بشَّار الثالث!

آخر خطاب (وربَّما الخطاب الأخير) للرئيس السوري بشار الأسد، الذي يصارِع من أجل البقاء ولو بما يجعله آخر رئيس لسورية، هو، من وجهة نظري، حتى لا أزعم قائلاً "ومن وجهة نظر الواقع الموضوعي"، هو أهم خطاب يلقيه؛ لا بل هو "خطاب تاريخي"، شكلاً ومضموناً، بسطوره، وبمعانيه الكامنة بين (ووراء) السطور؛ ولو أردتُّ تمييزه وتصنيفه لَقُلْت إنَّ خطابات الأسد جميعاً على نوعين اثنين: النوع الأوَّل هو هذا الخطاب، والنوع الثاني هو سائر خطاباته.

وإذا أردتم أنْ أدلكم على نزرٍ من أهميته التاريخية، أدعوكم إلى أنْ تكلِّفوا أنفسكم عناء الإجابة عن الأسئلة الأوَّلية الثلاثة الآتية: أين ألقى بشار خطابه؟ ومتى ألقاه؟ وما هو هذا الجمْع الحاشِد الذي فيه أُلْقي الخطاب؟

إنَّها أسئلة إنْ لَمْ تَشْغُل إجاباتها حيِّزاً من "الخبر (الصحافي)" لن يكون الخبر خبراً؛ وإنْ لَمْ يتوفَّر المرء على إجابتها، في سياق سعيه إلى فَهْم وتفسير وتعليل هذا "الخطاب ـ الزئير"، فسوف يشقُّ عليه، ويستعصي، الوقوف على أهمية الخطاب.

الذي ألقى الخطاب ليس هو بشار الأسد الذي عرفناه (وعرفه العالَم) غداة الانفجار الشعبي الثوري السِّلمي السوري؛ فبشار ذلك، أو "بشار الأوَّل"، أبدى ميلاً (ولو ضعيفاً) إلى أنْ ينطق بعبارة زين العابدين "لقد فهمتكم!"، والتي، بقانون "تداعي المعاني"، ذكَّرَتْني بعبارة آرخميدس "وجدتها!"؛ و"بشار الثاني" كاد أنْ يشبه "إنسان نيتشه (القوي)" إذ بدا، بعد، وبسبب، رفض شعبه الاستخذاء لـ "إرادته الإصلاحية"، مُؤْمِناً بالحراب حلاًّ نهائياً لـ "تَعَنُّت وعناد شعبه"، ولو انتهى به هذا "التأليه" لـ "الحراب" إلى أنْ يجلس هو نفسه عليها؛ أمَّا "بشار الثالث (والأخير)"، مُلْقي "الخطاب الأخير"، فهو الذي ما عاد يمت بصلةٍ إلى "بشار الأوَّل" و"بشار الثاني".

"بشار الثالث (والأخير)" هو بعيد كل البُعْد عن "زين العابدين (ومبارك، وصالح)"، وقريب كل القُرْب إلى "القذافي"، الذي عشية سقوطه المحتوم، وقبل ساعات من نهايته التراجيدية، بدا، أو أراد أنْ يبدو، سيِّد البلاد والعباد، ممسكاً بزمام الأمور، باقياً إلى الأبد، لا يُواجِه إلاَّ ما يشبه "زوبعة في فنجان".

وهذا ليس بالأمر المُسْتَغْرَب، أو غير المألوف في التاريخ؛ فالحاكم الذي أحدقت به مخاطر السقوط والهلاك من كل حدب وصوب، يَسْمَع "الواقع" يخاطبه قائلاً: "أنتَ إذا اسْتَخْذَيْت لإرادة (ومطالب) شعبكَ الثائر عليك، مُت، وإذا ركبتَ رأسكَ، ومضيت قُدُماً في قتال، وتقتيل، شعبك، مُت؛ فَلِمَ لا "تتأسَّد (وتَتَعَنْتَر، وتَتَشَمْشَن)" ما دامت النتيجة، أو العاقبة، هي نفسها؟!

هذا هو "بشار الثالث" الذي لا مانع يمنعه الآن من أنْ يلبس لبوس "أقوى الأقوياء"، وهو آخر من يُصَدِّق أنَّه يملك شيئاً من "القوَّة الواقعية (بمعنييها السياسي والعسكري)"؛ فالرَّجُل، والحقُّ يُقال، قد غادر "العالَم الواقعي للسياسة"، قبل أنْ يغادِر سورية، وطلَّق "الواقع" ثلاثاً، ومزَّق "الأمير" إرباً إرباً، وما عاد يجرؤ على النَّظر في وجه كلاوزفيتس، ولا حتى في وجه نابليون الذي نصحه قائلاً: "إنَّك تستطيع فِعْل كل شيء، وأي شيء، بالحراب، عدا الجلوس عليها".

إنَّه، وبهذه "القوَّة الزائفة" التي تدثَّر بها، وتَلفَّع، أمام هذا الجمع الذي يَقِلُّ قليلاً، ولا يَقِلُّ كثيراً، عَمَّن بقي له من "شعبٍ موالٍ"، ويُمْكِنه، من ثمَّ، اصطحابهم معه على متن طائرات "شركة بوتين" المغادِرة عَمَّا قريب، قد اشترى بقاءً له، ليس في سورية؛ وإنَّما في "بلاد راسبوتين" قديماً، و"بلاد بوتين" حديثاً.

روسيا تَعْرف (ولو لم تعترف بذلك) أنَّ بشار قد انتهى، وأنَّ أيامه في "الحكم (الشكلي)" معدودة، وأنَّه في حُكْم "الميِّت سياسياً"؛ لكنَّها، ولغاية في نفسها، لن تعترف بموته إلاَّ بعد دفنه؛ وإنَّ لها ملء الحقِّ في هذا.

لقد أفْهَمَتْه، في كلامٍ جامعٍ مانعٍ، أنَّ أحداً في العالَم، غير بوتين، لا يستطيع منحه ما يريد الآن، وهو كلُّ ما يريد الآن، ألا وهو "الملاذ الآمِن (له، ولعائلته، وللعائلات الحليفة لعائلته، ولشركائه الكبار في تدمير سورية، وقَتْل شعبها)".

لكنَّ "روسيا بوتين" لن تنمحه هذا الملاذ قبل أنْ يدفع لها الثَّمن مُقَدَّما؛ وهذا الثَّمن إنَّما هو أنْ يتكلَّم ويتصرَّف بما يساعدها في إقناع العالَم بأنَّ بشار أقوى مِمَّا يُظَن، وبأنَّه قاب قوسين أو أدنى من أنْ يَقْدِم (لكن عامِداً متعمِّداً) على ما أقدمت عليه "باندورا"؛ فتَنْتَشِر الشياطين والشرور، إقليمياً ودولياً؛ وكأنَّها تريد أنْ تقول لكلِّ من يهمه الأمر، إقليمياً ودولياً، اشْتَروا منِّي، ومِنِّي فحسب، "الخلاص"، أو "هذا الدرهم من الوقاية"؛ فإنَّ "تعويضكم" خسارتي المتأتية من مغادرة بشار، هو الثَّمن الذي أُريد؛ وإلى أنْ أقبضه سيظل بشار "مقاتِلاً يُقَتِّل" أحقنه بكل مصول القوَّة؛ فهو، في كل ما يبديه الآن من تصلُّب وتشدُّد وعناد، وفي كل ما ينشره من موت ودمار، ومن رعب على المستوى الإقليمي، "ورقتي الأخيرة" في لعبة التفاوض (والمساومة) مع الولايات المتحدة؛ ولا خيار لي إلاَّ أنْ أجعلها "رابحة"!

"بشار الثالث (القوي، المتصلِّب، المتشدِّد، العنيد)" إنَّما هو "بشار الرُّوسي (لا السوري)"؛ إنَّه "البطل" في "تمثيلية روسية"؛ ولم يكن من قبيل المصادفة أنْ يؤدِّي دور البطولة هذا على مسرح دار الأُوبرا!

جواد البشيتي