باريس ترد على المغازلة التركية: نريد أفعالا لا أقوالا

الضغوط الأوروبية تدفع اردوغان إلى محاولة تحسين علاقته مع فرنسا لتجنب عقوبات أوروبية تعمق أزمة بلاده، فيما يبدو أن أنقرة تناور لكسب الوقت، إذ من المستبعد أن تتخلى عن سياسة الاستحواذ وتوسيع النفوذ في المنطقة وعما تعتبره حقا مشروعا في مياه المتوسط.


لعبة المصالح تدفع اردوغان لترك نهجه العدواني مؤقتا


لودريان: العلاقة مع تركيا ستظل هشة حتى تقوم بعمل ملموس


اردوغان يعبر رغبته دعم فرنسا في مكافحة الإرهاب بعد خلافات حادة

باريس -  أكدت الخارجية الفرنسية الثلاثاء على سياسة المغازلة التركية، بأنه رغم توقف تركيا عن إهانة باريس والأوروبيين وقمت بعض التطيمنات فنحن بحاجة لأفعال تضمن تراجع تركيا عن انتهاكاتها في المنطقة.

وكان تصريحات الرئيس التركي رجب طيب اردوغان قد أظهر خلال الفترات الأخيرة ليونة تجاه الاتحاد الأوروبي وخفض التصعيد في مياه شرق المتوسط وأدلى بتصريحات هادئة تجاه القادة الأوروبيين وخاصة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في خطوة تهدف لتجنب عقوبات أوروبية تعمق أزمة الاقتصاد التركي بعد أن هددت بروكسل مرارا باعتزامها اتخاذ إجراءات صارمة بشأن الانتهاكات التركية.

ويأتي هدوء اردوغان في إطار لعبة المصالح في محاولة لكسب الوقت، إذ من المستبعد أن تتخلى أنقرة عن سياسة الاستحواذ وتوسيع النفوذ في المنطقة وعما تعتبره "حقا مشروعا" بخصوص أنشطة التنقيب عن المحروقات في مياه المتوسط.

وقال وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لو دريان إن تركيا توقفت عن إهانة فرنسا والاتحاد الأوروبي وقدمت بعض التطمينات، لكن العلاقات ستظل هشة حتى تقوم أنقرة بعمل ملموس.

وفي أكثر من مرة تبادلت أنقرة الانتقادات اللاذعة مع باريس بشأن سياستها في سوريا وليبيا وشرق البحر المتوسط وقضايا أخرى، لكن البلدين العضوين بحلف شمال الأطلسي قالا في فبراير/شباط إنهما يعملان على خريطة طريق لإعادة العلاقات إلى طبيعتها.

وتحدث اردوغان مع نظيره الفرنسي أمس الثلاثاء في إطار هذه الجهود، في اتصال هو الأول بين الرئيسين منذ سبتمبر/أيلول، بعد أشهر من التوتر الحادّ بين أنقرة وباريس اللتين تتواجهان على صعيد ملفات عدّة مثل ليبيا وسوريا وشرق المتوسط.

وقال لو دريان خلال جلسة استماع بالبرلمان في وقت متأخر أمس الثلاثاء "لم تعد هناك إهانات، واللغة مطمئنة أكثر"، مضيفا إن إبعاد سفن التنقيب التركية عن المياه القبرصية في شرق البحر المتوسط وإبداء أنقرة رغبة في استئناف المحادثات مع اليونان بشأن النزاع البحري طويل الأمد بينهما تعد إشارات إيجابية.

وأشار إلى أن العلاقات "هشة لأن قائمة الخلافات طويلة جدا، لكننا نريد علاقة صحية مع تركيا" في إشارة إلى الخلافات بشأن ليبيا والعراق وإقليم ناغورني قره باغ.

وتابع "هناك حاجة لأفعال، وسيكون بوسعنا اتخاذ موقف عند تنفيذ هذه الأفعال. حتى الآن هي أقوال فقط".

اردوغان يسعى لترميم الشروخ في علاقته مع ماكرون
اردوغان يسعى لترميم الشروخ في علاقته مع ماكرون

توترت العلاقة بين باريس وأنقرة أواخر العام الماضي وبلغت إلى حد التراشق بالألسنة بين ماكرون واردوغان خصوصا بعد التصريحات الفرنسية المسيئة للنبي، فيما تنتقد فرنسا بشدة الرئيس التركي على خلفيته تدخلاته العسكرية وانتهاكاته المتصاعدة في مياه شرق المتوسط.

وهاجم اردوغان نظيره الفرنسي في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي قائلا إن عليه "فحص صحته العقلية".

وأثار مقترح ماكرون حماية قيم بلده العلمانية من أتباع التيارات الإسلامية المتطرفة حفيظة الحكومة التركية، ليضاف ذلك على قائمة الخلافات العديدة بين الرئيس الفرنسي واردوغان.

وتبادل اردوغان وماكرون الإهانات على مدى شهور بعدما اتّخذا مواقف متناقضة حيال عدة نزاعات بدءا من ليبيا ومناطق أخرى في الشرق الأوسط ووصولا إلى خلاف تركيا مع اليونان بشأن الحدود البحرية والتنقيب عن المحروقات في مياه شرق المتوسط.

ويتفاقم العداء بين الرئيسين منذ حذّر ماكرون في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي من أن عدم رد حلف شمال الأطلسي على العملية العسكرية التركية في شمال سوريا ومن ثم في ليبيا كشف أن الحلف يعاني من "موت دماغي".

وتصاعدت حدة النزاع بين البلدين بعدما أرسلت فرنسا في أغسطس/آب الماضي قِطعا بحرية إلى شرق المتوسط لمساعدة السفن الحربية اليونانية التي أرسلت في مواجهة تلك المناورات التركية في المياه المتنازع عليها.

وحركت فرنسا دبلوماسيتها لدفع الأطراف الأوروبية نحو اتخذا إجراءات صارمة وفرض عقوبات لردع الانتهاكات التركية المتزايدة في المتوسط.

ودفع ذلك الاتحاد الأوروبي إلى التهديد بفرض عقوبات على أنقرة لكبح أنشطة التنقيب غير القانونية في مياه متنازع عليه مع اليونان، وهو ما دفع الرئيس التركي إلى خفض التصعيد وسحب السفن ومغازلة القادة الأوربيين بتصريحات هادئة لتلافي عقوبات تنهك الاقتصاد التركي الطي يعاني منذ سنوات تراجعا مقلقا بسبب سياسات اردوغان "الفاشلة".

وفي هذا السياق وضمن سياسة الليونة أبدى الرئيس التركي لنظيره الفرنسي الثلاثاء إنّ بلاده ترغب بالتعاون مع فرنسا لمكافحة "الإرهاب" وضمان الاستقرار في الشرق الأوسط في وقت تسعى فيه أنقرة إلى تطبيع علاقاتها مع باريس.

وقال اردوغان لماكرون في محادثات عبر الفيديو بحسب بيان صادر عن الرئاسة التركية "يمكننا المساهمة بشكل كبير في الاستقرار والسلام في أوروبا والقوقاز والشرق الأوسط وإفريقيا. ثمة إجراءات يمكننا اتخاذها معاً ضدّ المنظّمات الإرهابية".

وأضاف "ترغب تركيا بالتعاون مع فرنسا في كل المجالات"، مشدّداً على أنّ التعاون بين أنقرة وباريس يشتمل على "قدرات كبيرة".