بريطانيا والإتحاد الأوروبي: وفاق أم فراق؟

منذ نشوء الإتحاد الأوروبي ولحد هذا اليوم لعبت وتلعب بريطانيا دور المتمرد الأكبر على أصول وقوانين وصيرورة هذا الإتحاد! حيث أن السياسيين المعارضين لإنضمام وبقاء بريطانيا داخل الإتحاد الأوروبي ضربوا ويضربون دائما على أوتار حساسة في ضمير الشارع البريطاني والرأي العام البريطاني وأهمها وتر السيادة ووتر الهجرة. فبريطانيا العظمى تنظر الى تأريخ إمبراطوريتها ونفوذها في العالم ولا تريد أن تنصهر في بوتقة الإتحاد الأوروبي وتمحو كيانها وتراثها. هذا من جهة ومن جهة أخرى، بريطانيا تعتبر من دول الحلم الجميل التي يسعى للهجرة لها الكثير من مواطني المعمورة من داخل وخارج أوروبا. لكن بريطانيا تحاول على مر الزمن أن تحمي نفسها من الغزو الخارجي وتحمي مواطنيها من المنافسة الخارجية بسبب توفر العمالة الأجنبية التي قد تضيّق الخناق على العامل البريطاني وتحجّم أو تقلل من فرص إيجاده للعمل.

على هذا الواقع يحشد المناهضون لبقاء بريطانيا داخل الإتحاد الأوروبي رؤاهم وأفكارهم من أجل إقناع الشارع البريطاني بالإنسحاب الفوري من هذا الإتحاد كي ترجع بريطانيا حرة طليقة كما كانت بلا قيود أوروبية وبدون قوانين وأنظمة تفرضها أوروبا عليها قد لا تروق لها أو قد تعيق حركة تجارتها ومسيرة سياساتها الخارجية، كما تريد حماية نفسها من تدفق الأوروبيين غير المحدود عليها خصوصا أوروبي أوروبا الشرقية.

هذا من جانب، ومن الجانب الآخر يرى السياسيون البريطانيون الآخرون، المؤيدون لإنضمام وبقاء بريطانيا في الإتحاد الأوروبي، المخاطر التي ستحيق ببريطانيا إن لم تكن عضوا في الإتحاد الأوروبي وأهمها العزلة الإقتصادية التي ستصيبها إن صارت تهرول وحدها في الساحة وتغادر الركب الأوروبي السائر. فقد أيدت هذا المنطق الدراسات الإقتصادية والتجارية التي أجريت في المعاهد الإقتصادية البريطانية، حيث بين معهد دراسات التكامل الإقتصادي البريطاني التابع للمدرسة الإقتصادية البريطانيّة بأنه سيحصل إنكماش إقتصادي حاد في الناتج الإقتصادي المحلي الإجمالي تتراوح نسبته بين 6 الى 9.5 في المائة إن غادر البريطانيون أوروبا أو ألغوا عضويتهم فيها. هذا الإنكماش في الإقتصاد قد يضاهي الإنكماش الإقتصادي الذي حصل إبان الأزمة الإقتصادية العالمية التي حصلت عام 2008. وقد أيدت هذه الدراسة دراسات أخرى أجريت بمعاهد إقتصاد بريطانية مثل معهد الإقتصاد الوطني وإن كانت نتائج الدراسة عنده أقل تشاؤما حيث بيّنت بأن نسبة الإنكماش الإقتصادي الذي سيحصل في الناتج الإقتصادي المحلي الإجمالي يزيد قليلا على الـ 2.5 في المائة حال ألغت بريطانيا عضويتها في الإتحاد.

ومهما يكن من أمر فأنه دون شك ستتضرر التجارة البريطانية حال خروج بريطانيا من أوروبا بأضرار ملحوظة نتيجة تلكؤ صادراتها الى أوروبا والتي تضاهي حجم صادراتها الى باقي دول العالم من جهة ومن جهة أخرى سيفقد الكثيرون من البريطانيين وظائفهم وأعمالهم التي تتعلق بشكل مباشر بكون بريطانيا عضوا في الإتحاد الأوروبي. وفوق هذا وذاك فأن الكثير من المستثمرين الأجانب والشركات الأجنبية والمؤسسات المالية قد تغادر التراب البريطاني إن إنسحبت بريطانيا من عضويتها في الإتحاد الأوروبي. كما أن الحركات الإنفصالية في أسكوتلندا وإيرلندا الشمالية ستتفعّل حال تخلّي بريطانيا عن عضويتها في الإتحاد الأوروبي.

على ضوء هذا التناقض في الرؤى بين السياسيين البريطانيين الذي يتبعه إنقسام ملحوظ في الرأي العام البريطاني وللأهتمام المتميّز لدى الأوروبيين في أن تبقى بريطانيا عضوا فاعلا في الإتحاد الأوروبي، فقد حاولت أوروبا أن تقدم الكثير من التنازلات والإستثناءات للبريطانيين من أجل أن تبقى بريطانيا داخل الإتحاد ولا تنسحب أو تتخلى عنه وذلك إرضاءا للمناهضين ودعما للموالين. فقد إستثنى الإتحاد بريطانيا من الإنضمام الى منطقة اليورو وبقت بريطانيا محتفظة بالعملة الوطنية البريطانيّة "الباون الأسترليني"، كما منحت أوروبا إستثناء آخر للبريطانيين بقبولها أن تبقى بريطانيا خارج منطقة "الشينغين" حفاظا عليها من نزوح الأجانب غير الأوروبيين لها.

غير أن كل هذه التنازلات لم تقنع تماما المعارضين البريطانيين لعضوية بريطانيا في الإتحاد الأوروبي وبقت الكفة متأرجحة بين المناهضين والموالين للبقاء في أوروبا الى الدرجة التي دفعت فيها رئيس الوزراء البريطاني الحالي ديفيد كاميرون الى أن يعد الشعب البريطاني بالإستفتاء والإستشارة على مسألة الخروج أو البقاء في عضوية بريطانيا داخل الإتحاد الأوروبي ليكون هو طرف الحسم النهائي لصراع دام طويلا.

وقبيل إجراء هذا الإستفتاء أراد رئيس وزراء بريطانيا أن يحسم موقفه الشخصي وموقف أعضاء حزبه "حزب المحافظين" من هذا الأمر. فقد جاء بسلّة مطالب وإصلاحات قدّمها الى البرلمان الأوروبي والساسة الأوروبيين ثمنا لدعمه لحملة الإنتخابات القادمة في بقاء بريطانيا داخل الإتحاد وتتركز هذه الإصلاحات بشكل رئيسي على مسألة السيادة وقوانين الهجرة وهي المثار الأكبر للجدل وأهمها: أن تستثنى بريطانيا في أن تكون دولة منظمة الى أي تقارب سياسي وثيق يحصل بين دول الإتحاد مستقبلا كإنشاء دولة "أوروبا الكبرى" كي لا تذوب بريطانيا في هذا الكيان الجديد وتفقد هويتها وتراثها الهام وحفاظا على السيادة الوطنية البريطانية غالية الثمن. أن لا يكون اليورو العملة الأوروبية الرسميّة الوحيدة وأن لا تسيطر أو تهيمن دول منطقة اليورو التسع عشر على عملات الدول التسع الأخرى غير المنظمة الى منطقة اليورو. أن تصدر أوروبا قوانين وتحديدات لعملية هجرة المواطنين القادمين من الدول الجديدة المنضوية الى عضوية الإتحاد الأوروبي مثل الجبل الأسود وصربيا وألبانيا والبوسنة والهرسك وتركيا وغيرها كي لا يتكرر المشهد الذي حصل عام 2004 حينما إنضمت بولونيا وليثوانيا الى عضوية الإتحاد والتي نزح على أثرها ما يقارب المليون وأربعمائة ألف عامل الى بريطانيا. أن تتقلص المدفوعات الخاصة بالرعاية الإجتماعية للمهاجرين الى حد مرضي ومقبول وأن تتحرر بريطانيا من بعض القوانين والإلتزامات الأوروبية التي تخص نظم الضرائب والصيرفة والأمن الوطني والمحاكم وتأشيرات الدخول وغيرها.

طرحت هذه المطالب على قمة الساسة الأوروبيين المنعقد في بروكسل بين 18 و19 شباط/فبراير الجاري والتي حققت الشيء الكبير منها وأجرت حزمة من الإصلاحات الهامة التي تصب في مصلحة البريطانيين حرصا على بقاء بريطانيا بين دول الإتحاد ورغبة بعدم التفريط بها نظرا للأهمية الكبيرة لوجودها داخل الإتحاد حيث تعتبر القوة الإقتصادية الثانية بعد ألمانيا في هذا الإتحاد ورغبة لترصين هذا الإتحاد وعدم تفككه. الإتفاق الموقع بالإجماع حاز على موافقة رئيس وزراء بريطانيا الذي سيقود حملته الإنتخابية داعما لبقاء بريطانيا في الإتحاد الأوروبي رغم كرهه لبروكسل وحبه لبريطانيا حسب قوله.

لن يكون ما حصل عليه ديفيد كاميرون من جعبة إصلاحات في القوانين الأوروبية كافيا في نظر من يتربص الفرص في إخراج بريطانيا من هذا الإتحاد، فأعداء البقاء في الإتحاد كثيرون من داخل حزب المحافظين ومن خارجه. ففور الإعلان عن بنود الإتفاق الأوروبي البريطاني بادر وزير العدل البريطاني الحالي مايكل غوف،وهو من المقربين لكاميرون، بمعارضته لبنود هذا الإتفاق ووعد بقيادة حملة إنتخابية تسعى الى تأليب الرأي العام البريطاني على التصويت للخروج من الإتحاد إبان الاستفتاء الشعبي العام الذي من المزمع اقامته في الثالث والعشرين من شهر حزيران القادم. كما يعتقد أن ينظم اليه آخرون ممن لهم ثقل سياسي كبير في بريطانيا أمثال عمدة لندن بوريس جونسون وعضو البرلمان أندريه ليدسوم وغيرهم.

الكرة ستصبح في النهاية عند المواطن البريطاني الذي سيدلي بصوته في البقاء أو الخروج من أوروبا والذي سيتحمل مسؤولية حسن الاختيار والى أي صوب سيتجه، فالمسار صعب وخطير وقد يؤدي الى نتائج لا تحمد عقباها إن أساء الحسم! ومهما يكن من أمر فقد يتوقع المراقب للأحداث بأن الفارق قد لا يكون كبيرا بين المناصرين والمناهضين لبقاء بريطانيا في الركب الأوروبي السائر، وقد يتردد الكثيرون من البريطانيين في خيارهم الصعب. فإما الانسحاب عن هذا الركب والمضي بركب آخر لا يعرفون حجم المصائب التي تنتظرهم فيه وإما البقاء مع الركب الأوروبي المليء بالهوات والمطبات!