بريطانيا: سراب الخروج من تيه الاتحاد الاوروبي

منذ تصويت البريطانيين للخروج من الاتحاد الاوروبي بكلمة نعم والدوامة بدأت تدور بالبريطانيين ولا يعرف الى اين ستنتهي.

هنالك اجماع على ان الامة لم تكن مهيئة مسبقا لقرار من هذا النوع، صقور الخروج سرعان ما تنصلوا وهربوا تاركين الشعب البريطاني يواجه مصيره. يتنصل عمدة لندن السابق بوريس جونسن عن المنافسة على تولي منصب رئاسة الوزراء ويستقيل نايجل فاراج زعيم حزب الاستقلال اليميني العنصري المتطرف من رئاسة الحزب وهو الذي قاد حزبه بشراسة لدفع البريطانيين للتصويت بنعم للخروج فيما يواجه الحزبان العتيدان، العمال والمحافظون، صراعات قاسية من الداخل ينطبق عليها ما سمته صحيفة الغارديان البريطانية انها حرب اهلية ضربت الحزبين.

على وقع الازمات والاستقالات والاتهامات المتبادلة تفقد بريطانيا كثيرا من ثقلها الاقتصادي في شكل خسارات صادمة وغير متوقعة اولها خسارة الجنيه لمكانته السابقة وتقهقر قيمته امام الدولار واليورو فيما تعبّر البنوك البريطانية عن هلعها بعد خسارات متلاحقة المت بها وصلت الى ثلث ذخيرتها النقدية.

ماذا تنتظر بريطانيا بعد كل هذه الانتكاسات والتصدعات؟

العقلاء الذين نزلوا الى الشوارع في مظاهرة حاشدة جابت شوارع لندن الاسبوع الماضي دعوا الى تحكيم العقل ولغة المصلحة. ملايين لا يستهان بها وجدت نفسها في خانق ضيق ولا تحسد عليه. فدعاة الخروج انفسهم خذلوا جمهورهم لانهم لم يكونوا جاهزين للمهمة وظنوا ان الخروج مجرد ظاهرة صوتية سرعان ما ستتوج بريطانيا سيدة على نفسها وفي مستوى ارفع من اوروبا. يا له من حلم ساذج وتصرف اهوج. "اننا نشعر بالخزي من جراء هذا التصويت"، هكذا يصرّح متظاهر بريطاني.

اصوات مليونية تدعو الى اعادة التصويت تعبيرا عن تراجع ملايين من المصوتين عما اقترفوه بما يتوقع ان يغيّر المعادلة لا يجد له اذنا صاغية. فالكبرياء البريطاني لا يتيح التراجع عن الخطأ. "لكنها خطيئة التي ستلحق افدح الاضرار بمستقبل اجيال بأكملها"، يصرخ متظاهر آخر.

حتى توني بلير، رئيس الوزراء الاسبق الذي ظلل الرأي العام وزج بريطانيا في حرب بوش الاميركية على العراق يعلن انه كان تصويتا قائما على الكذب والخداع. وبالفعل، لقد خدع صقور الخروج اتباعهم ومناصريهم بأنها الفرصة الذهيبة لصعود بريطانيا بعيدا عن الخضوع للسيطرة الاوروبية وتدفقات المهاجرين الاوروبيين ليتضح سريعا أن ما تمت الشكوى منه كان رحمة كبيرة للبريطانيين وللاقتصاد البريطاني.

لا يبدو في الافق ان هنالك حل يمكن الاهتداء به سوى المضي في سيناريو الخسارات فضلا عن دعوات للم الشمل البريطاني ستحققه وزيرة الداخلية الحالية تيريزا ماي الاوفر حظا لقيادة الحكومة المقبلة.

علي صعيد استحقاقات الخروج الفوري من الاتحاد الاوروبي تبدو بريطانيا متخبطة وحائرة في امرها. كيف ستتقدم الحكومة البريطانية بمطلب من هذا النوع ومن الذي سيتحمل التبعات ولهذا يسعى رئيس الوزراء الحالي بكل الوسائل الى حسم مسألة الخروج وبما فيه التفاوض حول الاتفاقيات المشتركة الى مابعد شهر اكتوبر/تشرين الاول المقبل عندما تكون ولايته قد انتهت وهو امر لا يستسيغه الزعماء الاوروبيون ساعين الى الاسراع في معاقبة بريطانيا على جميع الاصعدة بأخراجها اولا وقبل كل شيء من الفضاء الاقتصادي الاوروبي المشترك.

بموازاة ذلك وبعد الوصول الي حالة غير مسبوقة من الانقسام البريطاني ـ البريطاني بين دعاة البقاء والخروج هنالك انقسام آخر هو انقسام الشيوخ الذين قالوا نعم للخروج والشباب الذين قالوا لا. ومن المفارقة ان يتهم الشباب اولئك الشيوخ بأنهم امتداد للعقل العدمي الذي لا يعرف ماذا يريد من الخروج وما فائدته وجدواه لمستقبل البريطانيين وحجرهم في داخل جزيرتهم المعزولة التي بدأت رياح التفكك تضربها من خلال صرخات الانفصال عن المملكة المتحدة والبقاء في احضان الاتحاد الاوروبي من طرف اسكتلندا وايرلندا وهو ما يفاقم المشهد بشدة ويجعل المهمة اكثر من صعبة على صعيد الخروج من التيه الذي وجدت بريطانيا نفسها فيه.