بافوس: مكان الميلاد الأسطوري لأفروديت

كتب ـ أحمد فضل شبلول
فسيفساء بافوس

سبعة ركاب من ثلاث قارات في سيارة مرسيدس زرقاء (سرفيس 8 ركاب) تتجه من مدينة ليماسول إلى مدينة بافوس في التاسعة من صباح الإثنين، ثلاثة أشخاص من أفريقيا (مصر) وراكبة واحدة من آسيا (اليابان) وأربعة من أوروبا (إسبانيا ورومانيا وقبرص)، أما السائقة (وليس السائق) فكانت قبرصية.
مررنا أثناء خروجنا من ليماسول بمنطقة جديدة لم نكتشفها من قبل، فأحسسنا أننا نسكن في المكان الخطأ الذي يبعد كثيرا عن الشواطئ والمصايف، أو في فندق يقع في منطقة سكنية قليلة السكان، وليس في منطقة سياحية أو منطقة مصيف، كما قيل لنا.
ويبدو أن شركة السياحة التي حجزنا من خلالها رحلتنا إلى قبرص، خدعتنا في هذا الأمر وقال مندوبها إن الفندق الذي ستنزلون به قريب جدا من الشاطئ، وعلى الرغم من مشاهدتنا لموقع الفندق على شبكة الإنترنت فإننا لم نكن نتصور أنه بعيد عن الشاطئ وعن المصيف هكذا، الأمر الذي جعلنا نقضي أيامنا الأولى فيما يشبه العزلة، خاصة أن يومي السبت والأحد كانا من ضمن هذه الأيام، حيث تتعطل البلد عن العمل، لذا قررنا الخروج من ليماسول التي لم نتآلف معها منذ البداية إلى مدن قبرصية أخرى، فاخترنا مدينة بافوس الجميلة.
المسافة من ليماسول إلى بافوس في حدود سبعين كليومترا (أي ما يقارب الساعة)، وهي مدينة قالت عنها الكتب السياحية إنها مكان الميلاد الأسطوري لآلهة الحب والرومانسية والجمال "أفروديت". ويكفي هذا الوصف لقارئ يعشق الأساطير اليونانية القديمة، ليحس بجمال المدينة وعبقريتها وأهميتها الأسطورية.
توقفت بنا سائقة السيارة الزرقاء في الطريق لنشاهد جمال البحر والجبال عن قرب ونلتقط الصور التذكارية، فأيقنت أن هذه السائقة لديها حس جمالي وسياحي أيضا، فما الذي يجعلها تدعو ركابا لا تعرفهم، وسوف يفارقونها بعد نصف ساعة، إلى أن يترجلوا من السيارة ليشاهدوا الجمال، سوى أنها هي نفسها تعرف قيمة هذه المناظر البكر الرائعة وأثرها في نفوس السائحين والزوار، وفي الوقت نفسه تصنع دعاية ذكية وغير مباشرة لبلادها وجمالها الأخاذ.
لم تكن الجبال التي تقع على البحر المتوسط في الجنوب القبرصي ما يشغل انتباهنا فحسب، ولكن اكتشفنا قرى صغيرة ومنازل تقع على قمة الجبال، وأعدادا كبيرة من الماعز ترعى على هذه الجبال، فضلا عن وجود نفق طويل يخترق أحد الجبال ليزلل الطريق أمامنا في سهولة ويسر، وقد ذكرني هذا النفق بأنفاق مكة المكرمة التي تخترق جبالها العملاقة فيتيسر الأمر على حجاج بيت الله الحرام.
وصلنا بافوس لنجد الحياة صاخبة وضاجة بالمصطافين والسائحين من كل الجنسيات، كما وجدنا عمالا في المطاعم والكافتيريات والمقاهي والفنادق والشواطئ من كل الجنسيات أيضا.
وأول شيء واجهني بعد أن نزلنا من السيارة، هو متحف أو موقع التراث العالمي الذي تشارك فيه مع قبرص منظمة اليونسكو العالمية.
بعد أن أخذنا قهوتنا بإحدى الكافتيريات القريبة، قررت دخول هذا المتحف أو الموقع، فاستأذنت من زملاء الرحلة، وتوجهت إلى شباك التذاكر وحصلت على تذكرة قيمتها ثلاثة يورو و40 سنتا، وعندما دلفت من البوابة إذ بي أجد مدينة تراثية أو طللية أخرى داخل مدينة بافوس، فتملكني شعور أن أفروديت ولدت في هذا المكان، وأن ميلادها الأسطوري كان هنا، رغم الأطلال التي أشاهدها حولي.
شاهدت في هذا الفضاء الواسع الذي يمتد مسافة كبيرة إلى البحر، الكثير من قطع الفسيفساء لوجوه وشخصيات وحيوانات وزهور وصلوات، ما يدل على فنون قديمة في هذه المنطقة الأثرية، منقوشة على بعض المسطحات الأرضية، كما شاهدت بعض المغارات والكهوف الصغيرة بداخل الصخور وكتل الأحجار، وبعض الأعمدة الرومانية القديمة بعضها لا يزال على حاله، والبعض الآخر متهالكا.
وقد لاحظت أن أعمال الحفر والتنقيب والتسوير لا تزال جارية في هذه المنطقة الأثرية التي يربض فنار قديم في نهايتها، والتي لابد أنها تكشف عن حضارة قديمة وفنون عظيمة شهدتها مدينة بافوس قبل الميلاد بقرون وقرون.
بعد حوالي الساعة خرجت من المتحف ومن منطقة الأطلال الأفروديتية لألحق بالزملاء ونستكمل بقية يومنا في بافوس الجميلة فعلا والتي تختلف في جوها وحميميتها عن ليماسول.
سألت الزملاء: هل تشعرون أن بافوس أخف على القلب من ليماسول؟ فكانت الإجابة بالإيجاب.
في جولة بالمدينة اكتشفنا حصن بافوس بالقرب من المطاعم المجاورة للشاطئ والمرفأ. ووجدت عملا لا يهدأ بالساحة المحيطة بالحصن، فأردت التعرف على طبيعة العمل هذا، فاقتربنا أكثر من الحصن، لنكتشف وجود مدرجات زرقاء حديثة العهد، وخشبة مسرح أمام الحصن، وعمالا يعملون على قدم وساق للانتهاء من بعض التجهيزات لتقديم عروض فنية ليلية يكون فيها الحصن خلفية تاريخية متميزة لهذه العروض.
إن هذا الحصن الذي يقع على البحر المتوسط بمدينة بافوس، يذكرني بقلعة قايتباي بالإسكندرية التي تقع أيضا على البحر المتوسط، والتي شاهدت في ساحتها منذ سنوات بعيدة (عام 1984 على ما أتذكر) عرضا لمسرحية "حلم ليلة صيف" لشكسبير (بعد تمصيرها) من إخراج الفنان د. حسين جمعة، وكان عرضا مبهرا خاصة أن قلعة قايتباي كانت خلفية متميزة لهذا العرض مما أضاف سحرا على سحر المسرحية نفسها، وجوا يلائم حلم ليلة صيفية فعلا، ولكن لم أدر لماذا لم تتكرر العروض المسرحية الصيفية بالإسكندرية في هذه الساحة التاريخية العظيمة بعد ذلك.
وقررنا أن نزور مدينة قبرصية أخرى في يوم آخر، فلا تزال أيام الرحلة ممتدة. أحمد فضل شبلول ـ بافوس (قبرص)