بريق مدينة الفخار في تونس يخفت

ضعف المبيعات

جربة (تونس) - تغيرت ملامح مدينة قلّالة المنتصبة بهدوء على بعد نحو 20 كم من جزيرة جربة التونسية في السنوات الأخيرة.

فالمدينة الأمازيغية التي كانت أسواقها إلى وقت قريب، مزدانة بشتى أنواع الفخار الذي يقبل السياح على ابتياعه فقدت بريقها مع تراجع الإقبال على الصناعة اليدوية الشهيرة.

قبل سنوات، لم يكن أي سائح يزور جزيرة جربة يفوّت على نفسه فرصة التعرف إلى "قلالة"، هذه المدينة التي توارثت عبر السنين صناعة الفخار وبيعه لزوارها.

ففي مختلف المتاجر المتناثرة في أرجائها، يقبل الزوار على ما تعرضه من أواني فخار، البعض يختار ابتياع عدد منها، فيما يفضل آخرون توثيق طرق صناعتها عبر كاميراتهم.

وصناعة الفخار بالمدينة ليست وليدة الأمس، فأعرق مصانع الفخار فيها تعود إلى 4 قرون خلت، وفي أحد هذه المصانع، يعمل الحرفي الأربعيني فتحي السقّال.

فتحي أبدى أسفه البالغ لما يشهده قطاع الفخار من تراجع جراء ضعف المبيعات سواء بالسوق المحلية أو الخارجية، وتحديدا نحو أوروبا منذ 2008، تاريخ اندلاع الأزمة المالية العالمية.

وأوضح فتحي، أن "العديد من الشركات الناشطة في تصدير الفخار إلى الخارج كانت موجودة قبل ذلك التاريخ".

وتابع: "إلى حدود 2008، كنت أقوم بمفردي بتصدير قطع الفخار إلى فرنسا برقم معاملات قد يصل إلى 25 ألف دينار سنويا (ما يعادل نحو 10.15 آلاف دولار)، أما اليوم، فنحن لا نصدّر شيئا".

وبحسب الحرفي، فإنّ تكاليف صناعة الفخار ارتفعت بشكل كبير في الأعوام الماضية، بسبب غلاء الطين المستورد في معظم الأحيان من فرنسا.

فيما حافظ عدد ضئيل من الحرفيين على عادة ابتياع الطين من حفرة كبيرة على شاكلة حوض بمدينة قلالة يطلق عليه اسم "المعدن"، ويتراوح عمقه من 20 إلى 50 مترا تحت الأرض.

ويشكو عدد من تجار وحرفيي قلالة من غياب السياح الأجانب عن المدينة، عقب ثورة 2011 التي أطاحت بنظام الرئيس التونسي الأسبق زين العابدين علي.

ولم تفلح خصوصية المدينة الأمازيغية ووجودها ضمن المسلك السياحي لجزيرة جربة في استقطاب أعداد السياح التي بدأت بالعودة إلى الجزيرة إثر استقرار الأوضاع الأمنية في البلاد.

التاجر بالمدينة، علاء بنميمون، يُرجع هذا الأمر إلى تقيُّد السياح بالمسلك الذي تفرضه عليهم وكالات السفر.

علاء قال إنه "لم يعد هنالك سياح أجانب، ونحن نشتغل فقط مع السياح التّونسيين ممن يعرفون هذه المدينة، والسائح الأجنبي يتقيد بشكل كبير بالمسلك المفروض عليه من الشركات السياحية".

وتابع: "هذه الشركات تتعامل، في معظمها، وبشكل حصري مع محلات معيّنة للصناعات التقليدية بناء على اتفاق مسبق بين صاحب المحل ووكالة السفر".

وبحسب بنميمون، فإن "الحرفي يجد نفسه مجبرا على دفع مبالغ كبيرة لهذه الشركات حتى تجلب له السياح، وإلا فإنها تقوم بتوجيهم نحو محلات أخرى".

وقال سليم غنجة، المسؤول عن قطاع الصناعات التقليدية بمحافظة مدنين (جنوب)، إنّ "السلطات المحلّية اجتمعت، في وقت سابق، مع ممثلين وكالات السفر، وتم الاتفاق على ترك الحرية الكاملة للسياح للتجوّل في مدينة قلالة".

وأضاف أنّ "وكالات السفر لم تلتزم بهذا الأمر".

يشكو الكثير من الحرفيين في قلالة التونسية من قلة دعم الدولة لصغار الحرفيين، إضافة لفرض ضرائب مجحفة بحقهم، ما أدى إلى هجر عدد كبير منهم للمهنة.

الحرفي بنميمون، قال إن "حرفيين أغلقوا منذ أسبوعين، محلاتهم المخصّصة لبيع الفخار، واستبدلوها ببضائع أخرى، حتّى أن البعض فتح محله لبيع البنزين المهرب من ليبيا".

وقال سليم غنجة، مسؤول الصناعات التقليدية بالمحافظة التي تنتمي إليها قلالة إنّ "الدولة تقدّم قروضا هامة للحرفيين، مع امتيازات وتسهيلات في التسديد".

وأضاف أن الدولة تقدّم أيضا "منحا تقدر بـ500 دينار (ما يعادل نحو 200 دولار)، لعدد من الحرفيين، كما تتكفّل بتوفير فضاءات مجانية في معرض الصناعات التقليدية بالكرم (ضاحية بالعاصمة التونسية) للتعريف بمنتجاتهم".

وعلاوة على الإشكالات المحلية، لفت عدد من الحرفيين إلى أن فخار قلالة يواجه منافسة شرسة في السوقين المحلية والخارجية من المنتجات الصينية.

ففي متاجر الصناعات التقليدية بقلالة، تزاحم قطع الفخار الصينية نظيرتها التونسية، "ما يهدد استمرارية هذه الحرفة" بحسب فتحي السقال.

ويتفق سليم غنجة مع هذا الحرفي، غير أنه يحمل المسؤولية الأولى إلى وزارة التجارة التي بإمكانها أمنع استيراد الفخار من الصين.

ويبلغ عدد السكان "قلالة" نحو 11 ألفا، معظمهم من الأمازيغ.