بايدن وشروط الانسحاب الاميركي من العراق!

بقلم: جمال محمد تقي

وضعت زيارة جو بايدن الاخيرة لبغداد النقاط المفصلية على حروف الترتيبات الخاصة بانسحاب القوات القتالية الاميركية من العراق، والذي سيتم نهاية العام الحالي، حيث ستتوج بزيارة المالكي لواشنطن، وذلك ليضع توقيعه على الديباجة النهائية للاملاءات الاميركية، ضمن مراسيم صممت لتعطي انطباعا بان الاميركان قد تركوا العراق فعلا لاهله، وانهم بذلك قد اوفوا بعهودهم امام مجلس الامن، والعالم باجمعه اولا، وامام الشعب الاميركي ثانيا، وامام اهل المقاومة في العراق ثالثا.

نعم ان مقاومة العراقيين الباسلة للاحتلال الاميركي وطيلة السنوات الثمان الماضية والتي كلفت المحتلين ما لم يتوقعوه، مصحوبة بافتضاح امر المبررات الكاذبة للحرب وما تلاها من احتلال وترتيبات، هي من عجلت باتخاذ قرار الانسحاب وبهذا الشكل غير المريح لهم، لكنهم ومع ذلك يحاولون ان لا يجعلوا من الانسحاب هزيمة كاملة لمشروعهم في العراق والمنطقة، وعليه قد انجزوا ومنذ عام 2008 مخرج الانسحاب المشروط، والذي يريدوه ان يساهم ولحد بعيد في الحفاظ على تداعيات ما بعد الاحتلال، ومن دون خسائر اضافية، وهي نفس الاستراتيجية التي تنتهجها ادارة اوباما في افغانستان، حيث قرار الانسحاب القتالي نهاية عام 2014 وبترتيبات تضمن نفوذا اميركيا ثابتا فيها، يروض طالبان ويشركها مع كرزاي في الحكم، وضمن هذا السيناريو المكرر يتحرك كرزاي وكأنه نفسه من يطالب الاميركان بالانسحاب وترك الافغان ليقرروا مصيرهم بانفسهم، بالضبط كما يفعل المالكي واعضاء حكومته الان، فهو في كلمته امام بايدن يقول بان الانسحاب الاميركي سيجيء كثمرة ناضجة لطريق المفاوضات، اي انه يقدم نفسه وكأنه صاحب الفضل في تحقيق هذا الانسحاب.

لكن سلوك المالكي المتناقض يفضح مغالطته تلك فالذي يضع اكاليل الزهور على قبور الجنود الاميركان الذين قبضت ارواحهم مقاومة العراقيين، والذي يركع امام الشروط الاميركية، ما ظهر منها وما استتر، والتي ستستبقي العراق رهينة عاجزة، هذا الى جانب التوقيع على براءة ذمة للاميركان من اي مساهمة مستحقة وحقيقية لاعادة اعمار العراق مما لحق به من دمار، ومن اي ملاحقة قانونية للجرائم التي ارتكبت اثناء الحرب والاحتلال، ومن اي تعويضات مطلوبة عن الاضرار البشرية التي اصابت الملايين، ومن اي تعهد رسمي بمساعدة العراق على الخروج من تحت وصاية البند السابع، لابد ان يكون متخادما مع من كانوا سببا فيما هو عليه.

ان انسحابا مكفولا بهذه الشروط هو ادانة جديدة لحكومة المحاصصات الخائبة، وهو نصر غير مكتمل لاهل المقاومة في العراق.

لقد تكيفت معظم قوى العملية السياسية الحاكمة، والتي هندسها الاميركان انفسهم لتكون ظلا لهم في العراق مع تلك الشروط غير المعلنة، حيث مررت صفقة الاتفاقية الخاصة بالعلاقات المؤطرة مع اميركا، وشرعنة تحالفا استراتيجيا معها وفي كافة المجالات، وفعلا تم اعتماد سبعة فرق مشتركة من الجانبين لتطبيق مفردات الاتفاقية على الميادين الحيوية اميركيا، كالمراجعات الدورية امنيا وسياسيا، والتسليح والتدريب، والطاقة، والتعليم، والصحة، والقضاء، والاعلام!

تقول صحيفة الواشنطن بوست بان الجيش الاميركي في العراق سيستبدل بجيش اخر من الدبلوماسيين والمستشارين والمخابرين، ومقاولين النفط والسلاح اضافة الى نمط جديد من المتعاقدين الامنيين، كيف لا وواشنطن تريد افتتاح قنصلية بكل محافظة عراقية، وتريد من قواعدها الجوية وراداراتها المتحركة والثابتة في دول الجوار فرض سيطرتها الفعلية على السماء العراقية، بحجة حمايتها، كيف لا اذا كان عدد العاملين في السفارة الاميركية في بغداد فقط يتجاوز العشرة الاف موظف، وفيها سفير مفوض عنده الخبر اليقين عما يجري في غرف نوم كل من يدخل المنطقة الخضراء، وله في كل اقليم مندوب، وله في اقليم كردستان الفدرالي ما ليس للمالكي نفسه؟

لبايدن شروطه التي يركع لها من في المنطقة الخضراء، وللمالكي ادواره التي يلعبها وتخريجاته التي لا تقنع حتى من معه في دولة القانون، التي لم نرى لها قانون، واللعراقيين ومقاومتهم التي لا ينقطع مددها الاصيل، حتى يتقطع الحبل الاميركي الملفوف على رقبة العراق، وحتى تقطع اليد التي تنفذ ما خططه الاميركان للعراق، وان بعد انسحابهم منه.

جمال محمد تقي