بحروب أو من دونها.. إلى أين ستذهب اسرائيل من هنا؟

بقلم: ماجد كيالي

منذ الحرب العربية ـ الإسرائيلية الأخيرة (حرب تشرين/اوكتوبر 1973)، ماعاد من الممكن الحديث عن حروب عربية ـ إسرائيلية؛ بغض النظر عن جواز هذه التسمية من عدم ذلك، من الناحية الواقعية. وقد شهدنا ان مجمل الحروب التي شنتها اسرائيل بعد هذه الحرب استهدفت قوى عسكرية لادولتية (قوات منظمة التحرير ثم حزب الله في لبنان) والفلسطنييين (في الضفة والقطاع).

هكذا، فعلى الرغم من واقع انتهاء الحروب "العربية ـ الإسرائيلية"، وعلى الرغم من تفوقها العسكري، واحتكارها التسلح النووي، في هذه المنطقة، فإن اسرائيل مابرحت تتحدث عن التحديات الاستراتيجية التي تواجهها، وعن المخاطر العديدة التي تستهدف أمنها ووجودها.

وتعتبر إسرائيل أن الخطر الديمغرافي، المتمثل برجحان الميزان الديمغرافي لصالح الفلسطينيين، بمثابة خطر يهدد أكثريتها اليهودية ونظامها الديمقراطي. ومشكلة اسرائيل هنا انها لاتستطيع ان تفعل شيئا إزاء هذا الخطر، فما الذي يمكن أن تفعله صواريخها ودباباتها بهذا الشأن، لاسيما بعد ان خبت موجات الهجرة اليهودية إلى إسرائيل (بالقياس للتسعينيات حيث استقبلت إسرائيل حوالي مليون مهاجر من دول الاتحاد السوفييتي السابق)، وبعد ان بات من غير الممكن الاقدام على ترحيل الفلسطنييين؟

ومن المعلوم أن المسألة الديمغرافية تمسّ تعريف إسرائيل لذاتها، فهل هي دولة يهودية أم دولة مواطنين؟ أدولة عنصرية أم ديمقراطية؟ هل هي دولة دينية ام مدنية؟ ومعلوم أن هذه الأسئلة تلحّ على الإسرائيليين لأنها تخصّ تعريفهم لهويتهم (يهودية أم إسرائيلية؟)، وثقافتهم (دينية أم علمانية؟)، أكثر مما تتعلق بالآخر، الذي يكاد يكون ممحوا، وغير ذي صلة، في هذه النقاشات. ولاشك ان هذا النقاش يشمل، أيضا، تعريف اسرائيل كدولة استعمارية، باصرارها على دوام سيطرتها الاحتلالية في الضفة والقطاع.

في المرحلة الأخيرة باتت اسرائيل تتحدث عن خطر جديد، تسميه "نزع الشرعية"، وهنا لاتميز اسرائيل، عمدا، بين محاولات نزع الشرعية عنها، او عن احتلالها للضفة والقطاع، في محاولة لابتزاز القوى الغربية، وفرض املاءاتها في عملية التسوية على الفلسطينيين.

ومشكلة اسرائيل، في هذه المرحلة، تبدو في تزايد دور العامل الدولي في تقرير مصائر المنطقة، تحت ضغط عوامل عديدة، ضمنها، تأثيرات العولمة، وصعود دور المجتمعات المدنية، وشيوع قيم الحرية والكرامة والعدالة (وهو ما تبدى في التعاطف الدولي مع الثورات الشعبية العربية)، وتزايد مخاطر الجماعات الارهابية، وتزايد نفوذ ايران الاقليمي. وقد شهدنا، في هذه المرحلة، مثلا، بأن عملية التسوية باتت بمثابة ضرورة لتسهيل السياسة الأميركية والأوروبية في المنطقة (لاسيما إزاء ملفات إيران والعراق ولبنان).

فوق هذا وذاك فقد برز في الآونة الأخيرة عاملا جديدا من عوامل الضغط على إسرائيل، ويتمثل ببروز شبكات المجتمع المدني الدولي، التي باتت تتحكم بالرأي العام، بعد تضعضع سيطرة الحكومات والاحتكارات على الفضاء الإعلامي، بفضل التطورات التكنولوجية في مجال الإعلام والمعلوماتية. فبدفع من هذه التطورات توسعت حركات التضامن مع الفلسطينيين، وباتت حقيقة إسرائيل كدولة استعمارية وعنصرية ودينية أكثر انكشافا في العالم؛ وقد شهدنا تأثير ذلك عليها، بمفاعيل تقرير غولدستون (بشأن ارتكابها جرائم حرب في غزة)، وبتداعيات هجومها على أسطول الحرية، وجريمة اغتيالها قيادي من "حماس" في دبي، مع كل ما يتعلق بممارساتها الاحتلالية والاستيطانية والقمعية ضد الفلسطينيين في الضفة والقطاع المحتلين.

وقد نشأ عن كل ذلك تزايد ظاهرة مقاطعة إسرائيل في أوروبا والولايات المتحدة (مقاطعة اقتصادية وأكاديمية وثقافية وفنية)، كما نشأ عنها مابات يعرف بمسار نزع الشرعية عن إسرائيل.

ولاشك بأن إسرائيل تبدي حساسية كبيرة إزاء هذا المسار، الذي نزع منها احتكار صورة الضحية، حتى إنها باتت تعتبر ذلك بمثابة تهديد استراتيجي لها (ربما لايقل خطورة عن التهديد الإيراني)، لاسيما أنها تخشى أن يفضي بها إلى نفس مصير نظام التمييز العنصري في جنوب إفريقيا. ومشكلة إسرائيل إنها لاتستطيع شيئا إزاء هذا التحدي، فهنا ليس ثمة جيش، ولا عمليات عسكرية، ولاحكومات، ولا إقليم جغرافي معين، ولا عدو محدد، وإنما مجموعات بشرية، منتشرة في كل المجتمعات في العالم، لا ضغوط عليها، ولا مصالح تهدد بها، ولا قيود تكبحها. وهي مجموعات تتميز بوعيها لدورها، وتعمل من أجل سيادة قيم الحرية والعدالة والسلام، عبر شبكات "الانترنيت" و"الفيسبوك" و"تويتر" و"اليوتيوب".

أيضا، ثمة عامل الزمن، الذي ظل يشكل إقلاقا شديدا لإسرائيل، بشأن دوام استقرارها وأمنها ومستقبلها، وهذا يشمل الزمن الديمغرافي والسياسي والاقتصادي والعسكري لها، كما لدول المنطقة. وشدة ضغط هذا العامل تنبع من ضآلة حجم إسرائيل، لجهة الجغرافيا والديمغرافيا والموارد والعمق التاريخي، بالقياس لمحيطها العربي. ولعل ذلك يفسر هستريا القلق التي تنتاب إسرائيل وحرصها المزمن على دوام تفوقها الاستراتيجي على محيطها، وفي مجالها الإقليمي أيضا، لاسيما في مجال الأمن؛ وضمنه دوام احتكارها لما تسميه سلاح يوم الآخرة (السلاح النووي).

أخيرا، ومع رياح الثورات الشعبية العربية العاصفة، نشأ أمام اسرائيل تحديا اخر، ربما يزيد في مخاطره عليها عن كل التحديات الأخرى، وهو ما يجب ملاحظته بكل وضوح. ومثلا، فإن هذه الثورات، التي تتوخى منح الحرية والكرامة والعدالة لشعوبها، أعادت الاعتبار للمجتمعات العربية، وجعلتها لاعبا رئيسيا، في تقرير السياسات في المنطقة، بعد ان كانت طوال العقود الستة الماضية مغيبة او مهمشة، أو في حالة موات. ناحية اخرى، فإن هذه الثورات غيرت من صورة العرب في الرأي العام العالمي، وعززت من التعاطف مع قضايا الشعوب العربية، وهذا لاشك ينطوي على تعزز النظرة المشككة لادعاءات اسرائيل (لاسيما بشأن عدم قابلية الشعوب العربية للديمقراطية)، ورفض مظالمها إزاء الفلسطينيين. النقطة الأهم هنا هو ان هذه الثورات ستغير الهياكل والمفاهيم المؤسسة لما يسمى زورا وبهتانا بالصراع العربي ـ الإسرائيلي، وربما هي تضع اسرائيل لأول مرة في تاريخها امام تحد تاريخي، حقيقي، وفعلي، بعيدا عن كل الشعارات والادعاءات اللفظية والحربجية التي كانت سائدة سابقا؛ حتى ولواقتصر الأمر على الطرق الشعبية والسلمية والديمقراطية.

ماجد كيالي