باريس عاصمة عربية

مراجعة: أحمد فضل شبلول
غلاف الكتاب بااللغة العربية

قرأنا ـ من قبل ـ بعض مؤلفات الكتَّاب العرب الذين ذهبوا إلى العاصمة الفرنسية باريس، سواء للتعليم أو للسياحة أو للعمل، منذ رفاعة الطهطاوي عام 1826، وحتى نهاية القرن العشرين، وكتبوا انطباعاتهم وذكرياتهم ورواياتهم، وأعمالهم الأدبية المختلفة، حيث كانت باريس دائما عاصمة فكرية بالنسبة للشرق، وفي الوقت نفسه ترمز للآخر الغربي في مواجهة الذات العربية، مثلما رأينا في عصفور من الشرق لتوفيق الحكيم، وأديب لطه حسين، والحي اللاتيني لسهيل إدريس، وعودة الذئب إلى العرتوق لإلياس الديري، وهابيل لمحمد ذيب، وتخليص الإبريز في تلخيص باريز لرفاعة الطهطاوي، وذكريات باريس لزكي مبارك، والرحلة الباريسية للمويلحي، والسيد ومراته في باريس لبيرم التونسي، وغيرها من الأعمال والمصنفات الأدبية العربية التي كتبت من وحي باريس، المدينة والرمز معًا.
ولكن قليلة هي المؤلفات التي صدرت بلغة أجنبية عن رؤية الآخر (الأجنبي أو الفرنسي أو الباريسي) للعرب في باريس. لقد وضع علماء الحملة الفرنسية مصنفهم الضخم "وصف مصر" كرؤية واقعية علمية، في كثير من الأحيان، من قبل الأجنبي أو الآخر، لمصر في سنوات الحملة (1798 ـ 1801)، وربما بعدها بقليل.
ولكن ماذا عن رؤية الآخر للعربي في باريس نفسها؟ باريس مزلاج الحرية، ومركز الفكر العربي يأتي كتاب "باريس عاصمة عربية" لمؤلفه نيكولاس بو، وترجمة حسين حيدر، والصادر عن مكتبة مدبولي بالقاهرة (264 صفحة) ـ بدون ذكر أية معلومات أو بيانات عن المؤلف والمترجم ـ ليجيب إجابات مستفيضة عن هذا السؤال، من خلال رؤية واقعية ومعاصرة، سياسية ودينية في أغلب الأحوال.
"ففي باريس، يعبر الناس عن آرائهم، ويظهرون للعين، ويتلهون بإطلاق العنان للتخيل حول عالم عربي مثالي الذهنية بشكل واسع، وباريس تحرق وتظهر وتجدد، حيث يسود الاعتقاد أن باريس هي مزلاج للحرية".
لقد ساعد احتلال فرنسا لسوريا ولبنان، وبلاد المغرب العربي، على هجرة مئات الألوف من القرويين البسطاء إلى منطقة باريس، فشكلوا قرى كاملة، وحتى بعد حصول هذه البلاد على استقلالها، ذهب الألوف من الطلاب العرب يتابعون دراساتهم في السوربون وجامعات أخرى، واتخذوا من باريس عاصمة عربية حقيقية. بل إن بعض الأيدي العاملة الماهرة ذات المستوى الفكري العالي من لبنانين ومصريين ومغاربة هاجروا إلى باريس، ووجدوا سوق العمل يفتح لهم أبوابه. ومن ثم تشكلت في باريس الجماعات والجمعيات والتكتلات العربية، سواء المعارضة لأنظمة الحكم العربية، أو المؤيدة لها، وبدت باريس وكأنها مركز الفكر العربي في هذه الناحية، خاصة أن كثيرا من هذه التجمعات أصدرت صحفها ووسائل إعلامها الخاصة بها وبفكرها، وما تريد فرضه من وجهات نظر قابلة، أو حتى غير قابلة، للنقاش.
لذا فقد ظل تأثير العواصم العربية، خاصة الجزائر وبغداد وطرابلس، في باريس متميزا لفترة طويلة. كما ازدهرت في باريس الصحافة العربية، خاصة مع تدفق المطبوعات التي هاجرت من بيروت إلى باريس بعد اندلاع الحرب الأهلية في لبنان على سبيل المثال. ومن جهة أخرى عاشت باريس العربية ـ بعض أوقاتها الثمينة ـ تحت المخدرات والحجاب والسوق السوداء. إعادة صياغة معطيات الصداقة الفرنسية ـ العربية ومن ثم فقد أسهمت كل هذه العوامل، وغيرها، على إعادة صياغة معطيات الصداقة الفرنسية ـ العربية، خاصة أن الجيل الثاني من المهاجرين العرب إلى باريس يلعب دورا متناميا في الحياة العامة الفرنسية، ويستطيع هؤلاء دفع الإنجازات المتحققة إلى الأمام، وبالتالي إحداث انعكاس حقيقي جديد على العلاقات بين فرنسا والعالم العربي، التي يؤمل أن يسهم فيها التاريخ الخفي لباريس العاصمة العربية.
وعلى الرغم من أن الريع النفطي في الخليج يعادل لدى الأمراء بعض الصداقات الدائمة في باريس، وأن بعض الأمراء السعوديين أسهموا إلى حد كبير في تمويل بناء أماكن العبادة في فرنسا، ففي الشئون الجدية ـ يرى المؤلف ـ أن فرنسا تهتم بالسوريين والمصريين أكثر من رجال الخليج، فالأوَل هم المخططون الحقيقيون للدور الشرق أوسطي، ويبقى الآخرون رمز الحياة العربية الفكرية، بينما وحده المغرب العربي يأخذ الواجهة الحقيقية، حيث يشكل المغاربة في باريس موضوعا للكثير من الاعتبارات، منها أن التنينين الأقويين في باريس: المغرب وتونس، يجري التسابق بينهما على كسب مخلفات الاتجاه القومي العربي، ويعلق المؤلف بقوله: إنها لوحة مثيرة للحزن.
هذه هي الخطوط العامة والعريضة لكتاب "باريس عاصمة عربية"، ولكن هناك عشرات التفاصيل المهمة، التي لابد من إيضاحها في مجالات العلاقات العربية / العربية، والعربية/ الفرنسية، في باريس، وخاصة في النصف الثاني من القرن العشرين، بل الربع الأخير منه. العراق في مجال العلاقات العراقية/الفرنسية، كان الوجود العراقي في باريس رمزيا في الخمسينيات، وكانت الصلات بين البلدين شبه معدومة تقريبا، ولكن في النصف الثاني من الستينيات أصبح الحي اللاتيني رأس جسر حقيقي للاتجاه البعثي الذي عمل على التعبئة اليسارية الفرنسية، وتعزز الحضور العراقي فيها، بعد استلام البعثيين للسلطة في عام 1968، وسرعان ما خصص النظام العراقي الجديد سياسة تقارب مع فرنسا للمعادلة الضرورية مع الولايات المتحدة.
وأعلن صدام حسين: "أن العراق يثمِّن بشكل خاص إرادة فرنسا بإقامة علاقات أكثر توازنا مع بلدان العالم الثالث، وظهور تفهما أكثر حيال القضايا العربية".
وتشهد الزيارات الرسمية على هذا التعاون، فقد قام الرئيس صدام حسين بأول زيارة إلى باريس في يونيه (حزيران) عام 1972، وكان حينذاك نائب الرئيس في بلاده. ولكن عشية حرب الخليج، فقدت باريس المؤيدة للعراق الكثير من هيبتها. ليبيا أما عن العلاقات مع ليببا، فقد تحدث عنها المؤلف تحت عنوان "ليببا: الخاسر الدائم"، فعلى عكس العراقيين الذين كانوا سادة العلاقات العامة في باريس، لم يحسن الليبيون إيجاد حلفاء سياسيين ثابتين. وقد حاول القذافي استمالة باريس، باستمرار، في حين لم تظهر هي اهتماما كبيرا بمحاولته.
وفي عام 1993 عرض الليبيون إيداع ملياري دولار في المصارف الفرنسية، ولكن تدخل وزير المالية الفرنسي، ووضع حدا لهذه المحاولة. ولم ينتظر الليببون ـ على الصعيد السياسي ـ الكثير من باريس، ولم يتصور أحد أن يستطيع رفع الحظر الليبي المرور عبر باريس. الجزائر أما عن الجزائر فالوضع مختلف، فقد حصلت الجزائر على أوراق قيمة تلعبها في باريس، في طليعتها قوة مليوني شخص من جماعة المهاجرين، والعديد من شبكات التضامن التي ولدتها حرب الاستقلال، مما أسهم في تعديل النظرة الفرنسية حيال العالم العربي، استنادا إلى الكارثة الجزائرية.
ففي عام 1962 حين بدأ الاستقلال، كانت الدولة الجزائرية تملك في باريس، أداة تعبئة مهمة مع الاتحاد الفرنسي في جبهة التحرير الوطني، وللأسف أن كوادر "الولاية السابقة" كانوا مشبوهين في استقلاليتهم، في نظر أول رئيس جزائري أحمد بن بيلا، فتم حل الاتحاد.
ولكن أصبحت باريس فيما بعد، مركز احتجاج متزايد ضد السلطة الجزائرية خلال الثمانينات. ثم كانت أول صحيفة جزائرية تصدر وتعد في باريس عام 1988 وهي المجلة الشهرية "الدون"، غير أن هذه المجلة الفخمة توقفت عن الصدور عندما انفجرت اضطرابات تشرين الأول/أكتوبر 1988.
ومنذ عام 1985 أصبحت باريس بالنسبة للسلطة الجزائرية مصدرا لجميع المخاطر، حيث عقد آية أحمد اتفاقا مع الرئيس السابق بن بيلا.
وقد شهدت العلاقات الفرنسية / الجزائرية مرحلتين:
المرحلة الأولى: في عهد هواري بومدين، حيث تميزت بالحرص على الكرامة الوطنية، وبالعداء لكل تدخل فرنسي.
والمرحلة الثانية: بدأت مع الرئيس الشاذلي بن جديد، وشهدت بيع مدينة الجزائر للمصالح الفرنسية. فقد استخدم اليسار الحاكم كل شيء للوصول إلى جزائر ضعيفة تابعة. ولم يتوقف الشاذلي حتى أصبح التلميذ الجيد لقصر الإليزيه. وفي كل حال، فقد أظهر فرانسوا ميتران تعاطفا كبيرا مع الرئيس الجزائري وحده بين رؤساء الدول العربية.
أما مع اليمين، فإن العلاقات كانت مطمئنة دائما، فكان المحامي الجزائري على مسيلي معارضا فعالا للنظام، وجرى اغتياله في 7 نيسان/ أبريل في وسط باريس، لكن السلطة الفرنسية أخفت الأمر واعتبرته شأنا من شؤون الدولة الجزائرية.
وما بين اليسار واليمين كانت باريس تستخدم من قبل الطبقة السياسية الجزائرية كصندوق يردد الرنين، ليس غير ذلك. ووحدها القبائل تحتفظ بنوع من البنية الجماعية وتضغط بكل ثقلها على نظرة باريس للجزائر.
وخلال هذه العلاقات المتميزة بين باريس والجزائر يتردد ذكر بعض الرجال منهم: الملياردير الجزائري جلالي مهري، الوسيط الكبير بين باريس والجزائر الذي كان يستقبل في منزله الملك فيصل، على سبيل المثال، والرئيس الفرنسي فاليري جيسكار ديستان. ومنهم المخرج السينمائي محمد الأخضر حمينا، الوسيط الكبير بين باريس والجزائر.
لقد عمل معظم الجزائريين في باريس في الفنادق والمطاعم والمقاهي، وامتلكوا ما يقرب من نصف المقاهي والمطاعم في منطقة باريس، فشكلوا بذلك قوة حقيقية. المغرب أما عن المغرب، فقد أصبحت المملكة المغربية المحاور الممتاز مع الفرنسيين في العالم العربي والمغاربي. ويأتي الملك الحسن الثاني إلى باريس كأنه رجل الرفقة الطيب.
ألم يستقبل الملك المستنير البابا بولس الثاني؟ أليس حوله مستشارون من اليهود؟ ويضيف المؤلف: "هذا الملك المثير للإعجاب والغامض، والشبيه بملوك ألف ليلة وليلة يرضي المشاعر الملكية الكامنة لدى الفرنسيين، كأن الملكية المغربية قُدت من صخر".
هذا فضلا عن أن الملك يخلق لدى محاوريه الفرنسيين شعورا بالأبوة، وبهذه الصفة يغفر له الشيء الكثير. وكل مرور له في وسائل الإعلام الفرنسية يتحول إلى قداس شعائري كبير.
وفي المقابل يعتبر فندق المأمونية الفخم في مراكش ملاذا حالما بالنسبة للمسؤولين الفرنسيين.
ومن ثم بدأ يُنظر للمغرب بإجماع القوى في باريس، على أنه "كاليفورنيا أوربا"، وأصبح المغرب الوسيط الممتاز مع الجنوب الامتداد الطبيعي لأوربا. ويعلن الملك أن "المغرب شجرة جذورها تنغرز في الأرض الأفريقية، لكن فروعها تهفهف في أوربا".
وتدعم أوساط الأعمال الفرنسية بشكل واسع مظاهر التعاطف مع المغرب، فالمغرب ـ بالنسبة لهم ـ أصبح تنينا جديدا. وخلافا للعراق وليبيا، يكون ملك المغرب متنبها للتطورات التي تطبع جماعة العرب في باريس. يهود المغرب ويلعب اليهود في المغرب دورا حاسما في إدارة الشؤون الخاصة بالملك، ويحتفظ هؤلاء الرعايا المهاجرين إلى إسرائيل وكندا والولايات المتحدة وفرنسا، بقدر كبير من الإخلاص للحسن الثاني. وفي عام 1978 عقد مؤتمر دولي لليهود المغاربة لأول مرة في باريس، وحضره سفير المغرب وإسرائيل.
إن قدرة المغرب على الحوار مع إسرائيل وحماية رعاياه اليهود، قد وفرت الثقة بالملك على الدوام. وفي هذا المجال يلعب أندريه عازولي، الذي هو أول يهودي مغربي يعين مستشارا لمللك الحسن الثاني عام 1991، دورا كبيرا في التقارب بين اليهود والعرب. وبفضله خرجت صورة النظام المغربي في باريس جيدة، وذلك أثناء اللقاء المثير الذي جرى عام 1993 بين ليلى شهيد مندوبة منظمة التحرير الفلسطينية في باريس ومجموعة من الجمعيات اليهودية. تونس أما الوضع مع تونس، فقد اعترفت باريس متأخرا بولاية الرئيس زين العابدين بن علي.
بعد ذلك أصبحت مدينة تونس، ضاحية كبيرة لباريس، خاصة أنها على بعد ساعتين ـ بالطائرة ـ من باريس. وغالبا ما تجد الوجوه ذاتها، في طائرة الجمعة مساء من طائرات الخطوط الجوية التونسية التي تؤمن الانتقال بين تونس وباريس. مصر توترت العلاقات المصرية الفرنسية بعد تأميم قناة السويس عام 1956 والاعتداء الثلاثي الإنجليزي الفرنسي الإسرائيلي على مصر، وبمرور الوقت بدأت العلاقات تعود إلى طبيعتها، فلمصر ولع فرنسي خاص، منذ الحملة الفرنسية على الشرق عام 1798 وقبلها أيضا، وربما منذ الحملات الصليبية. ولكن المؤلف لم يتعرض لهذا التاريخ، فما يهمه رصد العلاقات في العقود الأخيرة من القرن العشرين كما سبق القول.
في عام 1969 قال محمد حسنين هيكل الناطق الرسمي باسم الرئيس جمال عبد الناصر لياسر عرفات: "إن باريس هي الباب الذي لا تستطيع بدونه الدخول إلى العالم، وبدون العالم لا تستطيع الفوز ضد إسرائيل".
ومع ازدياد موجات العنف في مصر التجأ الأقباط أكثر فأكثر إلى باريس، بعد أن طاردتهم المجموعات الإسلامية في القاهرة وأسيوط، وبعد أن كانوا يمثلون زهرة البورجوازية المصرية، كما يرى المؤلف. باريس الشاهد الحي لقد كانت باريس دائما شاهدا حيا على الاضطرابات التي تمر بالدول العربية، فمن أجل السلام في الجزائر تجمع في السوربون عام 1994 مئات المثقفين، وشاركت نخبة المثقفين الجزائريين الذين لجأ كثيرون منهم إلى باريس منذ بداية الاضطرابات الجزائرية.
إن مثل هذه الاضطرابات في الجزائر وغيرها من البلدان العربية دعت أحد الوزراء الديجوليين للقول: "كيف أستطيع أن أنادي، أنا الفرنسي، بالتضامن الواضح مع عالم عربي ممزق بعمق؟".
لقد كان على باريس ـ في كثير من الأحيان ـ أن تعيد تركيب المشهد الشرقي.
وعلى أية حال، فقد بدأ الرأي العام الفرنسي يقتنع بحقوق الشعب الفلسطيني. معهد العالم العربي في باريس وباسم الدفاع عن القضية الفلسطينية كان مشروع معهد العالم العربي الذي يجسد الحلم الفرنسي ـ العربي الذي حمله جمهور من المثقفين والفنانين في باريس عاصمة النور بالنسبة لهم.
وكان يُعتقد أن معهد العالم العربي أصبح مكانا عاليا للأمل الجماعي لأمة يراد إذلالها. ولكن من الثقافة إلى السياسة، تضطرب صورة المعهد تبعا لصداقات مسؤوليه.
ومنذ انطلاق فكرة المعهد في عام 1974 لم تكن النتيجة جيدة، وكان فاليري جيسكار ديستان هو الذي أطلق في بداية ولايته السبعية فكرة معهد العالم العربي، "فالتعارف الأفضل من أجل حياة أفضل" كان شعار إنشاء المعهد، خاصة بعد حرب تشرين الأول / أكتوبر 1973. وكان لابد من انتظار ست سنوات لإيجاد أرضية في باريس، وقد وقَّع عقد التأسيس في 28 شباط / فبراير 1980 بين فرنسا وسبعة عشر بلدا عضوا في الجامعة العربية. ولم يشارك المصريون الذين أبعدوا عن العالم العربي، منذ اتفاقات كامب ديفيد عام 1977 ولا الليبيون ولا منظمة التحرير الفلسطينية في هذا التكوين.
أما عن الهيكل الإداري للمعهد، فهناك ازدواجية في رأس المعهد، فرئيسه فرنسي، أما المدير العام فعربي، وهذا لا يسهل موضوعه، ويسيء للصلاحيات بين الواحد والآخر.
وتتوالى الخصومات السياسية والصعوبات المالية للمعهد.
في عام 1990 ـ على سبيل المثال ـ أظهر المعهد عجزا بلغ 40 مليون فرنك (في موازنة كانت تبلغ 90 مليون) الأمر الذي أدى بوزير الشؤون الخارجية الفرنسي في عام 1994 إلى إخضاع المعهد للرقابة المالية للدولة.
وبمضي الأعوام أصبح المعهد رمزا لعجز فرنسا والدول العربية عن إقامة فكرة مشتركة، وتلاشى الحلم الفرنسي ـ العربي، بسبب غياب أي تأثير على الظروف الراهنة لعالم ممزق في اضطرابات مظلمة. الصحافة العربية والإعلام في باريس مع بداية الحرب الأهلية في لبنان، وجد العديد من الصحافيين ملجأهم في باريس التي أصبحت لفترة من الزمن عاصمة الصحافة العربية. وربما تاريخ الصحافة العربية كان يؤهل باريس لهذا الدور، فمنذ بداية القرن التاسع عشر، رأت النور صحف عربية في باريس، وأسس إصلاحيون مسلمون، أبعدوا عن بلادهم، ومنهم محمد عبده وجمال الدين الأفغاني، في فرنسا مجلتهم "العروة الوثقى"، لكن بداية الحرب اللبنانية في عام 1975 هي التي أعطت انطلاقة حقيقية للعناوين المصنوعة في باريس. وفقدت بالتالي العبارة المأثورة "القاهرة تكتب، وبيروت تطبع، وبغداد تقرأ" مصداقيتها، وفقدت المراكز التقليدية للإنتاج الفكري في العالم العربي، القاهرة وبيروت خاصة، مكانتهما.
وفي السبعينيات أخذت باريس ولندن زمام النهوض، وانتصر الإنجليز في النهاية. وأخذ التسابق يظهر بين الرياض وبغداد في هذا المجال، فكانت الرساميل عراقية وسعودية خاصة، حتى حرب الخليج، ومثل اجتياح الكويت من قبل العراق نهاية التوازن بين بغداد والرياض.
ومن أهم المجلات التي صدرت في باريس مجلة الوطن العربي لصاحبها اللبناني ـ الذي حصل على الجنسية المصرية ـ وليد أو ظهر.
ليس الصحافة فقط في باريس، ولكن أسس رغيد الشماع إذاعة الشرق كمشروع إذاعة عربية ـ مسلمة، بمساعدة رفيق الحريري وبعض الأمراء السعوديين، وبدأت هذه الإذاعة بثها من فندق صغير في نوبلي، ثم في مبنى واسع في شارع فوش.
وحين جاء وقت التقارب اليهودي ـ العربي، مع اليسار، لعبت إذاعة الشرق دورها، ولكن هذه الإذاعة أصبحت بعد ذلك مرتبطة رسميا بالسياسة السورية ـ اللبنانية القائمة في بيروت الآن، وتشجب عملية السلام الجارية في الشرق الأوسط على موجات الهواء كل يوم.
ومع انتشار الهوائيات أصبحت عائلات المهاجرين قادرة على التقاط قنوات بلادهم، فالهوائي الذي يؤمن الاتصال مع البلد الأم يشهد نجاحا متصاعدا ويمتلكه ما يقرب من 400 ألف عائلة، وفي بعض المباني في ضاحية باريس الفقيرة جدا، يتزود به ما يقرب من ربع الشقق، كما تتزود المحلات الكبيرة والمخازن بالشعارات الواعدة "استقبلوا العالم في بيوتكم: تونس، مصر، المغرب، تركيا ..".
ولعل البرامج الأكثر مشاهدة ـ كما يقر المؤلف ـ هي البرامج التي تتناول معرفة الإسلام والعروبة الكلاسيكية.
ويرى المؤلف أن هذا الاختلاط المدهش للموجات يمكن أن يكون إحدى فرص باريس العربية والمسلمة في المستقبل، شرط ألا تفسد أموال الخليج هذا المنفذ الواعد، خاصة بعد أن أخلى الفنانون المغاربة والمصريون الساحة لبعض الوسطاء الفرنسيين والعرب الذين قتلوا روح باريس العربية.
وبالإضافة إلى إذاعة الشرق كانت هناك إذاعة باريس الحرة التي انطلقت عام 1983 بمساعدة الرساميل السعودية. الحوار العربي اليهودي وفي مفارقة غريبة ـ حسب المؤلف ـ نجد تقاربا حقيقيا مع العالم العربي لدى اليهود في المغرب الذين هاجروا إلى باريس بعد الاستقلال، ويتوقون الآن لاستعادة جذورهم المفقودة في الدار البيضاء والقسطنطينية أو في مدينة لاغوليت، ويناضل قسم من السفرديم من أجل حوار يهودي عربي حقيقي في باريس، ويقبل مبدأ مثل هذه اللقاءات عدد من ممثلي العالم العربي عن يقين أو اضطرار.
لقد أصبحت باريس منذ أكثر من عشرين عاما إحدى عواصم الحوار العربي ـ اليهودي، وخاصة فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية. الفن الشرقي والعقارات في باريس إن الليالي العربية الأولى في باريس هي مغاربية بجنون، وكان الحي اللاتيني يرقص على أنغام الموسيقى الأندلسية والقبيلية، ولم يؤد افتتاح الجامع الكبير في عام 1926 على بعد خطوتين من كلية جوسيو، إلى تثبيط همة هذه الطاقات. وتعايش الإسلام بقوة مع الرقص الشرقي في هذه المنطقة، وافتتح مقهى شرقي في مواجهة المكان الجديد للصلاة.
وإلى باريس طار كل من الفنانين: وردة، وفريد الأطرش، وعمر الشريف وفاتن حمامة، وغيرهم، وكانت الراقصات المصريات كأميرات في ألف ليلة وليلة، يخلقن البهجة في الليالي الباريسية جدا.
ومع بداية السبعينيات انتقل مركز ثقل الليالي الشرقية نحو الأحياء الغربية في باريس، وأصبحت باريس محطة فخمة، بالنسبة لمواطني الخليج الباحثين عن الملذات.
ومع قيام الحرب الأهلية في بيروت، أصبحت باريس بيروت على السين. وبدأ المغرب ينافس فرنسا بجدية لجذب المزيد من الدولارات النفطية.
غير أن استثمارات الخليج في باريس بدأت تتوجه بشكل أساسي نحو العقارات. وبين الماليين الخليجيين في باريس، يعتبر رئيس مجلس الوزراء اللبناني الحالي رفيق الحريري هو الأكثر شهرة. وهو يستقبل زواره في مقر إقامته في ساحة إيينا بجلابيته البيضاء وحافي القدمين. وبصلابة رجال الصحراء، يتطبع بقيمهم بعد حصوله الاستثنائي على الجنسية السعودية. وهو يسهم بنسبة 35 % من أسهم مصرف البنك الفرنسي للشرق الذي يسيطر إلى حد كبير على المصارف العربية في باريس.
وبدخول المال في باريس العربية، تقفر تلك العاصمة وتفقد معالمها، وشبكاتها النضالية التضامنية. وحدهم رجال الأعمال يبرزون، وأصبح هؤلاء الوسطاء الكبار بين باريس والدول العربية المحاورين المتميزين مع باريس، ولكن كانت باريس المسلمة تعيش حياتها الخاصة بعيدا عن الأوصياء الماليين. الإسلام في باريس يشكِّل الإسلام في باريس، موضوعا أساسيا، حيث يمكن للإسلاميين الجذريين أن يشكلوا السد الأخير ضد المؤامرة الأمريكية الصهيونية، وحيث يمكن لباريس المسلمة أن تلعب دورا محوريا في هذا الاتجاه، وفي اتجاهات أخرى.
في نهاية الثمانينات، حين لم تكن فكرة القومية العربية قد ماتت بعد، احتل الإسلاميون الساحة من جميع الجهات، في الجزائر والمغرب وفلسطين ومصر. وكان الإسلام في أوج التحولات، لاسيما منذ الثورة الإسلامية في إيران وإفلاس الأيديولوجية الاشتراكية. وصار الإسلام يظهر أكثر فأكثر كحل سياسي بالنسبة للمسلمين المتمردين على السيطرة الغربية.
وقد شكَّل المسجد الكبير في باريس رمزا مهما لمجموع الطائفة الإسلامية، غير أنه أصبح بعد ذلك أرضية أساسية للمناورة السياسية.
ففي العالم العربي يحلم الشباب الإسلامي بالحصول على السلاح، وفي فرنسا يفكر أغلبيتهم بالانتخابات المقبلة.
وقد كشف كتاب صدر عام 1993 حول "الجبهة الإسلامية للإنقاذ في فرنسا" عن بعض المفاجآت، فكاتبه شارل بلغريني واحد من رجال الشرطة الكبار الذين ميزوا عقد الثمانينات، وهو صاحب العبارة "لو كنت مسلما اليوم، لكنت أصوليا، فالغرب يغرق في الاتجاه المادي". وفي كل حال ـ يقول المؤلف ـ إن فرنسا تتفاهم جيدا مع السعوديين الذين هم ـ على الصعيد الداخلي ـ أصوليون حقيقيون. الجمعيات المسلمة تكونت العديد من الجمعيات العربية في باريس، ومن أهم هذه الجمعيات: جمعية التضامن الفرنسي العربي، والجمعية الفرنسية ـ الفلسطينية، والاتحاد الوطني للمسلمين في فرنسا الذي أنشئ عام 1985، وجمعية اتحاد النساء المسلمات، وجمعية الحوار الإسلامي ـ المسيحي، ومكتب الرابطة الإسلامية العالمية، وجمعية أصدقاء المسجد الكبير، واتحاد المنظمات الإسلامية الفرنسية، وجمعية الطلاب الإسلاميين في فرنسا، والأخوية الجزائرية في فرنسا، وجمعية العائلات المسلمة، وغيرها من الجمعيات التي في معظمها جمعيات إسلامية. حيث يكشف الكتاب عن إن عدد المسلمين على أرض فرنسا أكثر من أربعة ملايين مسلم. ولكل جمعية واتحاد قصته المشروحة في الكتاب في إشارات سريعة. فمثلا اتحاد المنظمات الإسلامية يقوم بدور رأس الحربة في معركة ارتداء الحجاب الإسلامي، مما أسهم في تضاعف المطالبات بحق ارتداء الحجاب. هوية عربية جديدة في باريس ومع كل ذلك، فقد تطورت الهجرة العربية إلى باريس كثيرا منذ ثلاثين سنة، وأضيف دم جديد للعالم العربي في باريس، وبدأت هوية عربية جديدة في طريق التكوين، حيث الشباب العربي الذي ولد وترعرع في فرنسا ويغويه الاندماج، ويقف في وجه الانحراف الإسلامي الذي يبقى اتساعه غير مؤكد، وحيث تتكوَّن أجسام مضادة صلبة في هذه الجماعات ذات المنشأ الأجنبي.
وأبعد من ذلك ـ يذهب المؤلف في ختام كتابه ـ إلى أنه يمكن لباريس أن تصبح عاصمة للدين الإسلامي الحديث (يسميه المؤلف والمترجم لاهوت)، ولصحافة عربية حقة، ومبادلات جامعية على أوسع مدى، وتحويل تكنولوجي مثمر (هل هو يحلم؟) ليس مؤكدا.
ولكن في كل الأحوال على فرنسا أن تضطلع بدورها العربي.
وهكذا يصلح كتاب "باريس عاصمة عربية"، أو أحد فصوله، كأساس نظري لرواية عربية جديدة، بطلها عربي مقيم في باريس في أواخر القرن العشرين. أحمد فضل شبلول ـ الإسكندرية