بشر يتطاولون على الخالق.. انتظروا الحياة الصناعية الجديدة

لندن - من رجب سعد السيد
هل اقترب موعدنا مع البشر المصطنعين؟

في أواخر أغسطس 2007، أبرزت وكالة أنباء الأسوشياتيد برس خبرا مفاده أن العلماء على مبعدة عشر سنوات فقط من تخليق حياة صناعية، وقد يتحقق ذلك -إن هبت الرياح كما تشتهي السفن- في مدة أقل، لا تزيد عن ثلاث سنوات. فما حقيقة ذلك؟

لقد خطا العلماء خطوات هائلة في مجال فك الشفرة الوراثية للبشر والحيوانات، وفي تخليق الحمض الوراثي النووي (دي ان آي)، وفي استنساخ الكائنات البشرية؛ وبالرغم من ذلك فإن تخليق كائنات اصطناعية ذات قدرات حيوية أمر يفوق كل هذه المنجزات ويتجاوزها ويبدو بعيدا عن التصديق، مع أن الشركات والباحثين المشاركين في هذه (المغامرة) العلمية يقولون إن هذا المدى الزمني القصير -عقد واحد من الزمن- كفيل بالتوصل إلى إيجاد كائن اصطناعي، أو كما يفضلون أن يصفوه (حياة صناعية طرية)! وهم يذكروننا بالنجاح الذي تحقق في صنع الفيروسات، وهي صورة من صور الحياة على الأرض؛ ويقولون إن هذه الحياة المصنّعة ستغير مفاهيمنا عن علوم الحياة بشكل جذري، وسيكون لها تأثيرها العميق على وضعنا كأحياء في هذا الكون.
على جانب آخر، يتشكك بعض العلماء في صحة وحقيقة هذه المغامرة التي يدعي مناصروها أنها وشيكة، وإن كان التشكك ينصب، في كثير من الأحيان، وكما هو الحال عند البروفيسور فرانسيس كولينز، رئيس مشروع الجينوم البشري، على المدة التي ستنقضي قبل أن يخلّق البشر حياة اصطناعية، حيث يقول كولينز عن العلماء الذين يدعون بذلك، إنهم طموحون بدرجة مغالىً بها.

وتجتذب هذه القضية عددا كبيرا من علماء الحياة؛ وإذا أبعدناها عما يمكن أن يحيط بها من ملابسات أخلاقية ودينية، فإنها تثير الدهشة، وحالها في ذلك حال الاكتشافات التي تمثل محطات فارقة في مسيرة العلم، على طول تاريخ الحضارة البشرية الحديثة. إنها –إن حدثت ونجحت- ستكون انعطافة كونية حادة خطيرة؛ فهذه (الحياة الصناعية الطرية) لن تكون -كما قد يتصور البعض- مجرد كائن مخلق من كائن أو كائنات أخرى باستخدام تقنيات الهندسة الوراثية، بل كائن مخلّق، بكامل هيئته، اصطناعياً، أي أن أعضاءه المختلفة لم تكن موجودة من قبل.
فهل سيتمكن القائمون على هذا المشروع العلمي الخطير أن يوفروا لكائنهم الاصطناعي المتطلبات التي تعطي له صفات الكائن الحي؟. ثمة قائمة تضم عددا من هذه المتطلبات صعبة المنال، وقد يراها البعض مستحيلة؛ أولها، الحاجة لشفرة وراثية، أو حامض نووي يحمل الصفات الوراثية المحددة لماهية الكائن، الذي ينبغي أن تتوفر له -أيضاً- قدرة على التوالد ونقل هذه الصفات لخلفائه. وقبل ذلك، فإن هذه الشفرة الوراثية لن توضع في أي مكان، فهي بحاجة لوعاء ذي مواصفات خاصة يحتويها، هي الخلية الحية؛ وهذه بدورها لا تكتسب صفة الحياة، ولا تتمكن من أداء وظائفها المختلفة، وليس فقط حفظ المادة الوراثية، إلا إن توفرت لجدارها قدراته العبقرية على صون محتويات الخلية الحية، وبالوقت ذاته يسمح بأن تتم عبره عمليات حيوية عديدة؛ كما أنه -جدار الخلية- ينبغي أن تكون له نفاذية تخيرية، فيسمح للخلية بامتصاص الأملاح والمواد المغذية، وبالوقت ذاته يمنع عنها المواد والعناصر الممرضة.
وإذا افترضنا نجاح مجموعة العاملين في مشروع "الحياة الصناعية الطرية" في (تجميع) الأجزاء أو الأعضاء الأساسية للكائن الاصطناعي المترقّـب، يبرز أمامهم وجه آخر للتحدي، وهو توفير المقدرة الذاتية على الإعاشة لهذا الكائن، فعليه أن يأكل وأن يهضم طعامه ويتمثله ليستفيد بعناصره الأساسية والطاقة المتحررة منه في مختلف الوظائف الحيوية، وأهمها تعويض ما يفقد منه من خلايا وأنسجة، والنمو. فهل يقدرون على هذه التحديات ؟
لقد أعلن أحد علماء جامعة هارفارد عن قرب التوصل إلى تصنيع جدار أو غشاء خلوي بالمواصفات المطلوبة.
ويعتقد بعض العلماء أن لديهم طريقة لتخليق الحمض النووي (دنا) من وحداته الأساسية المسماة ( نيوكليوتايدز)، بوضع هذه الوحدات بين جدران الخلية، فلا تلبث أن تتجمع وتتراكب مكونة حاملات الصفات الوراثية، غير أنهم لا يوضحون كيف سيوفرون الإنزيمات الضرورية لنجاح هذه العملية. وهذه نقطة ضعف كفيلة بتقويض المشروع من أساسه.
ومن الطبيعي أن يؤدي هذا (التطاول على الخالق)، كما سيذهب كثيرون، إلى ارتفاع الأصوات المعارضة والمنددة، التي ينبغي عليها أن تدرك حقيقة أن تقدم العلوم مؤسس بالدرجة الأولى على الرغبة الإنسانية في الاكتشاف والمضي قدماً، وأنه إذا كانت مسيرة العلم في كل ما مضى من تاريخ الحضارة البشرية على الأرض كانت تمضي في (خطوات)، الواحدة تلو الأخرى، فإنها -من الآن فصاعدا- تقفز قفزاً، وتترك المتابعين يلهثون وراءها من شدة تسارع قفزاتها.
كما ينبغي ألا يغيب عن إدراكنا أن مثل هذه الأبحاث، بجسارتها وطموحها اللامحدود، توسع آفاق المعرفة الإنسانية بالحياة والأحياء، فتأتي بحقائق جديدة تنتهي إلى مردود أساسي، هو خدمة الحياة البشرية، في صحتها وفي مرضها.