بعد الاشباح، غسان سلهب يقدم الشخصيات المعلقة

كان (فرنسا)- من هدى ابراهيم
«اشباح بيروت» تعود ثانية الى «ارض مجهولة»

يصور المخرج اللبناني غسان سلهب في فيلمه "أرض مجهولة" الذي يعرض السبت ضمن تظاهرة "نظرة خاصة" الرسمية لمهرجان كان الخامس والخمسين، شخصيات معلقة بين ماض لا تريد أن تتذكره وحاضر غير واضح المعالم واقرب الى الورشة الكبيرة التي تشكلها بيروت اليوم.
و"ارض مجهولة" الذي اختار له المخرج عنوانا ايطاليا "تيرا انكونييتا" هو الفيلم الثاني لسلهب بعد "أشباح بيروت"، الذي عكف على تصوير الحياة في بيروت الحرب، عبر اسلوب امتزج فيه التسجيلي بالروائي.
يصور "ارض مجهولة" الحيرة التي لا خلاص منها التي تتملك جميع الشخصيات وتحكم سيطرتها عليها وسط ضجيج المكان الذي لا يهدأ، من ضجيج الآلات المستخدمة في بناء الطرق والعمارات واصوات ابواق السيارات، وهدير الطائرات القادمة إلى مطار بيروت او تلك التي تخترق جدار الصوت فوق المدينة، وصوت الراديو الذي يوقع الشريط الصوتي للفيلم.
عبر حياة شلة من الشبان، هم ثريا وليلى وطارق ونديم وحيدر، تكتمل صورة ما للشخصيات وللمكان. طارق (ربيع مروة) الذي عاد مؤخرا الى لبنان لا يعرف ان كان عليه البقاء او الرحيل. وثريا (كارول عبود) تسعى لمغادرة البلد وتجمع اذون دخول البلاد الاجنبية دون ان تقرر الرحيل فعلا، بل هي تطلق لجسدها العنان عبر اقامة علاقات عابرة وكأنها صورة أخرى من صور المدينة.
اما نديم المهندس (وليد صادق) الذي يبني عمارات شاهقة من الباطون تتكامل في فوضى كاملة ودون أي تخطيط، فيقضي وقته امام الكومبيوتر في إعادة رسم ملامح بيروت التي يكسوها كلها بالاخضر. وتتخبط ليلى (عبلة خوري) بين الايمان الروحي وبين عدمه فيما يتابع حيدر (كارلوس شاهين) تقديم نشرات الاخبار في الاذاعة ومتابعتها في الصحف كمن يتغذى بها وكأنه غير موجود.
بين الشخصيات جميعا باستثناء "حيدر"، هناك علاقات صحبة وصداقة، لكن هذه العلاقات نفسها تبدو معلقة وغير اكيدة، ف"طارق" مثلا كان يحب "ثريا" لكنه غادر البلاد وحين عاد كانت قد نزعته من رأسها، لكنهما يلتقيان.
الا أن هذه الشخصيات لا تلتقي فعلا بل هي تتقاطع على حافة الحضور والغياب وما يستدعيانه من تحولات. جميعها شخصيات تريد ان تهرب من شيء ما، من المجهول القادم، من الارض المجهولة التي يحاول المخرج، بجعله ثريا تعمل كدليلة سياحية، ان ينقلنا عبرها، فينتقل بنا من المدينة الى انحاء متفرقة من الجنوب وصولا الى الحدود.
فكأن النفوس التي يصورها ارض مجهولة، نفوس محطمة اصابها الدمار، الدمار نفسه الذي لحق بالمدينة وهي في لحظة الفيلم، تماما كما المدينة، تحاول ترميم نفسها لكن لا تعرف كيف.
والشخصيات هي بعمر المخرج (44 سنة) او اكثر منه شبابا لكن ما تطرحه عبر الفيلم يلخص الاسئلة التي يطرحها المخرج على نفسه وعلى المشاهد.
ويسيطر هم نقل الحياة كما هي على غسان سلهب. فهو يعترف ان جميع الممثلين الذين عمل معهم هم من الاشخاص الذين يعرفهم ويعاشرهم، وان الحدود بين الاشخاص الذين يعرفهم وبين شخصيات فيلمه هي التي تسترعي اهتمامه.
ولا يعتمد "ارض مجهولة" نهجا روائيا كلاسيكيا وانما نهجا شديد التقطيع، مفككا عن قصد. فمجموع الحكايات الصغيرة للشخصيات هو الذي يخط السكة التي ينتهجها الفيلم الذي يمكن لمس اجوائه من اللحظة الاولى.
ولا يطمح الفيلم الذي تم بانتاج لبناني فرنسي مشترك، الى اكثر من عرض حالة عبر تلك الشخصيات، حال البلد، وتفكير الشباب وشكل حياتهم فيه بعد حرب فظيعة دمرت كل شيء.
ولا تفارق الاغنية مقاطع الفيلم. فالاغنية التي تبقى الوحيدة التي تعبر عن امل ما ضائع في الضجيج وفي غبار الزمن الحاضر الذي يغطي كل شيء ويحجب الرؤية، كما غبار المدينة في يوم صيفي قائظ. الشخصيات تغني ونسمع الاغنية في الراديو وفي كل مكان، في المقهى والشارع والسيارة والحارة.