بدأوا في الخفاء وانتهوا بتجاهل اجتماعي، هكذا تآمر الإخوان على الإمارات

الهوية هي الجماعة لا الوطن

دبي - أصدر مركز "المزماة" للدراسات والبحوث الجزء الأول من سلسلة تفكيك خطاب التنظيم السري لجماعة "الإخوان المسلمين" تحت عنوان "جذور التآمر ضد الإمارات" لمؤلفه الدكتور سالم محمد حميد، والذي يمثّل قراءة وتحليلاً لنماذج مبكرة من الخطاب الإعلامي لتنظيم "الإخوان" في الإمارات، ويتناول بالتحليل الدقيق مسيرتهم التي بدأت في الخفاء وانتهت برفض المجتمع والتوقيف في السجون.

ويحتوي الكتاب على فصول ثلاثة، يبدأ أولها بالتمهيد المعرفي لحركة "الإخوان"، إضافة للمقدمة وتعريف عام بهم وما لاقوه من فشل ذريع في دولة الإمارات. ويبدأ الفصل الأول بتأكيد الجو الشعبي العام في الإمارات، والذي وقف مع قياداته في ملحمة بطولية لفظت الفكر الإخواني، وجعلته بضاعة كاسدة لا تصلح للعرض في أراضي الدولة، لأن جموع الشعب أكدت أنه "ما من إماراتي يحب وطنه سيسمح باختطاف السكينة والأمان والحرية والكرامة لكي يستبدلها بالخوف والفقر والاستبداد وانكسار شموخ الوطن والمواطن لأجل عصابة مأجورة، استبدلت الاعتزاز بالهوية الوطنية بأفكار دخيلة وميتة؛ أفكار لا وطن لها ولا ذاكرة، ولن تجد شبراً واحداً في تربة الإمارات يمكن أن يتقبل جذورها الميتة منذ ولادتها في كهوف الدجل والزيف. لن تجد ذلك الشبر لأنها أيضاً أفكار تشترط على الإنسان الحر أن يتنكر لبلده وعنوان وجوده الذي يتباهى به كلما لمح علَمه يخفق في السماء وكأنه قلب الوطن ونبض وحدته".

ومن خلال مقدمته يكشف الدكتور سالم حميد عن الأسباب الحقيقية التي دعته لتأليف هذه السلسلة التي أكّد أنها جاءت "تدعيماً للموقف الشعبي المؤيد للخطوة الاستباقية التي قامت بها الحكومة ضد خلية التطرف الإخوانية، ارتأينا في مركز المزماة للدراسات والبحوث إصدار هذه السلسلة"، بهدف "إعادة فحص وتأمل الأرشيف الأسود للإخوان المتأسلمين الذي يفضح نواياهم تجاه شعب الإمارات منذ وقت مبكر، وليكتشف بنفسه مدى الحقد الذي كان يوجه أولئك المتطرفين ويحدد مسار نشاطاتهم ومنشوراتهم الإعلامية، التي اعتمدت على لغة التحريض والتشكيك، وتبنت ثقافة التطرف وقاموس الكراهية ومبادئ الإرهاب في كل تناولاتها".

ويتناول الكاتب في ذات الفصل كامل تاريخ حركة "الإخوان" منذ تأسيسها في مصر عام 1928 على يد حسن البنا، وكيف انتشرت في مصر وخارجها وأصبحت هاجساً يؤرّق أمن الكثير من الدول والمجتمعات، كما تناول تجاربهم مع مختلف الدول والأنظمة وما شابها من دروس وعبر، إضافة لأساليب تغلغلهم السرطاني في المجتمعات، مؤكداً أن الرؤية الوطنية تمثل عقبة حقيقية لتمازج النظام الإخواني مع المجتمعات لأن الوطن في معتقدات الإخوان المسلمين هو الجماعة التي ينتمون إليها، وتحفل أدبياتهم في هذا السياق بما يعزز ويقوي لدى أعضائهم هذا المبدأ.

ومن المؤكد أن التباس فكرة الوطن والهوية عندهم هو سبب اغترابهم ووقوعهم في فخ العزلة والعجز عن اكتساب تعاطف وتفاعل الشرائح المستنيرة مع جماعتهم. كما أن مبدأ اللاوطن يقف حائلاً بينهم وبين خلق تفاهمات ومشتركات مع بقية التيارات الوطنية والمدنية الأخرى، بل وحتى مع عامة الناس من الفئات الشعبية البسيطة.

وهنا يكمن السر وراء تركيزهم على التحرك لتجنيد الأتباع في أوساط صغار السن، وتحديداً أولئك الذين لا يكون وعيهم بالواقع قد تشكل وأصبح ناضجاً بما يكفي للحكم على الأفكار والمقولات من خارجها. لذلك، تولي جماعتهم أهمية خاصة لقطاع التعليم، نظراً لكون المدارس تمثل بيئة خصبة للاستقطاب.

ويغوص الكتاب في التعريف السيكولوجي بجماعة "الإخوان" وتعاملها مع المجتمعات والحكومات موضحاً أن "الدلالة التي يمكن استنتاجها من وراء الصدامات الموثقة التي حدثت بين الإخوان منذ نشأتهم وبين بعض الحكومات، هي قابليتهم واستعدادهم لاستخدام العنف والدخول في صراعات مسلحة مع كل من يقف في طريقهم أو يعرقل سيرهم.

وفي التاريخ القريب والبعيد شواهد وأمثلة عديدة على ذلك. أما العنف اللفظي، يضيف الكاتب، فيكاد يكون سلوكاً ومنهجاً أصيلاً لدى خطبائهم وفي منشوراتهم ووسائل إعلامهم، حيث تجدهم لا يتحرجون من التكفير والتخوين والتهديد ومحاكمة المجتمعات من منطق الوصاية والاحتساب. وتتم ممارسة هذا المستوى من العنف غالباً تحت مبرر ما يعتقدون أنه أمر بالمعروف ونهي عن المنكر. ولأجل ذلك يمنحون أنفسهم الحق في احتكار توصيف المعروف وتحديد ماهية المنكر.

وبعد اختطافهم "الربيع العربي" وعدم قدرتهم على تقديم مشروع بديل، يتحدث الكاتب عن فشلهم الذريع في الإمارات بسبب "انعدام المناخ الملائم لاحتضان تيار الإسلام السياسي في الإمارات"، مع الإشارة إلى أن أذرع تنظيم "الإخوان" الدولي إنما ظهرت في بعض الأقطار العربية "عندما توافرت لها الظروف المناسبة والشروط الموضوعية التي مكنتها من ممارسة أنشطتها بشكل معلن، نتيجة لتوافر مناخات فشل متعددة الأوجه في تلك البلدان".

ومن بين تلك المناخات "غياب مشاريع التنمية والبنى التحتية، وبالتالي استمرار أنماط وأساليب تقليدية في الإنتاج والاستهلاك وفي الحياة الاجتماعية عموماً، وانتهاءً بركود الأوضاع الاقتصادية وتردي الحالة الأمنية، نتيجة لضعف حضور الدولة وفساد مؤسساتها وعجزها عن بسط سلطتها وتقديم خدماتها للسكان، الأمر الذي أوجد فراغات سارعت الجماعات المتطرفة باحتلالها".

ويغوص الفصل الثاني في تحليل نماذج من خطاب "الإخوان المسلمين"، وفلترة الخطاب الإعلامي مع تحليل بعض النماذج من منشوراتهم وضمنها ما نشرته مجلة "الإصلاح"، لسان حالهم ووسيلتهم الإعلامية الأبرز في الإمارات.

ويُخضع الكاتب نماذج متعددة من مختلف الأعداد للتحليل والتقييم، حيث وجد أن "ما يمكن ملاحظته بشكل عام من سياق تلك المنشورات هو أن الخطاب الإعلامي لمجلتهم لم يكن يتحاشى التقيد بأخلاق مهنة الصحافة فحسب، بل كان يشجع على ممارسة الوشاية في شكلها الإعلامي، وبالتالي التشجيع والتحريض على ممارسة الوشاية في شكلها الاجتماعي اليومي، ونشرها كسلوك معتمد في أوساط من يتعاطفون معهم ويرسلون إليهم التقارير والوشايات المغرضة لنشرها في المجلة".

"ولم يكن يتسنى لهم ممارسة الوشاية على ذلك النحو إلا من خلال منح الذات الحق في مراقبة الآخرين والوصاية على سلوكياتهم والسعي إلى الوشاية بهم، ليس على غرار ما نصح به الإسلام الذي يقترح استخدام صيغة (ما بال أقوام) بل بصيغ شخصية تستهدف أفراداً بعينهم، كانت المجلة تحدد الأماكن التي يعملون بها بعد أن تستعدي المجتمع والدولة ضدهم بالتكفير والتخوين، أو بالتشكيك في أخلاقهم وسلوكياتهم الشكلية، إلى حد الذهاب إلى محاكمة البعض والتشهير بهم بسبب الثياب التي اعتادوا على ارتدائها والظهور بها".

وجد المؤلف في منشورات مجلة "الإصلاح" ما يؤكّد تحليله لأساليب حركة "الأخوان" التي ينتهج أعضاؤها "توجيه خطابات الوشاية والتحريض الإعلامي إلى الدولة، ومحاولة الظهور بمظهر الناصح الأمين الذي يستنجد بها ويطلب تدخلها، كانوا يأملون تحقيق هدفهم الثاني، وهو استبدال اختراق المجتمع باختراق مؤسسات الدولة، ومحاولة اكتساب التأييد والتعاطف معهم من داخل النظام ونخبة الصف الأول في الدولة وتلك خطوة كانت تعني لهم تجاوز إشكالية العزلة عن المجتمع بالحصول على مشروعية من الدولة لمواصلة مشروعهم".

ورغم ذلك يرى الكاتب أنهم لم يتمكنوا من تحقيق هدفهم الأساسي وهو اكتساب مشروعية رسمية أو شعبية تجيز لهم القيام بشكل معلن بممارسة دور "هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، وهو الحلم الذي كانت ظروف وإمكانيات التيارات الدينية المتشددة آنذاك لا تسمح إلا به كأعلى سقف لطموحها وبخاصة أن أمثالهم كانوا يقومون بدور كهذا ويحظى برعاية رسمية في بعض الدول.