بداية بريطانية غير موفّقة

بريطانيا تحفظ تاريخ العرب عن ظهر قلب وتعرف عنهم اكثر مما تعرفه كثير من الامم الاخرى.

بريطانيا ظلت بصماتها في الكثير من البلاد العربية حاضرة بقوة وهي خير مستشار لاميركا واسرائيل في شؤون العرب خاصة المشرق والخليج.

الدهاء البريطاني معلوم بل هنالك من يسمّيه الخُبث الانجليزي الذي يطبع من يسميه العراقيون "ابو ناجي" كناية عن الشخصية والعقل الانكليزي.

اليوم يبدو ان العرب كما "ابو ناجي" كل يعيش في ازماته الخاصة مما يدفع كل منهما باتجاه الآخر بحكم الضرورات.

النظام العربي التقليدي صار كثير التشكك بالتحالفات القديمة خاصة مع اميركا التي من الواضح انها تفكك شكل ومحتوى تلك التحالفات تاركة العرب في مهب الريح.

كثيرون ظلوا يراهنون على اميركا، لم يتوقع احد يوما ان تتعامل مع اكبر الحلفاء التقلديين واهمهم لها وهي المملكة العربية السعودية بمثل تلك الغطرسة والغدر ونكث العهود.

هنالك مقدّمات غير مبشّرة بخير تحملها عاصفة عهد الرئيس الاميركي الجديد وطاقمه وعلى رأسها ما عرف بقانون جستا.

هنالك تصريح وتلميح غربي مؤلم باتجاه المملكة كأنه يضرب بعرض الحائط كل سلوك الوفاء الذي مارسته تجاه حلفائها الغربيين.

تحلّ رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي وسط هذه الدراما لتحتل مقعدها وسط الزعماء الخليجيين في قمتهم الاخيرة في البحرين.

حكومة ماي في عين عاصفة الخروج من الاتحاد الاوربي وهي في أمس الحاجة لكل جنيه لإسناد اقتصاد بلادها الذي تنتظره مزيد من التبعات الاقتصادية والخسائر من جراء المغادرة الوشيكة من الاتحاد.

الخليجيون من جانبهم همومهم معلنة بعدما فقدوا الامل في اميركا التي تغاضت بل وربما شجّعت على اطلاق اذرع ايران في كل اتجاه ومنحتها صك القوة النووية ضاربة بعرض الحائط اعتراضات الخليجيين المتكررة.

الخليجيون اليوم احوج ما يكونون الى مظلة حامية تذود عنهم ما هو آت من عواصف فالمستقبل يبعث على القلق وهنالك بوادر شؤم واضحة في ظل ما جرى ويجري في سوريا والعراق واليمن مما يمس صميم امن المنطقة برمتها.

وفاء لتلك المظلة الحامية الموعودة جاءت السعودية الى قمة المنامة بمشروع روّج له اعلامها باتجاه الوحدة الخليجية الشاملة.

هي نظرة عقلانية وواقعية بالفعل وياليتها انسحبت على اتفاقيات تعاون عربية شاملة اذ لا يوجد سبب يمنع مثل هذا التكتل وعوامل واسباب نجاحه واضحة ولربما تأخّر كثيرا عن موعده لكن البيان الختامي بدا وكأنه يقول ان الوصول الى ذلك الهدف ما زال بعيدا.

ارادات شتّى ومنها دولية لاشكّ انها تحول دون تحقيق الاستراتيجية الوحدوية الخليجية السعودية.

في وسط هذا يبدو الحضور البريطاني في القمة الخليجية بمثابة قوّة دافعة لهذا التكتل لاسيما مع اعلان رئيسة الوزراء البريطانية تعاطفها وتفهمها ومساندتها للقلق الخليجي تجاه ايران.

لا شك انه موقف مهم يعيد شيئا من التوازنات لكنّ ما هو صادم ان هذا التصريح ما ان تداولته وسائل الاعلام حتى كان هنالك مسؤول بريطاني رفيع تهبط طائرته في مطار طهران حاملا حقيبة محشوة بمشاريع التفاهمات حول مشاريع بترولية استراتيجية، ثم اكمل المهمة وزير الخاريجة البريطاني بوريس جونسون بتصريحات عدائية ضد السعودية ثم ضد السعودية وايران معا ثم قيل انها تصريحات تعبر عن وجهة نظر شخصية وليست حكومية.

فما الذي يجري بالضبط؟

اهو مسلسل خديعة جديد ينتظر العرب كما كانت الخديعة في قصة الربيع العربي وقبلها اسقاط الدولة العراقية وتوريط العرب في المستنقع السوري فاليمني ثم الفوضى في ليبيا؟

اهي عودة للسياسة البريطانية التاتشرية التقليدية فيما عرف بالاحتواء المزدوج؟

ان يكون الحلفاء عرضة للمناورات وان لا شيء مقدّسا لا تصريحات ولا اتفاقيات بريطانية وانها براغماتية محسوبة بدقة على ضوء مستوى وواقع ما آل اليه العرب من ضعف وتفكك وصراعات فيما بينهم؟

ان تضع حكومة ماي طرفي القطبية الشرق اوسطية ايران والمملكة العربية السعودية في كفّة واحدة وفي الكفّة الاخرى مصالح بريطانيا بما تستوجبه من غزل حينا وانتقاد حينا لكلا الطرفين، هي بداية بريطانية غير موفّقة على ايّة حال بل وسيّئة الأخراج.

ليس لدى العرب اليوم كثيرا من الخيارات وهم منفردين مشتتين في اتخاذ قراراتهم ولا يكاد يخرج منهم موقف موحّد الا بشقّ الأنفس بينما عجلة السياسة والمصالح الدولية من حولهم تدور سريعا واسرع كثيرا من نتائج مؤتمرات العرب وتصريحاتهم وهو ما يجب ان يصارح به العرب انفسهم ويكونوا اكثر واقعية فيما هم فيه من ازمات حقيقية.