برلمان كردستان.. اسما بلا مضمون

لم يبق من المجلس سوى المبنى ورواتب النواب

أربيل ـ يتباهى إقليم كردستان منذ 23 عاما بامتلاكه برلمانا وتجربة حكم ولكن الصراعات السياسية في الأشهر القليلة الماضية أدت إلى تعطل اكبر سلطة تشريعية في الإقليم، وهو البرلمان الذي توقف عن القيام بدوره الرقابي وإصدار القوانين.

ويبدو أن برلمان كردستان بات "اسما دون مضمون" بعدما تحول إلى مؤسسة معطلة تضم نوابا عاطلين عن العمل بسبب توقف البرلمان عن مزاولة أعماله.

وعلى الرغم من أن البرلمان مر منذ تأسيسه بأزمات مختلفة إلا أن الدورة الحالية تدفع الآن ثمن محاولتها تغيير النظام السياسي في الإقليم، إذ مُنع رئيس البرلمان بقرار سياسي من مزاولة عمله في أربيل في الثاني عشر من تشرين الأول/أكتوبر على خلفية مشكلة انتهاء ولاية مسعود بارزاني ومنذ ذلك الحين لم يبق من برلمان كردستان شيء في مكانه سوى مبناه.

ويزاول رئيس البرلمان الآن عمله في مكتب البرلمان في السليمانية، فيما يداوم نائبه في مبنى البرلمان في أربيل أما سكرتير البرلمان فهو مقيم في منزله ولا يغادره.

وجعلت هذه الحقيقة عمل البرلمان في دورته الحالية معطلا.

ومنح منصب رئيس البرلمان لحركة التغيير وتسلمه يوسف محمد صادق بعد انتخابات أيلول/ سبتمبر عام 2013 حسب اتفاق بين الحزب الديمقراطي الكردستاني وحركة التغيير (الاول حصل على(38 مقعدا والثاني حصل على 24 مقعدا من أصل مقاعد البرلمان البالبغ عددها 111 مقعدا.

ومع أن اتفاق الجانبين كان أساسه قضاء "أربعة أعوام من الهدوء" معا، فإن البرلمان حين أراد تناول موضوع رئاسة الاقليم - انتهت ولاية مسعود بارزاني في التاسع عشر من آب/اغسطس بعد بقائه في المنصب لمدة عشرة اعوام-، تواجه الجانبان وكانت النتيجة تعطل البرلمان.

ويعود تاريخ آخر توقيع ليوسف محمد كرئيس للبرلمان يعمل به الآن داخل البرلمان الى الثامن عشر من تشرين الاول/اكتوبر، أي بعد ستة أيام من منعه عن مزاولة عمله ويتعلق الكتاب المذكور بتنظيم شؤون لجان البرلمان وبعد ذلك لم يوضع لكتابات رئيس البرلمان اعتبار داخل البرلمان وان كان يستقبل يوميا الوفود والضيوف في السليمانية.

وقد منع الكثير من الإداريين ذوو السلطة داخل البرلمان أيضا من العمل مع رئيس البرلمان، ولكن آكار محمد مدير مكتب رئيس البرلمان لا يزال يداوم في غرفته داخل مبنى البرلمان.

وقال آكار "يزاول رئيس البرلمان عمله الطبيعي في مكتب السليمانية ويلتقي الناس والمسؤولين المحليين والأجانب".

والعمل الطبيعي لرئيس البرلمان الذي يجري الحديث عنه هو في الحقيقة عبارة عن استقبال الضيوف فقط، لأنه لا يستطيع ترؤس جلسة للبرلمان حيث لا يتواجد في موقعه، كما لا يستطيع اعضاء البرلمان عقد الجلسات لأن رئيسهم ليس موجودا.

وقد تحول مكتب رئيس البرلمان الآن الى مكتب خالٍ ومتوقف ولكن على بعد بضعة امتار منه يقع مكتب نائب رئيس البرلمان الذي يعج بالأشخاص الذين يتوافدون عليه للزيارة او لتسيير المعاملات لأن جعفر ايمنيكي نائب رئيس البرلمان عن الحزب الديمقراطي الكردستاني في اربيل يلعب دور الرئيس منذ غياب رئيس البرلمان.

وقال زاكروس كمال نائب مسؤول الإعلام في البرلمان عن الحزب الديمقراطي ان "اعضاء البرلمان وموظفو البرلمان يداومون بشكل طبيعي بمن فيهم الموظفون والمستشارون الذين عينهم رئيس البرلمان وان رئيس البرلمان هو الوحيد الذي لا يداوم".

ويضم برلمان كردستان 23 لجنة دائمة ومؤقتة ولكنها معطلة هي ايضا ولم تتمكن من الاجتماع حسب جدول الاعمال الأسبوعي بسبب عدم اكتمال النصاب القانوني.

ويعتبر نواب كتلة الحزب الديمقراطي يوسف محمد رئيسا سابقا للبرلمان فيما تتعامل معه الأطراف الأخرى كرئيس للبرلمان.

وقال شوان الشيخ احمد عضو البرلمان عن كتلة الحزب الديمقراطي لقد "فقد رئيس البرلمان استقلاليته ولا يتمتع بالشرعية وهو الآن رئيس سابق للبرلمان".

ويرى شوان ان البرلمان غير معطل وان أعماله تسير بشكل طبيعي، ويضيف "لا تعقد الجلسات فقط" في حين ان هذا هو عمل البرلمان الأساسي.

ويداوم بعض النواب من كتل الاتحاد الوطني وحركة التغيير والجماعة الإسلامية والاتحاد الاسلامي في اربيل فيما يداوم البعض الاخر منهم في مكتب البرلمان في السليمانية.

ويختلف بيستون فائق النائب عن كتلة التغيير مع النائب شوان وقال ان "البرلمان معطل ونحن ككتلة التغيير لن نوجه اي كتاب إلى نائب رئيس البرلمان".

واضاف فائق "ان ما حدث للبرلمان هو انقلاب وقد عطل جميع اللجان ولا اعتقد ان يبدأ البرلمان في عقد جلساته قريبا".

ومع أن طرفي الخلاف والسبب في تعطل برلمان كردستان هما الحزب الديمقراطي الكردستاني وحركة التغيير الا أن الاطراف والقوى الاخرى كذلك لم تتمكن من تفعيل البرلمان وكل ما قامت به لم يتجاوز حدود الإدانة.

وقال النائب قادر رزكائي عن كتلة الاتحاد الوطني داخل قاعة الكتلة في برلمان كردستان ان "هناك قوة في كردستان قامت بخلاف القانون ومن اجل مصلحتها بتعطيل البرلمان والحكومة، ان البرلمان معطل ولا تجتمع اللجان ومن الصعب ان يعود البرلمان الى وضعه الطبيعي فالامر فوق قدرة البرلمان".

الانقسام وصل أيضاً الى المناصب الإدارية في البرلمان فموقع برلمان كردستان الالكتروني يدار من قبل الموظفين التابعين للحزب الديمقراطي وينشر أخبار وفعاليات نائب رئيس البرلمان فقط وكأنه ليس للبرلمان رئيس.

ومن جانبه فتح رئيس البرلمان من السليمانية صفحة على الفيسبوك باسم إعلام البرلمان وتدار من قبل الموظفين التابعين لحركة التغيير وهي كذلك تنشر فقط أخبار وفعاليات رئيس البرلمان و سكرتير البرلمان الذي ينتمي الى الجماعة الإسلامية وقد اتخذ موقفا الى جانب رئيس البرلمان.

وقال طارق جوهر مدير الإعلام في برلمان كردستان الذي ينتمي الى الاتحاد الوطني الكردستاني، لقد "حاولنا بشتى الطرق الابتعاد من الصراع الحزبي والمشاكل بين الاطراف ولكن قبل وبعد الثاني عشر من تشرين الاول/اكتوبر (يوم منع رئيس البرلمان من دخول اربيل) فرضت علينا أمور لم تكن موجودة خلال الدورات السابقة".

وأضاف جوهر "كان رئيس البرلمان قد حدد شخصاً لينشر أخباره على الموقع ونائب رئيس البرلمان أيضاً بدوره حدد شخصا لذلك، ومع بروز الصراعات أكثر حذرنا الرئيس ونائبه من انه ليس من الضروري ان يقترفوا هذا الخطأ بحق إعلام البرلمان، ان ما حدث للبرلمان خلال هذه الفترة لم يحدث حتى خلال الحرب الأهلية".

وهذه ليست المرة الأولى التي يتعطل فيها برلمان كردستان فقد تعطل خلال الحرب الأهلية (1994 ـ 1998) بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، إلا أن الطرفين المختلفين تمكنا في نهاية الامر من الاجتماع في مبنى واحد وتفعيل البرلمان.

ويتفق المراقبون لعمل البرلمان وحتى النواب الذين لم تبق لديهم اية سلطة في البرلمان سوى رواتبهم على ان البرلمان سيعود الى العمل عاجلا ام آجلا وسواء بتشكيلته الحالية او بشكل آخر ولكن الجميع متفقون أيضا على ان التحول الذي شهدته هذه الدورة البرلمانية سيبقى لفترة طويلة وصمة على اسم وسمعة البرلمان. (نقاش)