باريس عاصمة العالم

مراجعة: أحمد فضل شبلول

هذا كتاب عن باريس، صدرت طبعته الأولى بالقاهرة عام 1933، وطبعته الثانية عن سلسلة "ذاكرة الكتابة" بالهيئة العامة لقصور الثقافة (408 صفحات)، عام 2003 ـ أي بعد سبعين عاما من صدور الطبعة الأولى ـ وعلى الرغم من ذكر اسم أحمد الصاوي محمد ـ وهو من كبار الأدباء والكتَّاب والمترجمين في زمنه ـ على غلاف الكتاب كمؤلف له، إلا أن الرجل ـ في حقيقة الأمر ـ ينسب الفضل في تأليف هذا الكتاب عن باريس إلى هؤلاء الذين أسهموا فيه بأقلامهم وجلوا لنا مرآة باريس.
يقول في مقدمته: "ونحن نعيذ أنفسنا من ادعاء وضع كتاب كامل عن باريس، فقد أحصى الكاتب المشهور جورج لنوتر ما وصفت به باريس فوجده يبلغ 200 ألف وصف. ولا عجب فباريس التي لم يكن يزيد عدد سكانها عن نصف مليون نسمة في عهد لويس الرابع عشر، قد زادوا إلى الضعف عام 1825، ثم تضاعف عددهم هذا في الإمبراطورية الثانية، وهم اليوم (أي زمن وضع الكتاب 1933) أربعة ملايين.
كانت باريس في ذلك الوقت تجمع بين 150 خط ترام، و100 خط أوتوبيس، وعشر محطات حديدية، و96 كنيسة، و77 مسرحا. فكيف يمكن حصر هذه الدنيا المنيفة بين غلافي كتاب؟
لهذا السبب لجأ الصاوي إلى رفاقه ليصدر كتاب عن باريس في ذلك العهد، فيروِّحون بأساليبهم المنوعة الجذابة، عن القراء حتى لا يصيبهم الملل من مؤلف واحد، وحتى لا يُتهم هذا المؤلف بالتعصب لباريس، وهي جديرة بالتعصب.
ويدلنا المؤلف على طريقة طباعة هذا الكتاب المزيَّن بالصور (أبيض وأسود)، والذي خرج بطريقة الاكتتاب، "فلولا الذين ساهموا فيه باكتتابهم ما تم طبعه".
وعلى ذلك فالكتاب لمجموعة من المؤلفين أصدقاء الكاتب الذين زاروا باريس، وكتبوا عنها، فرأى الصاوي أن يجمع هذا كله، مع ما كتبه هو عن تلك المدينة الساحرة، ومع ما قرأه لبعض الكتاب الأجانب عن باريس، في كتاب واحد، أسماه "باريس".
وهو يصدِّرُ الكتاب بمجموعة من العبارات عن باريس لكبار كتَّاب عصره من العرب والأجانب، فيقول دستويفسكي على سبيل المثال: "ماذا يبقى لفرنسا إذا أُخذت منها باريس؟"، ويقول ميرابو: "باريس هي أبو الهول، أقسمتُ لأنتزعن سرها من صدرها". ويقول ماريفو: "باريس هي الدنيا، وبقية الأرض ضواحيها". ويقول أحمد شوقي في بيت من الشعر: "زعموك دار خلاعةٍ ومجانةٍ # ودعارةٍ يا أفك ما زعموك".
أما هو فيقول عنها تحت عنوان "باريس الحَكَم العَدْل": "بلد لا غنى، لرجل مفكر أو فنان، من أي جنس كان، عن العيش فيه زمنا ما، عيشة مجدية، لأن باريس هي اليوم ما كانت عليه يوما الإسكندرية، أو أثينا أو روما، يؤمها العلماء والأدباء والشعراء والفنانون من كل أنحاء الدنيا، كل واحد منهم يحمل إليها في جعبته شيئا جديدا يترك منه فيها، ويكون قد كمله لنفسه إذ ينزح عنها. فباريس الآن عاصمة العالم، يتعاون فيها العالم كله فكريا وفنيا. ولا مراء في أن باريس إلى الآن هي سيدة الدنيا في الفنون الجميلة، وعلى رأس العالم في العلوم والآداب. ولا يوجد ممثل أو مغنية أو فنان أو كاتب إلا وهو مضطر إلى أن يقصد باريس، يعرض بضاعته عليها ويطلب إليها الحكم فيها".
ثم نقرأ عناوين أخرى لمقالات بها فتون عظيم بباريس لعدد من الكتاب الأجانب، مثل باريس الزاهرة، وباريس الساحرة، وباريس التي لا تُضارع، وروح البلدان، وباريس الكل في الكل، وسر باريس، وباريس في عين الشباب، ومدينة كل الناس، وباريس تستيقظ من نومها، والباريسيون على المائدة، وتحت سماء باريس، وغيرها الكثير. وهذه المقالات بأقلام كتَّاب من أمثال: الفونس دوديه، ومارك توين، وهلير بيلوك، وبرادون، وجورج دي مورييه، وإميل زولا، وأوجين سو، وجورج دي مورييه، وشارلز ديكنز، وهنري لونجفلو، وسسلي هادلستون، وبروسون، وهنري ميرجيه، وحاييم نحوم الحاخام الأكبر لطائفة الإسرائيليين والذي يكتب مقاله بعنوان "باريس مركز الدراسات الإسلامية واللغة العربية" !!، وفيكتور هوجو، وتوماس كارليل، وإدوارد جيبون، وناثنيال هوثورن، وغيرهم.
ومن الكتاب والشعراء المصريين والعرب الذين أورد لهم الصاوي مقالات وقصائد في كتابه عن باريس: رفاعة الطهطاوي الذي ذهب منذ مائة عام (وقت صدور الكتاب) في بعثته إلى باريس، ود. محجوب ثابت، والمثّال محمود مختار، ومحمود عزمي، وطه حسين، ومحمد تيمور، وإميل زيدان، ود. محمد حسين هيكل، وعبد الله حسين، وأحمد شوقي، وولي الدين يكن، وطلعت حرب، وتوفيق الحكيم، وفكري أباظة، وأحمد فهي العمروسي، وحبيب المصري، ود. أحمد ضيف، وداود بركات، ود. منصور فهمي، وزكي مبارك، ومحمد حافظ رمضان، وحسن صبحي، ومجد الدين حفني ناصف، ومي زيادة، وإبراهيم فوزي، ومحمد لطفي جمعة، وخليل مطران، وأنطون الجميل، ومصطفى عبد الرازق، وسليم حسن، وحسن الجدَّاوي، وغيرهم.
فما الذي جمع (أو لمَّ) الشامي على المغربي؟ أو ما الذي جمع الكتاب العرب والأجانب، في بوتقة واحدة؟
إنها باريس الساحرة، مدينة النور والفنون والفتون، ومدينة الهزل والجد.
وحتى لا تُترك المقالات المختارة سواء المترجمة أو العربية، منسابة وراء بعضها البعض بلا ضابط أو رابط، فقد كان لابد من خطة ما تحكم هذا الفيض الكبير الذي اختار الصاوي بعضا منه، ليكون شاهدا على حبه العميق لتلك المدينة التي سحرته. فقسَّم الكتاب بعد الإهداء والمقدمة والفاتحة، إلى فصول تجمع بين المقالات العربية والمترجمة، وجاءت هذه الفصول بالعناوين التالية: إلى باريس، سر باريس، الحياة في باريس، صور باريسية، في الحي اللاتيني، علوم وفنون، ذكريات، أعياد باريس، سحر باريس، وداع باريس.
ومن خلال قراءتنا لهذه الفصول نلاحظ أن مقالات الصاوي نفسه قليلة جدا بالمقارنة لمقالات كتاب مصريين آخرين من أمثال: طه حسين، ومحمد حسين هيكل، ومختار.
من الممكن لنا أن نصنِّف هذا الكتاب على أنه كتابٌ من أدب الرحلات، أو كما قال ناشر الطبعة الثانية على الغلاف الخلفي: "الكتاب يمثل لوحة فنية تنعكس فيها "باريس" بفنها وثقافتها على العقول والقلوب في واحدة من أمتع رحلات الأدب العربي المعاصر".
وعلى الرغم من أن الرحلة كانت إلى مكان واحد، وفي عصر واحد تقريبا، فإن الكتاب يُعد ـ على هذه الشاكلة التي قدمها أحمد الصاوي محمد ـ رحلة جماعية إلى الدنيا بأسرها. أليست باريس هي الدنيا؟ كما قال ماريفو من قبل، أو هي ـ على الأقل ـ عاصمة الدنيا، أو عاصمة العالم؟.
إنه رحلة حب أبدية، قام بها كل كاتب وأديب على حدة، ولكن عندما اجتمعوا في كتاب الصاوي محمد، أحسسنا بتوحد المشاعر، وتوحد الآراء، وتوحد الحب، مما جعل الرحلة في نهاية الكتاب، جماعية، ومما جعل الكتاب نفسه سيمفونية عشق باريسية، أو أوركسترا شرقية وغربية تعزفان معا لحن المحبة والخلود الباريسي، بقيادة أحمد الصاوي محمد.
لذا نلمح في نهاية الكتاب دموع الفراق على باريس يسكبها ولي الدين يكن قائلا: "سأبكي باريس مستمدا دموع الغمائم، مستعينا بعيون النيرات، فإن تنفد الدموع، فإن من الأسى ما يجدده الشوق وينميه الغرام! سلام على باريس كأنها العذراء بُعثت لتدعو العالم إلى السجود".
ويعبر هيكل عن شعور مَن كتب عن باريس، وكأنه لم يكتب عنها شيئا، فيقول في نهاية الرحلة: "ماذا في باريس غير ما ذكرت مما يلفت النظر ويستنفد الوقت في المتاع به؟ أرى الجواب يُسرع إلى نفسي: وماذا تراك ذكرت من باريس، ثم ماذا تراك تعرف عنها برغم ما قضيته من السنين فيها".
أما الكاتب الألماني هنريك هايني فيقول: "وداعا باريس. إذا كان صوت وطني يناديني، فإن حبك القاهر سوف يدنيني، ولن يطول أمد الفراق".
ترى هل هناك مدينة غير باريس اجتمع حولها كل هذا الحب، ومثل هذه الكتابات من أنحاء العالم؟ أحمد فضل شبلول ـ الإسكندرية