باول في دمشق: أصفر على أحمر

بقلم: محمد جمال باروت

يبدو أن خلافات أقطاب الإدارة الأميركية حول الموقف من سورية في مرحلة ما بعد احتلال العراق، قد باتت تنوس ما بين استراتيجية الاحتواء التي تقوم على إشهار البطاقة الصفراء بإنذار دمشق للمرة الأخيرة، بهدف تطويعها وإرغامها على "الانضباط" في إطار قواعد اللعبة الأميركية الاستراتيجية في المنطقة، التي تصب بشكلٍ حرفيٍ في الطاحونة الإسرائيلية، وبين استراتيجية الضربة الاستباقية التي تقوم على إشهار البطاقة الحمراء، بضرب دمشق وإخراجها من "اللعبة" كلها. وفي إطار هذا التباين الذي لم تعد قراءته بحاجةٍ إلى جهدٍ كبيرٍ، فإن البيت الأبيض قد اختار مرحلياً أسلوب الورقة الصفراء، ومن هنا أجّل البت في خطة كواسر الإدارة في البنتاغون بتوجيه ضربة استباقية إلى سورية، والتي سبق لمجلس سياسات الدفاع أن قام بتسريبها بعد هجمات الحادي عشر من أيلول، واختار أن يوفد" حمامته الوحيدة" المتمثلة بوزير الخارجية كولن باول، والمعبرة عما يوصف بـ "عقلاء" الإدارة، كي يزور دمشق ويبيّن لها على الأرجح عواقب استمرارها بالإخلال بقواعد اللعبة الأميركية الاستراتيجية في المنطقة، والتي تمثل الورقة الحمراء مشهدها الاحتمالي الأسوأ الأخير.
علينا هنا أن نتوقف ملياً عند إلحاح الوزير باول في أكثر من مكان بأن واشنطن ليس لديها "في الوقت الحاضر" جدول عمليات تالية ضد دمشق أو غيرها، في حين أن نائب الرئيس ديك تشيني لم يستبعدها على الإطلاق، فالأمر يتعلق حسب باول بـ "الوقت الحاضر" وليس بمطلق الوقت، ومن هنا كرّر إشارته في معرض رده على مستشاري البنتاغون الذين "استسخفوا" عزمه على زيارة دمشق، وتبصيرها بـ "عواقب سلوكها"، في أن مهمته تتم بتكليفٍ من الرئيس بوش الذي طلب منه القيام بها، و" إعطائهم - أي السوريين -بعض الوقت لنرى كيف تتطور الأمور" على حد تعبيره الحرفي، فالردود السورية على مطالب واشنطن هي" إيجابية" لكن" بعض الشيء"" ولاتزال لدينا خلافات مهمة مع سورية". ومن هنا فإن مهمة باول التي تجد هذه المرة تحبيذاً تكتيكياً من نائب الرئيس ديك تشيني ومستشارة الأمن القومي الأميركي كونداليزا رايس، هي مهمة وظيفية بحتة بالنسبة لكواسر الإدارة الذين يترقبون نتائجها، ما بين منتظر ليرى انتكاسة جديدة في دبلوماسية باول وبين مستنكر، كي يسهم ذلك في تلبيس دمشق أكثر فأكثر ثوب "الهدف السانح" التالي.
إن الكواسر لا ينظرون إلى مهمة باول سوى على أنها استنفاد لفرصة الورقة الصفراء، التي تمهّد السبيل أمام البيت الأبيض لإشهار الورقة الحمراء القاضية والمهيئة مسبقاً بدعوى أن "جهودنا لم تفلح" مع دمشق، وكأننا نشهد هنا استعادة مخففة لبعض ملامح المشهد الذي تم مع العراق، حين كان الرئيس بوش يقول إن الحرب مع العراق ليست خياره الوحيد، وإنه لم يتخذ قراراً بها بعد. وكي نعرف ما تحيكه واشنطن لدمشق وغيرها فإن علينا أن لا نستمع إلى ما يدور في رأس باول بل إلى ما يدور في رؤوس الكواسر، ودليل ذلك واضح للغاية، إذ أن من يعبر عن استراتيجية الأمن القومي الأميركي هم الكواسر الذين حوّلوها راديكالياً من مفهوم الاحتواء التقليدي إلى مفهوم الضربة الاستباقية في ما عُرف بـ "مذهب بوش" وليس "عقلاء" الخارجية، التي يطالبها الكواسر بإصلاح نفسها على غرار إصلاح رامسفيلد للبنتاغون، أي عسكرة السياسة الخارجية بما يتسق مع تلك الاستراتيجية. ومن هنا فإن ما يميز احتوائية باول عن المفهوم الأميركي للاحتواء في مرحلة الحرب الباردة وحصار العراق هو أنها تتم في ظل ضغط الاستراتيجية الاستباقية للكواسر، وبالتالي فإن احتوائيتها في حال تبني البيت الأبيض لها استراتيجياً وليس تكتيكياً أو مرحلياً كماهو عليه الأمر الآن، لا تعدو أن تكون ورقة حمراء لكن دون صواريخ توماهوك، أو عملية غزو كما حدث للعراق.
يفرض ذلك كله ترتيب دمشق حساباتها على أساس المشهد الاحتمالي الأسوأ وهو مشهد البطاقة الحمراء، رغم حرص مسئولي الإدارة على التعبيرعنها بطريقة "الغموض البنّاء" تحت تعبير يمكن اختزاله بالشكل التالي: "إنها غير موجودة لكنها من اختصاص الرئيس "الأمر الذي يعني ضرورة التعامل ليس مع البطاقة الصفراء ذاتها بل مع ما بعدها أو تحتها، الذي يقع في فضاء البطاقة الحمراء، وهو ما يتطلب مسبقاً من قيادتها ديناميكيةً عمليةً موازية لديناميكيتها الديبلوماسية، وهي ديناميكية إصلاحٍ سياسيٍ جديٍ في إطار أجندةٍ وطنية، تسد الذرائع من أجل سورية وليس من أجل واشنطن، إذ ليس لدينا في المعارضين السوريين نوعاً من "كارازيات" المعارضة العراقية، فمع احتمال "وقوع الفاس في الراس" لن يكون مجدياً مجرد دعائنا بأن يرمي الله بسهمٍ منه من أراد سوءاً بالشام، إن لم نحصّنها نحن بالإصلاح، ذلك أن أوراقاً حمراً عديدة قد باتت مموهةً بورقة صفراء. (أخبار الشرق) * محمد جمال باروت، كاتب وباحث سوري - حلب