تكتمل بسبب تعثر مشروعها السياسي في العراق، وتزايد التهديدات الاقليمية من جانب ايران وحلفائها الاقليميين. وفيما كان التهديد الايراني للملاحة في الخليج العربي في الثمانينات سهل الاحتواء،عسكرياً وسياسياً، يبدو التهديد اليوم اكثر خطراً في ضوء توسع نفوذ ايران الاقليمي على مدى العقدين الماضيين، وبخاصة بعد انهيار النظام العراقي، والذي توج بالكشف عن خطط ايرانية لإنتاج اسلحة نووية. ويقول كينيث بولاك، مدير دائرة الابحاث في مركز «سابان» التابع لمؤسسة بروكينغز، والمسؤول السابق عن منطقة الخليج في مجلس الامن القومي، ان اميركا تواجه اليوم تحديات اكثر خطراً من أي وقت مضى، بما فيها الوضع الامني المتدهور في العراق، وتهديد ايران النووي، وقدرة طهران على زعزعة امن العراق ودول مجلس التعاون الخليجي واستقرارها، فضلاً عن قدرتها على تهديد امدادات النفط الخليجي، وتحريك حلفائها الاقليميين، بمن فيهم النظام السوري وتنظيم «حزب الله» في جنوب لبنان، واستمرارها في دعم تنظيمات ارهابية يعتقد بأن تنظيم «القاعدة» من بينها.
وعلى رغم تأكيدات الرئيس الاميركي وكبار المسؤولين في الادارة أن الديبلوماسية هي الخيار الوحيد المطروح حالياً للتعامل مع التهديدات الايرانية، وبخاصة مع برنامجها النووي، يؤكد المسؤولون انفسهم ان الخيار العسكري ما زال قائماً في حال فشل الوسائل السلمية لإقناع النظام الايراني بتغيير مساره الصدامي مع اميركا والمجتمع الدولي. ويؤكد مسؤولون اميركيون ان البنتاغون يعمل على تطوير خطط عسكرية لشن هجمات جوية ضد اهداف ايرانية باستخدام مقاتلات من نوع (بي-2) وصواريخ تحمل رؤوساً تقليدية ونووية يمكن اطلاقها من غواصات في المياه الدولية. أحمد غراب
كاتب صحفي يمني