بدء عملية تحرير الفلّوجة وسط مخاوف من الانتقام الطائفي

سلبية أميركية بخصوص 'مخطط تحرير الموصل'

بغداد/نيويورك ـ خضع رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي في النهاية لضغوط شيعية داخلية هائلة، وأقدم على تغيير خطط حكومته والتحالف الدولي العسكرية لإنجاز هجوم تحرير الفلوجة بدلا من تحرير الموصل، من تنظيم الدولة الإسلامية وكما كان مخططا له منذ اشهر.

وأعلن العبادي في وقت مبكر الاثنين بدء عملية عسكرية لتحرير مدينة الفلوجة غرب بغداد من سيطرة التنظيم الإرهابي، رغم "رفض" الولايات المتحدة لذلك، لأنها كانت تريد تحرير الموصل أولا.

وقال العبادي "نبدا عملية تحرير الفلوجة"، مضيفا "ان العلم العراقي سيرفع ويرفرف عاليا فوق اراضي الفلوجة".

ويقول مراقبون إن الموقف الأميركي لا يبدو ضاغطا على بغداد في هذه المسألة وإن واشنطن ليست مصرّة على فكرة البدء بالهجوم على الموصل أولا، إذا كانت بغداد ستضمن تحقيق "نتائج جيدة" في الفلوجة تزيد في عزلة التنظيم الإرهابي.

وتعهدت السلطات باستعادة مدينة الموصل في العام 2016 تمشيا مع خطة أميركية للقضاء على الدولة الإسلامية في عاصمتيها في العراق وسوريا.

لكن عملية الفلوجة التي لا تعتبر ضرورة للتقدم نحو الموصل يمكن أن تؤخر من هذا الجدول الزمني. واستمر هجومان شنتهما القوات الأميركية ضد تنظيم القاعدة في الفلوجة عام 2004 نحو شهر لكل منهما وخلفا أضرارا جسيمة في المدينة.

وقال التلفزيون الرسمي العراقي الاثنين إن العبادي الذي يواجه أيضا أزمات سياسية واقتصادية، زار مركزا للقيادة أقيم في منطقة قريبة للإشراف على العمليات العسكرية.

وقال قائد الشرطة الاتحادية الفريق رائد جودت إن القوات العراقية تمكنت من تحرير 12 منطقة في الفلوجة بعد ساعات من بدء حملة عسكرية لاستعادة المدينة التي تعد أحد أبرز معاقل تنظيم الدولة الإسلامية في محافظة الأنبار غربي البلاد.

وأوضح جودت أن "القوات المشتركة (الجيش وقوات مكافحة الارهاب والشرطة الاتحادية والحشد الشعبي ومقاتلو العشائر) تمكنت من تحرير مناطق الصبيحات، والشهابي ومعمل الشتايكر والليفية ومخازن الكرمة ومعمل الأسمنت والبوعودة وجميلة ومعمل الزيوت الشامبو والبوحديد والناصر جنوب الكرمة شرقي الفلوجة ومنطقة السجر (شمال)، مشيرا إلى مقتل 40 عنصرا من تنظيم الدولة الإسلامية خلال العمليات التي استخدمت فيها الأسلحة الثقيلة والمتوسطة.

ونشبت اشتباكات بين القوات العراقية ومسلحي تنظيم الدولة الإسلامية بالقرب من الفلوجة الاثنين مع قصف الأحياء الواقعة وسط المدينة في الساعات الأولى من هجوم لاستعادة السيطرة على المدينة الواقعة غربي بغداد. وقد تستغرق هذه العملية عدة أسابيع.

وقال سكان إن اشتباكا وقع في منطقة الهياكل على المشارف الجنوبية للمدينة كان من أولى المواجهات المباشرة بين الطرفين. واستهدفت ضربات جوية وقصف بقذائف الهاون خلال الليل أحياء داخل المدينة يعتقد أن مقر الدولة الإسلامية فيها. لكن القصف هدأ بحلول النهار.

وقال سكان يعيشون في وسط المدينة إنهم فروا لمناطق آمنة نسبيا عند الأطراف الشمالية لكن القنابل التي زرعتها الدولة الإسلامية على جوانب الطرق منعتهم من مغادرة المدينة.

واكدت قيادة العمليات المشتركة انطلاق العملية عبر بيان جاء فيه "لقد شمر اليوم الرجال الابطال من قواتنا المسلحة والحشد الشعبي وابناء العشائر عن سواعدهم ليسحقوا هذه العصابات الارهابية في الفلوجة الحبيبة".

وتعد الفلوجة التي تبعد 50 كليومترا غرب بغداد والموصل ثاني اكبر مدن العراق، آخر المدن الرئيسية التي ما زالت تحت سيطرة التنظيم المتشدد.

وكانت الفلوجة المدينة الأولى التي تقع في أيدي التنظيم في يناير/كانون الثاني 2014. وبعد ستة أشهر من ذلك التاريخ أعلنت الدولة الإسلامية "دولة خلافة" تمتد على مساحات شاسعة من العراق وسوريا المجاورة.

وطوقت القوات العراقية المدينة منذ العام 2015 لكنها ركزت أغلب العمليات القتالية على المناطق التي تسيطر عليها الدولة الإسلامية إلى الغرب والشمال.

وتشدد بغداد على اهمية تحرير الفوجة التي يقطنها الآن نحو 90 ألف نسمة من أصل نحو 300 ألف شخص قبل عدة سنوات.

وأعلنت قيادة الشرطة الاتحادية أنها جهزت 20 ألفا من مقاتليها لاستعادة الفلوجة المدينة التي تشكل احد اهم معاقل التنظيم الجهادي منذ كانون الثاني/يناير 2014 والتي ظلت عصية عن اقتحامها طيلة أغلب السنوات التي اعقبت احتلال العراق في العام 2003.

ويشارك في العملية الجيش العراقي برا وجوا وجهاز مكافحة الاٍرهاب والشرطة والحشد الشعبي الشيعي الذي تمثله فصائل شيعية مدعومة من إيران، اضافة الى مقاتلين من عشائر الأنبار.

ويقول محللون إن مشاركة الميليشيات الشيعية في معركة الفلّوجة تشكل في حدّ ذاتها انتصارا لجماعات إيران في العراق الذين يريدون التحكم بتطورات الوضع العسكري ميدانيا حتى لا يفلت زمام الأمور من بين أيديهم، إذ ينظر قادة المليشيات بارتياب للدور الأميركي والآلاف من قواته في العراق في مرحلة ما بعد تحرير مدنه من قبضة تنظيم الدولة الإسلامية.

وكان قادة هذه المليشيات قد خاضوا معارك سياسية وإعلامية شرسة ضدّ رافضي تلك المشاركة والمستندين في رفضهم إلى خوفهم من حملات القمع والتطهير والانتقام الطائفي من أبناء المدينة مثلما حصل في مناطق أخرى كانت ساهمت في استعادتها من تنظيم الدولة الإسلامية.

غير ان رئيس البرلمان العراقي سليم الجبوري وصف الاثنين معركة تحرير الفلوجة من سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية بأنها "المسمار الأخير في نعش الإرهاب في محافظة الأنبار".

وقال الجبوري، خلال اجتماعه مع قائد عمليات تحرير الفلوجة الفريق الركن عبد الوهاب الساعدي إن البرلمان العراقي "يدعم القوات الأمنية والعسكرية في معركتهم الكبرى ضد قوى الإرهاب والتطرف"، ودعا إلى "تجنيب المدنيين أضرار المعركة والعمل العاجل على توفير معابر آمنة لخروجهم".

وأضاف "لقد برهنت قواتنا الأمنية على دقتها واحترافيتها في معركة تحرير قضاء الرطبة بعد أن حيدت المدنيين وأبعدت عنهم نيران المعركة، وهو ما نتمنى أن نراه في معركة تحرير الفلوجة".

ودعا الجبوري إلى "ضرورة الاستفادة من النقمة الواسعة بين أهالي الفلوجة جراء الممارسات الإرهابية والتعسفية لتنظيم داعش الإرهابي طيلة فترة احتلاله للمدينة، حيث أن هذا سيكون عاملا هاما في الإسراع بتحقيق النصر وحسم المعركة".

وتنفذ القوات العراقية بمساندة قوات التحالف الدولي بقيادة واشنطن، عمليات متلاحقة في مناطق متفرقة بشمال وغرب البلاد لاستعادة مناطق يسيطر عليها الجهاديون منذ هجومهم الواسع النطاق في حزيران/يونيو 2014.

قلق أممي

وعبرت الأمم المتحدة الاثنين عن قلقها على مصير نحو 50 ألف شخص لا يزالون في مدينة الفلوجة، بينما تشتبك قوات عراقية مع مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية قرب المدينة.

وقال ستيفان دوجاريك المتحدث باسم الأمم المتحدة للصحفيين "نحن قلقون للغاية على مصير المدنيين الباقين في الفلوجة مع بدء العمليات العسكرية تقديراتنا تشير لوجود نحو 50 ألف مدني في الفلوجة. لا يزال الموقف الإنساني متقلبا بالتأكيد."

وتقل هذه التقديرات من الأمم المتحدة للمدنيين الباقين في الفلوجة عن التقديرات العراقية وتقل بقليل عن تقديرات عسكريين أميركيين بوجود ما بين 60 و90 ألفا. وكانت الفلوجة المطلة على نهر الفرات موطنا لنحو 300 ألف شخص قبل الحرب الحالية.

وقال دوجاريك إن الأمم المتحدة تتعاون مع الشركاء المحليين من المنظمات الإنسانية لتقييم الاحتياجات ونمط حركة المدنيين الباقين في الفلوجة البعيدة بنحو 50 كيلومترا عن بغداد والتي كانت أول مدينة سقطت في يد الدولة الإسلامية في يناير/كانون الثاني 2014.

وأضاف "يواجه المدنيون خطرا شديدا في محاولتهم الفرار. من المهم أن تتوفر لهم بعض الممرات الآمنة."

وتابع أن أحد المشاكل الرئيسية التي تواجه المدنيين النازحين هي درجات الحرارة المرتفعة في العراق وخطر الإصابة بالجفاف.