بدرية السيد .. يا رب يعمي عيون أم كلثوم عنها

القسمة والمقدر ودونى لسكتك

كنتُ مغرماً بمتابعة الحفلات التي تقام في شوارع حينا، ليلة الحنة للرجال، والليلة التالية (الدخلة) للنساء. وعرفت الكثير من الذين يحيون هذه الحفلات من الرجال والنساء.

وأستطيع أن أقول إن أهمهم جميعا كانت بدور مصطفى أحمد الشامي التي اشتهرت باسم بدارة، فهي تجمع بين جمال الصوت وجمال الوجه، وتميل للامتلاء، ذات جسد يُغرى الكثير من الرجال في الوقت الذي ظهرت فيه؛ خاصة في الأحياء الشعبية التي تعشق أغانيها وجمالها. فما أن تظهر على التخت في الشوارع أو فوق أسطح البيوت؛ حتى يتجمع الرجال في نهم، وتتجمع النسوة في إعجاب. وكانت تداعب النساء اللائي يتابعنها – عادة – من النوافذ والشرفات، وتستخدم أحيانا كلمات ثقيلة على الأذن. تضحك لها النساء في حياء. وسمعت الكثيرات من أقاربي وجيراني يتحدثن عن جمالها في إعجاب شديد، وإذا أردن وصف امرأة جميلة يقلن "تشبه لبدارة".

وحكى لي قريب كان يدرس في مدرسة إعدادية خاصة ملاصقة لسينما بلازا في طريق الحرية، بأن ابن بدرية السيد كان زميله في الفصل. وكان يأتيهم شيخ معمم يُدرس لهم الدين، فما أن يدخل الفصل حتى يصيح في ابن بدرية السيد:

- أخرج يا ابن العالمة.

ويخرج الولد دون معارضة.

وأعتقد أن بدرية السيد وعزت عوض الله وغيرهما من مطربي الإسكندرية الكبار ظلمهم تمسكهم بالغناء في الإسكندرية. فقد كان إرسال الإذاعة لا يتجاوز مدينة كفر الدوار. فقد سيطرت فكرة خاطئة لحكام هذه الفترة، بأن مدينة الإسكندرية تمثل خطرا على ثورة يوليو 52، فقد تقابل الدكتور علي نور مدير البرامج الثقافية في إذاعة الإسكندرية، مع أنور السادات في بداية إنشاء إذاعة الإسكندرية وسأله:

- لماذا لا تقوون إرسال إذاعة الإسكندرية.

فأجاب السادات:

لا يمكن أن نخاطر بتقوية الإرسال لأن الإسكندرية تقع على البحر المتوسط وهو مرتبط ومتصل ببحار ومحيطات العالم، كما أن الإسكندرية على مر التاريخ؛ مدينة ثائرة ومتمردة ويحلو لها أن تنفصل عن القاهرة (إذاعة الإسكندرية رائدة الإذاعات، تأليف: نبيل عاطف).

جاء مصطفي أحمد الشامي (والد بدرية السيد) من محافظة البحيرة بحثاً عن الرزق وتزوج من امرأة سكندرية من حي بحري وسكن بها في الدور الأرضي بالمنزل رقم 11 بحارة البندقة في حي بحري العريق. وأنجب منها فنانتنا في عام 1930.

وواضح أن الأسرة مرت بظروف مالية صعبة، فقد عملت بدرية السيد عاملة في شركة الغزل بشارع النيل، وكان "الشديد القوي" هو الذي يُلجئ الأسر إلى تشغيل بناتها، خاصة عاملات في المصانع أو المحلات. وقد قابلت أختها الأصغر بمستشفى الملكة نازلي حيث كانت زوجتي مرافقة لابنتي المريضة بالمستشفى.

غنت بدرية السيد بين زميلاتها وزملائها في المصنع، فأثنوا على صوتها وجماله، وغنت في حفل في شارع النيل، وسمعها بالصدفة الملحن محمد الحماقي ابن المنطقة، وكان هذا فاتحة السعد لها. فقد علمها أصول الموسيقى التي كانت تجهلها تماما. ولحن لها أول أغانيها:

على باب الدار استنيتك من الصبح لحد العصرية. من كلمات سيف النصر محمد.

وغنت فى فرق العوالم: حمامة العطار والمسيري وسيد بخيت وسعيد الحضراوي ونعمة السمرة وباتعة السلاموني وإبراهيم التاجوري وغيرهم.

وقابلتْ عازف الأكورديون السيد محمد حسين وتزوجته، وأنجبت منه محمد، وأش أش ونازك وميرفت. وأضافت إلى اسمها؛ اسمه فصارت (بدرية السيد),

وعندما بدأ الإرسال الإذاعي في الإسكندرية عام 1954 كان لا بد من البحث عن مطربين ومطربات وملحنين وكتاب الأغاني، فجاءت لجنة الاستماع من القاهرة مكونة من: محمد محمود شعبان‏ (‏بابا شارو) وحافظ عبدالوهاب ومحمد شرابي المخرج الإذاعي الذي بدأت إذاعة الإسكندرية بتمثيليات من إخراجه، وعبدالحميد حمدي‏ الإذاعي المعروف.‏ ونجحت بدرية السيد من أول مرة، على أساس أن تقدم أغاني ريفية، وبالفعل، بدأت بأغاني تتحدث عن الريف مثل: صعيدي والا بحيري، موال الأوله القمح، على باب الدار، يا سلام على دارنا، وبحيري يا واد بحيري. لكنها لجأت بعد ذلك إلى إظهار الطابع السكندري، فغنت: البحر عالي، حودة، م الانفوشي وجه علشاني، وآه يا خللي، وآه يا معلم، حميدو، مسيلي على إللي غايب، وغيرها من أغنيات.

كان المشاهدون ينتظرون في الأفراح ظهور بدرية السيد بفارغ الصبر، فهي فوق جمالها وجمال صوتها، تضفي على الحفل جوا من البهجة والدعابة، فيبدع زوجها على الأكورديون خلفها، فتصيح مداعبة: حلو يا عرب يا مريح الجتة.

وقد ركبتُ ترام البلد في يوم عيد مع صديقين لنذهب إلى النزهة، ولفت نظرنا وجود رجل يمسك كاسيت ينطلق منه صوت بدرية السيد عاليا، فاقتربنا منه مداعبين، فقال لي:

- بس يارب يعمي عيون أم كلثوم عنها، وما تقتلهاش زي ما قتلت أسمهان.

كنت أدرك مدى البون الشاسع بينها وبين أم كلثوم من حيث الصوت والثقافة وكل شيء. لكنها – على أي حال - كانت مطربة الإسكندرية الأولى في ذلك الوقت، وقد سمعت الملحن الشيخ سيد مكاوي في حوار إذاعي وهو يُثني على جمال صوتها، ويتمنى أن يلحن لها.

وسمعت الملحن عمار الشريعي وهو يقول في حوار إذاعي:

- كنت أتمنى أن ألحن لبدرية السيد.

وقال إن صوتها جعله يرغب في العزف خلفها، فأخذ الأكورديون من زوجها، وصاحبها في العزف في احدي أغنياتها. وإنه لا يستطيع أن ينسى السعادة التي أحسها وقتذاك.

تسابق ملحنو الإسكندرية لكي يلحنوا لها، فهم يدركون أن أغانيها تحقق شهرة كبيرة في الإسكندرية وربما على مستوى مصر كلها، فلحن لها – مكتشفها – محمد الحماقي:

جاني من البندر بيخطبني من كلمات عباس الخويسكي.

يا ست يا أم زكي من كلمات التركي محمد إبراهيم.

ما تزوديهاش من كلمات التركي محمد إبراهيم.

ويا سلام على دارنا من كلمات سيف النصر محمد.

ومن أشهر أغانيها:

القسمة والمقدر ودونى لسكتك

والحب علىّ اتقدر وبقيت من قسمتك

من تأليف أحمد السمرة وتلحين محمد غنيم.

ومثلت بدرية السيد في فيلم "مملكة الهلوسة" لمحمود عبدالعزيز وماجدة الخطيب ومن إخراج محمد عبد العزيز عام 1983، قامت بدور مغنية في بار.

ويحكون إن المخرج محمد فاضل (من أصل سكندري) عندما شرع في إخرج مسلسل "الراية البيضا" عام 1987 من تأليف أسامة أنور عكاشة، اقترح على الفنانة سناء جميل أن تجالس بدرية السيد لكي تتعلم منها اللهجة السكندرية وتصرفات أهل الأحياء الشعبية، وأن بدرية السيد كانت سبب إتقان سناء جميل لدور فضة المعداوي الذي فتن المشاهدين على مستوى الوطن العربي كله.

ويقولون إن الملحن الكبير بليغ حمدي عرض علي بدرية السيد الارتحال إلى القاهرة، لكنها اعتذرت لأنها لا تستطيع ترك أسرتها، وهذا ما حدث للكثير من المطربين والمطربات، فقد ظهرت مطربة ذات صوت قوي وجميل اسمها هنايات شعبان كانت تغني في طنطا، وغنت في حفلات أضواء المدينة، وتحمس لها الكثير من الملحنين، وعرض عليها الموسيقار فريد الأطرش أن تنتقل نهائيا إلى القاهرة، لكنها اعتذرت لأنها لا تستطيع أن تترك أسرتها.

وحضرت ندوة في أوائل السبعينيات في جمعية الشبان المسلمين مع المطرب أسامة رءوف، وقال إنه لا يستطيع أن يترك أسرته ويهاجر إلى القاهرة. ولو فعلها لحقق شهرة كبيرة جدا تتناسب مع جمال صوته وإحساسه العالي.

ويتساءل البعض كيف لم يلتق زكريا الحجاوي – عاشق الفن الشعبي – بمطربة شعبية في قيمة وأهمية بدرية السيد، فهي لا تقل – بأي حال من الأحوال – عن الأصوات التي قدمها واهتم بها؟! وأعتقد أن صوت في جمال وتميز صوت بدرية السيد لا يخفى على فنان مثل زكريا الحجاوي، ولا شك إنه حاول أن يضمها لفرقته لكن ظروفها الأسرية حالت دون ذلك.

ولأن بدرية السيد ظاهرة غنائية في الإسكندرية، فمازال البعض يتناقش ويختلف في مسيرتها الغنائية، فمن يزعم إنها اعتزلت في عام 1990، بناء على رغبة ابنها محمد الذي اتجه للتدين، ورأي أن الغناء من المحرمات. والمؤكد أن المرض أشتد عليها في عام 1996 ودخلت المستشفى القبطي بحي محرم بك، وزارها نقيب الموسيقيين حلمي أمين وقرر نقلها إلى المستشفى الألماني، وماتت بعد أيام قليلة من دخولها المستشفى.

وبعد وفاتها بسنوات كثيرة، انتشرت أغاني بدرية السيد، ليس على نطاق الإسكندرية وحدها؛ وإنما على مستوى مصر كلها. والبعض ظن أغانيها جزءاً من التراث (أغاني فلكلورية) وقد احتفلت فرقة الموسيقى العربية بها وقدمت أغنيتها الخالدة التي مازال أهالي الإسكندرية يترنمون بها.

من فوق شواشي الدرة .. جمرية بتغني

فرحانة يا هلترى ولا بتتمنى

والا دي حنية، في القلب مدوية

إحكي يا جمرية

كلمات علي حسن حمودة وتلحين فتحي جنيد. قدمتها رتيبة الحفني في برنامجها الشهير الموسيقى العربية وقدمت موال:

طلعت فوق السطوح انده علي طيري

لقيت طيري بيشرب من قنا غيري

زعقت من عزم ما بي وقلت يا طيري

قاللي زمانك مضي .. دوّر علي غيري