بديل جديد لاتفاقية اليورو يلوح في الأفق

الافكار المرفوضة الآن ربما تقودأحلام الاوروبيين في المستقبل

باريس - هل يصغي واضعو السياسات للمفكرين؟ إذا حكمنا من واقع إدارة الأزمات على المدى القصير وبرامج الإنقاذ المتأخرة التي قدمتها حكومات خلال أزمة منطقة اليورو، على مدى السنوات الأربع الماضية، قد نخلص إلى أن نفوذ مفكري أوروبا لا يذكر.

وباستثناء اقتراح الوحدة المصرفية الأوروبية، الذي طرحه لأول مرة نيكولاس فيرون من مؤسسة بروغل للأبحاث وادم بوسن من معهد بيترسون للاقتصاد الدولي عام 2009 والذي اضحى أمرا واقعا الآن، استبعد صناع القرار عشرات المقترحات التي قدمتها مؤسسات بحثية.

وكان مصير مقترحات تشكيل وزارة المالية الأوروبية وطرح سندات مشتركة لمنطقة اليورو وأذون اليورو قصيرة الأجل او صندوق سداد الدين هو صندوق القمامة، وكانت المعارضة الألمانية السبب في معظم الحالات. وتعارضت خطط إنشاء اتحاد فيدرالي تقليدي مع المزاج العام وتوازن القوى بين الدول.

ولكن مقترحات جديدة لمجموعتي بحث في ألمانيا وفرنسا تؤيدان اندماجا أكبر بين 18 دولة، تتعامل بالعملة الأوروبية الموحدة، تتضمن ميزانية خاصة وبرلمانا مستقلا وقد تلقى قبولا في برلين وباريس وبروكسل حاليا.

وتتعارض تلك الأفكار الطموحة مع برامج انتخابية متواضعة للأحزاب الرئيسية المشاركة في انتخابات البرلمان الأوروبي، التي تجري في مايو/ أيار، صاغها ساسة يحرصون على طمأنة الناخبين إلى انتهاء الأزمة في منطقة اليورو ويخشون رد فعل عنيفا من المشككين في جدوى الوحدة الأوروبية.

وحذرت كل من مجموعة "غلينيك" الألمانية و"ايفل" الفرنسية من أن الازمة لم تنته بعد رغم الاستقرار المؤقت. ويمثل الركود الاقتصادي والبطالة والديون الهائلة مخاطر كبيرة في المستقبل.

وقال الخبراء الألمان "استهانة قطاع كبير من الألمان بأزمة اليورو ليست فقط أمرا خاطئا بل خطيرا ايضا. لم تحل اي من المشاكل الرئيسية المسببة لأزمة اليورو."

وبدأت المبادرة في اغسطس/ آب الماضي حين جمع الاقتصادي المتخصص في شؤون العمالة، جاكوب فون فايتسكر، مجموعة تضم 11 اقتصاديا ومحاميا دستوريا وأستاذا في العلوم السياسية في ضاحية في برلين للتعرف على وجهات نظرهم المختلفة بشأن أوروبا.

وبالقرب من جسر غلينيك، الذي كان مسرحا لتبادل الجواسيس إبان الحرب الباردة، بحثت المجموعة سبل تعزيز دور اوروبا سياسيا واقتصاديا بما يتمشى مع اصرار المانيا على تحمل كل دولة مسؤولية ديونها.

وقالت دانييلا شفارتسر، مديرة برنامج اوروبا في صندوق مارشال الألماني، "أردنا أن يكون لنا تأثير على النقاش الدائر في ألمانيا لأن معظم المشاكل تكمن هناك."

وتابعت "نقطة البداية كانت الاقرار برفض المانيا المبدئي لبرامج الانقاذ، وهو أمر لن يتخلى عنه الألمان لأسباب سياسية وقانونية."

والاقتراح الرئيسي لهذه المجموعة تشكيل صندوق مركزي يقدم إعانات بطالة مشتركة، تكون بمثابة داعم للاستقرار الاقتصادي في اوقات الازمات ومكمل لأنظمة التأمين الوطنية في الدول التي تعمل على إصلاح اسواق العمل.

ويأتي تمويل الصندوق من رسوم عضوية تعادل نحو 0.5 نقطة مئوية من الناتج القومي للدول الأعضاء.

وتؤسس اتفاقية منفصلة "اتحاد اليورو"، الذي يضم حكومة اقتصادية ينتخبها برلمان اليورو ويشرف عليها، وتمتلك سلطة تجاوز ميزانيات الدول الأعضاء التي تخالف القواعد المالية المتفق عليها.

وهذا امر غير مقبول في المانيا، التي تكن عداء شديدا "لاتحاد التحويلات المالية" وتحرص بشدة على سيادة البرلمان على الشؤون المالية. ويقر واضعو الاقتراح بأن تنفيذه قد يتطلب تعديل الدستور الألماني.

ولكنهم يرون ان لألمانيا مصلحة اقتصادية وسياسية في استقرار منطقة اليورو، التي تمثل ركيزة للرخاء في أكبر اقتصاد في أوروبا.

ولم تلق دعوات ألمانيا السابقة لاندماج أكبر آذانا صاغية في فرنسا، الشريك الرئيسي لبرلين في الاتحاد الأوروبي، بسبب الخلاف الشديد بين انصار الوحدة الأوروبية والمدافعين عن السيادة الوطنية داخل جميع الاحزاب السياسية الفرنسية.

وفي عام 1994 طرح فولفغانغ شيوبله وكارل لامرس من الحزب الديمقراطي المسيحي في ألمانيا مشروع "مركز اوروبا"، ولكنه انهار على صخرة الرفض الفرنسي ولقي خطاب وزير الخارجية الألماني يوشكا فيشر، في عام 2000 الذي تحدى فيه فرنسا ان تعزز الاندماج الأوروبي، نفس المصير.

وفي حين التزمت باريس الصمت رسميا، حشدت سيلفي جولارد، عضو البرلمان الأوروبي 12 خبيرا في السياسة والقانون وقطاع الأعمال ومن الاكاديميين في مجموعة ايفل ودعت "لاتحاد اليورو" وفق معايير مماثلة.

وقالت جولارد "حاولت كل مجموعة ان تحطم محظورات في كل دولة، مثل اتحاد التحويلات المالية في المانيا والمؤسسات الديمقراطية المتجاوزة للمؤسسات الوطنية في فرنسا."

وتريد المجموعة الفرنسية ان يحصل اتحاد اليورو إيرادات مستقلة عن ميزانيات الدول مثل ضرائب بيئية. ويقولون ان الإيرادات ستمول مشروعات كبيرة للبنية التحتية في قطاعي النقل والطاقة وقطاع التكنولوجيا الرقمية بالإضافة إلى تأمينات البطالة.

والسؤال المطروح لماذا سيكون مصير هذه المقترحات أفضل من سابقتها؟

أولا، يدرك عدد كبير من صناع السياسات، حتى وان لم يصرحوا بذلك علنا، أن ازمة منطقة اليورو لم تنته وان ما سببته من فجوة اقتصادية بين الشمال والجنوب يمثل تهديدا للاستقرار على المدى الطويل.

وثمة ايضا سبب سياسي يعطي الامل في نجاح مبادرتي غلينيك وايفل وهو سعي بعض الساسة في المانيا وفرنسا لإعداد جدول أعمال أوروبي.

ويحث الرئيس الالماني يواكيم جاوك، الذي دعا اعضاء مجموعة غلينيك للقائه، على الاضطلاع بسياسة خارجية اكثر نشاطا وتحمل مسؤولية تتفق مع ثقل المانيا الاقتصادي بعد أن ركنت للانطوائية على مدى سنوات.

ويريد وزير الخارجية، فرانك فالتر شتاينماير من الحزب الديمقراطي الاشتراكي، ان يضع وزارته من جديد على خريطة السياسة الاوروبية، بعد ان هيمنت المستشارة المحافظة انجيلا ميركل ووزير المالية شيوبله على الساحة على مدى اربعة أعوام.

وفي باريس تجنب الرئيس الفرنسي فرانسوا اولوند، وحكومته الاشتراكية، اي مبادرات اوروبية كبيرة منذ انتخابه في 2012، نظرا لما تسببه من انقسام داخل معسكر اليسار. ولكنه أشار في الاونة الاخيرة لرغبته في احياء الزعامة الالمانية الفرنسية لمنطقة اليورو مع تشكيل ائتلاف كبير جديد في برلين.

وقد تنطوي المقترحات على رسائل أكثر ايجابية إذا مولت ميزانية منطقة اليورو المقترحة نظام تدريب مهني يغطي كل الدول بدلا من الاكتفاء بتقديم إعانات.

وربما يجد المفكرون آذانا صاغية وأبوابا مفتوحة ولو لمرة واحدة.