بروقٌ تعلو وتهبط في حديث مع ربَّة الشفاء

بقلم: سامي العامري
الصَّبُّ لا يقوى

يا حُسنَهُ قَدَحاً سكرانَ عن قَصْدِ
قد زارني دون خطوٍ
والرياحُ سعتْ مَوّارةً ضدّي
في حانةٍ بذُرى بغدادَ وسطَ دمي
تحتَ الأراجيحِ
خَلْفَ الشطِّ والوردِ !
والأنجُمُ اجتَمَعتْ
وأناسُ ما اجتمعوا
في كلِّ يومٍ لنا وَصْلٌ ومُنْتَجَعُ
لكنْ مع الشكوى
والصَّبُّ لا يقوى
حَوّاءُ يا دجلةً
فراتُ يا آدمْ
مَن في جراحيَ ألقى الُلْكَ كالخاتَمْ؟
فَصُرتُ من طينِ
أُلَقِّنُ الطيرَ إنشادي فيرويني
مِن آخرِ الصينِ حتى آخرِ الصينِ!
حياة المستشفى، خاصة المستشفى الذي يعنى بحالة مثل حالتي، تختلف كثيراً عن الحياة في الخارج، فالضجر في أحيان كثيرة ينال من الجميع، فلا الأدوية ولا لعب الورق ولا القهوة ولا الثرثرات تُغني المقيمين هنا، فالزفير سرعان ما يتقدَّم ليعلن أنْ لا جديد ولكني جلبتُ دفاتري وبعض الكتب معي وأحاديثَ عن الماضي وقلتُ: سوف نرى!
كنتُ مُنكبَّاً على تنقيح بعض السطور وتناول القهوة حين دخلتْ غرفة الإستراحة.
رجلان كبيران في السن يتحدّثان في زاوية قريبة وشابٌ مرتجفُ اليدين يقرأ جريدة، الجريدة تبدو بسبب ارتجافه وكأنها مهفَّةٌ!
وشابة تتأوَّد على نغم أغنية خفيضة في التلفاز.
صامتةً جلستْ على الجهة المقابلة لي وجنب النافذة.
دفتري الآخر الذي بدأته قبل ثلاثة أيام بتدوين أفكارٍ عن إحساسي في الأيام الأولى من وجودي هنا، تخطّى الآن الصفحة الثلاثين. كان البعض يطلبُ مني أحياناً أن أترجم له شيئاً منه فأعتذر قائلاً: إنه مجرد يوميات غير مُنسَّقة.
هذه المرأة التي أتتْ مع أُمِّها إلى هنا وكان هذا قبل أسبوع، لم تظهر في غرفة التدخين إلاّ اليوم.
لم يعد يشغل تفكيري في هذه اللحظات غير هذه المرأة! أرمقها بين الحين والآخر حينما أكتب، وجهها يبعث على السكينة وكنتُ أقول: إنَّ تأويلي لحركات البَشَر أفضل من قراءتي لتعابير وجوههم ولكنها لا تكاد تتحرك، وجهها ساهم ونظرتها متجهة بثبات إلى الطاولة أمامها. ضوءٌ صباحيٌّ يخترق الستارة الشفافة، يضيء نصف وجهها الأيسر حتى كتفها فخصرها، ها هي تتحرك الآن قليلاً، تفتح حقيبتها الصغيرة، تُدخل يدها برعشة خفيفة كلاعب يا نصيب.
ها هي تُخرج سيجارة. أتمنّى لو تطلب مني ناراً.
هل أذهب إليها فأشعل لها سجارتها بأدبٍ ؟ لا إنها تملك ناراً.
قلتُ لنفسي مُحرِّضاً: ألا تذهبْ إليها؟ فالشعر أيضاً هو ما يفيض عن الورقة إلى الخارج، قلْ لها أَّية كلمة، أي شيءٍ.
وبالفعل، قفزتُ فاقتربتُ منها فبادرتْ هي بالسؤال عن عدد المرضى وما إذا كانت هناك إمكانية الآن للحصول على فنجان قهوة فبيَّنتُ لها ذلك ثم سألتْ وهي تنظر من النافذة عن البناية المقابلة لبنايتنا وماذا تكون فأخبرتُها وكمَن يهذي بأنَّها مَحجرٌ صحيٌّ !
فقالتْ: صحيح؟ آه أعتقد أنني بسبب أمّي سأدخل هذا المَحجر يوماً ما فهي تريد أن تكون سلطانة عليَّ قالتْ هذا فضحكتْ، ولكنَّ توافدَ الرجال حولنا وكلامهم عن برنامج التأهيل اليومي المخصَّص لهم وأشياء غيرها أرجعتْني إلى نقطة البداية فقد تحلّقوا حولها مُرحِّبين!
انسحبتُ كذلك لسببٍ آخر وهو أنَّ عدد الرجال هنا أكثر من عدد النساء، وهذا يضيف نوعاً من التعقيد حيث تطفو مشاعر متوقعة من بعض الرجال إذا انفردتُ بالحديث مع امرأة خاصةً وانا أجنبي!
ولكن لا يهمُّ فأنا أساساً لم أرِدْ باقترابي من هذه المرأة سوى نوعٍ من الشعور بالقرب من الحياة وارتباطاتها الأليفة وهو أمرٌ لا يدَ لك فيه والمرأة أفضل مَن يُجسِّدُ هذا.
لا أعرف كيف مضى النهار إلى نهايتهِ فقد تلبَّستني حالة من البلادة وبقيتْ معي حتى جاء منتصف الليل فلجأتُ ثانية الى الكتابة: أيتها الآتيةُ أخيراً
إليَّ بكِ !
ولقبلاتي أن تستقرَّ على وجنتيك كالشامات!
كلُّ شيءٍ منذ البدء تقاطرَ كأنهُ النَفَسِ,
وكما تش ...
بروقٌ تعلو وتهبط، مَن ذا؟ النافذة تفتحها أيادي الغابة المجاورة، دمي يختلج كساحلٍ ترتطم به أمواجٌ متتابعة ثم تتفرّق كما قطعٍ من غيوم شتوية, لحنٌ نمير ذائبٌ لا يسمعه أحدٌ غيري، أشعر الآن كما لو أنَّ الكل يسمعه، أو كأنّ له طبع الآلهة خُلِقَ ليُعرَف.
قالتْ الربةُ : نعم أنا هو ذا، ومثلما عرفتَني أردتُ أن يعرفني سواك ولكن ليس قبل أن تُتم,

الكلُّ نيامٌ إلاّ أجراسُ قلمك، فلتواصلْ قرعَها حتى تسمعها هي فتأتي على جناح نجمةٍ.
قلتُ: نعم، قرعتها قبل قليل عدة مرات، عدة مقاماتٍ، عدة ولاياتٍ، ولكني سأروي لك الآن بعض حصاد سهري وما يقطر من غصون ذاكرتي.
وتلك حكاية أخرى، قبل عقد ونيِّفٍ رأتني أتناول الخمر مع بعض زملاء العمل الجدد في حانة قرب شقتها بينما كانت تهمُّ بالخروج من الشقة.
كان هذا قبل أن نتعرَّف على بعضنا، كان واضحاً في البدء أنها تهرب من كلِّ رجلٍ تشمُّ فيه رائحة خمر.
ولكن يبدو أنَّ حماسي بعد ذلك في التأكيد على أني لولا الخمر لما عرفتُ الجمال أثار انتباهها فما هي إلاّ أيام حتى وجدتُها تشاركني الكأس!
كانت تغيب فترات محددة أحياناً ثم تعود ولكنها غابت هذه المرة فترة طويلة عني وعن شقَّتها حتى يئستُ من عودتها.
أسندتُ يدي إى النافذة حيث إيماءات الصباح.
النوافذُ تصِلُها هنا إلى الطابق الثالث أشجارٌ عالية الخُضرة، أمدُّ يدي إلى إحداها، أُلامسُها فتسحبُ قَوامَها بكل نسائمهِ تتغنَّجُ، وأتذكَّر حائط غرفتي النابض بالشوق، التفتُّ إليه في إحدى عُطَل نهاية الإسبوع، كان يبدو عليه مهجوراً منذ زمنٍ طويلٍ فهو كثير التشكّي. قلتُ له حينذاك: تستطيع أن ترحل إنْ شئتَ.
أتذكرُّ الغابات الثلجية في الأشتية السابقة وكيف حاولتُ رسم مجموعة من أشجارها على هذا الحائط فبدتْ وكأنها لحيةٌ داكنة ظللتُ لسنواتٍ أرقبها بحزنٍ وأتطلَّع إلى ما خلفها وأربط كلَّ ذلك بالعمر ومعاني الموت.
أقول: غابتْ طويلاً فحزنتُ كثيراً. كنتُ حتى ذلك اليوم لم أرَ مثل صداها عمقاً.
وفي الليلة الماضية ...
تماماً كالمركبة الفضائية لحظة الإنطلاق شعورٌ هائل بالنشوة والغبطة ثم رقصة مع خليط من الناس تشبه الرقص الطقسي في بعض حلقات الصوفية، كان هذا حلمي الأول والذي بقيَ أثرُهُ حتى حين استيقظتُ نصف استيقاظ فصحتُ من فرط الإرهاق الروحي: مَن أعطاني مُخدِّراً؟
ثمَّ عدتُ إلى النوم فالحلم مرة أخرى.
كانت الليلة الماضية أو نصفها الأوّل هو كلُّ ما تركتُهُ خلفي من سنوات التشرد مختزَلةً. مَن يعيد لي هذه التجربة المدهشة؟
وتذكَّرتُ حالةً أخرى إذْ عدتُ قبل عامين إلى البيت، وفي الظهيرة فلم أجد الحائط الذي كان على ميسرتي دائماً أوانَ الجلوس والكتابة ووجدتُ مكانَهُ ستارةً زرقاء تدفعُها الريح حتى منتصف الغرفة فتتخافق وامرأةً تقهقهُ، كانت مضطجعة على الأرضية وتضرب الستارة بيدها وساقها، والشمس من ورائها تميد، أحسستُ بالحزن لأجْلِ الحائط فهو ربما تلاشى بسبب اليأس مني ولكن أنتِ مَن الذي أتى بكِ؟ فأشارت إلى ما خلف الستارة إلى غيومٍ تتلاحق .
فحاولتُ ملامستها غير أنها تفتَّتت بين أصابعي كالرماد, كورقةٍ من بطون التأريخ، كالنَّفَسِ، وهنا في المستشفى من خلال النافذة حيث النجوم تمورُ والسماء زرقاء، وحيث حضورك الأثيل يترسخ وحيث حضوري يحكي غيابي. أقول لك: رويداً رويداً بدأتُ أتيقنُ أنها تنتظرني وإلاّ فما معنى الإستماتة من أجل استنطاق ذاكرة الورقة؟
قالت الربة بابتسامتها العبيرية الواثقة: كل ما كتبتَهُ كان لها، وحين تخرج غداً سوف لا أدعك تذهب إلى طبيبٍ يعطيك دواءً تتناولُهُ بانتظام، بل ستذهبُ إليها إلى طبيبٍ يعطيكَ دواءً تتناولُهُ دون انتظام! مَن لي بتَهْلُكةٍ كلَيلِك أشتهيها
وكما إزارك أرتديها؟
إنْ ينكثِ الأصحابُ في العَلَنِ الوعودَ فَهُمْ كذلك دائماً
وأنا لذلك مثلما قد ذبتُ فيك
أذوبُ فيها !
كم أشكلتْ تلك القلوبُ على مداراتٍ لعطرِ؟
وعواصفُ اصطفَّتْ لتنفضَ كالرداء مياهَ بَحري
***
(*) نصٌّ من كتاب يجمع بين القصِّ والنثر الأدبي والشعر يحمل عنوان "حديث مع ربة الشفاء".
(**) بوصولي إلى هذه الحلقة من الكتاب أكون – كما أرجو – قد أوصلتُ العديد مما كان يشغلني من هواجس وحالات روحية وشظايا أفكار وأكون قد وصلتُ إلى الحلقة ما قبل الأخيرة حيث ستكون الحلقة الأخيرة مخصصة لخطبةٍ تلقيها الربة وهي تلوح مرئية كحزمة أضواء في حديقة المستشفى, خطبةٍ تلقيها على الجميع من مرضى وأطباء ومنتسبي المستشفى وحشد عفوي من سكان المدينة الصغيرة القريبة! سامي العامري ـ كولونيا 2008 alamiri84@yahoo.de