باختصار: هذه أسباب تأخر وتدمير العراق الجديد

بقلم: سمير عبيد

إن هيمنة الاستبداد، وثقافة العنف والقسوة والثأر، وضيق الأفق القومي، والتمييز الديني والعرقي على الأنظمة الشمولية، والاعتزاز بشعارات الانتقام والغزو وترديد الجماهير لرؤى الحزب الواحد والحكم الفردي المطلق سوف يبقي تلك المفاهيم على المدى البعيد في اللاوعي الجماعي للشعوب، لتصبح فيما بعد ثقافة سائدة، ومن ثم تتبلور إلى قيم أخلاقية عليا مرادفة لمفردات سامية كالكرامة والعزة والنضال والشرف التاريخي.
إن ترديد الجماهير العراقية والأجيال السابقة لشعارات الكراهية والحقد ضد الآخر، وتمجيد الشعب للقتل ولحياة الاستبداد ولأخلاقيات الديكتاتور وسلوكه وتقديسهم الثورة والحكم العسكري، وترديدهم لأناشيد كنشيد البعث القائل:
حزب تشيده الجماجم والدم... تتهدم الدنيا ولا يتهدم
ترك الكثير من الظواهر السلبية، والعلل النفسية في الجسد العراقي التي لا زالت قائمة في واقع الحياة العربية والعراقية معا منذ جلاء الاستعمار، وحتى قيام حكومات الاحتلال التي أندس بها الحشاشون الجدد وقطاع الطرق واللصوص الجدد والعصاة، وصولا إلى حكم الذين وأدوا الديمقراطية، وسرقوا ثيابها فلبسوها ليوهموا الرأي المحلي والعالمي بأنهم ديمقراطيون ويعملون لترسيخ الديمقراطية في العراق، وما هم إلا قتلة لديمقراطية مع سبق الإصرار.
إن الرئيس صدام حسين حمل بندقيته الشهيرة، وأطلق منها رصاصة واحدة لإرهاب الجماهير الغفيرة التي كان مشهدها وهي تصفق للزعيم الأوحد أشبه بالقطيع الذي يرعاه ذئب، وحين تباهى بسيفه لرهافة حده في قطع رؤوس الناس والقضاء على الخصوم، وحين كان يدخن سيجارته ويدوس على رؤوس الضحايا كان في الحقيقة نموذج يحتذى به من جانب الشباب العراقي والعربي معا، وحتى من كان يعارضه كان في الحقيقة يتمنى أن يصبح مثله.
فعقدة صدام كانت تتدخل في أخلاقيات الفرد العراقي وسلوكه ومظهره وردود فعله وطريقة تعاطيه مع الأحداث والحياة ومع من حوله وفي صفوف النظام والشعب، وحتى داخل صفوف معارضيه، والذين عادوا بعد سقوط نظامه ليمارسوا أفعاله مع الإيغال بزيادة فنونها القمعية والتكميمية والديكتاتورية.
إن عسكرة المجتمع وحياة الحرب والبندقية والتجنيد والسلاح لا زال يعتبرها البعض ثقافة عراقية أصيلة للذود عن الوطن والدفاع عن مقدساته وأبنائه، مع العلم أن عسكرة المجتمع نحو الورش التصحيحية هي طريق إنقاذ العراق وأن الفرق شاسع بين العسكرة الأولى والعسكرة الثانية، مع أمنيتنا بتطبيق التجنيد الإجباري في العراق بشرط التدريب على القيم الوطنية العليا، وصقل الشخصية، وطمر ميوعة واندفاع المراهقة والشباب، لكي نمنع انهيار الأجيال في مجتمع قاعدته قبلية ودينية يتغنى بالأصالة وعلى طول التاريخ، فلابد من منع انهيار الأصالة لصالح أن يكون الشعب العراقي شعب خدمات.
إن النظام العسكري والجيش والشرطة نظام آداب وأخلاق، وليس سياسات رجعية تمارس سلطاتها القمعية ضد الشعب الأعزل، وتفرض قوانينها بالقوة والسيف والرصاص ضد المواطن العراقي.
إن السلطة العسكرية تعني العدالة والانضباط والحفاظ على كرامة الوطن من أن تستباح، والدفاع عن أرواح الناس والأبرياء، ولا تعني أبدا كما يراد لها في العراق أو في الدول العربية القهر الذي تمارسه الأنظمة المستبدة والأسلوب البوليسي في الحياة العامة.
إن العراق بحاجة إلى الشروع في مشروع كتابة دستور دائم وديمقراطي ينظم الحياة السياسية والعسكرية والاجتماعية والاقتصادية في المجتمع العراقي، وليس دستورا طائفيا مترجما عن لغات أجنبية أخرى يحمي الأحزاب الطائفية والشخصيات الانتفاعية والوصولية وميليشياتها المسلحة، أو دستور يكتب تحت شعارات إيديولوجية مختلفة كما حدث في انقلاب 8 شباط 1963م مثلا حيث تحالفت قوى المجتمع الأهلي القديم وقوى من العسكر والبرجوازية الصغيرة لتعيد الهيمنة الأجنبية ولكن بشكل نيوكولونيالي : "استقلال شكلي وتبعية حقيقة" وبذلك انتكست مسألة بناء المجتمع مدني وإمكانية بناء الدولة، ووأدت تجربة الزعيم العراقي عبدالكريم قاسم في مهدها.
إن العراق بحاجة إلى ثقافة إنسانية حضارية جديدة، وشخصيات تقدس ثقافة الحوار والتآخي والتضامن والتعاون والاعتراف بالآخر، والتسامح وتناهض العنف والقسوة وروح الاستبداد وعبودية الشعب وتسخيره لغايات الحزب والفرد، وتخلو من التعالي والتكبر والتمييز والشعور بالتفوق والتحريض الطائفي ضد مكونات الشعب وأطيافه.
إن رجل الدين/السياسي في العراق لديه شعور عميق بالاصطفاء الإلهي لطائفته أو مذهبه أو حزبه، ومن هنا جاء التقديس لرجل الدين/السياسي والشعور بالتفوق النوعي للذات المذهبية او الحزبية والتعصب الأعمى للطائفة.
إن انتشار البطالة والفقر والعوز والجوع وهيمنة الحكومة واستبدادها بحقوق الشعب، وعدم وجود آليات رقابية فاعلة على مؤسسات الدولة ودوائرها الرسمية والتفاوت الطبقي الحاد بين شرائح وطبقات المجتمع العراقي وبين مختلف المراتب في السلم الوظيفي من أسباب الفساد الإداري والمالي والأخلاقي من قمة الهرم إلى قاعه في العراق اليوم.
إن عدم تكافؤ الفرص وعقود الحرمان والجور والظلم التي عاشها العراقيون أصاب نسق القيم والمعايير الأخلاقية بالانهيار، وأصبحت الرشوة مثلا مرحبا بها في الوسط الاجتماعي العراقي، فالسياسي العراقي أو المسئول يتعامل مع مهنته كبضاعة أو سلعة للبيع للحصول على المال والثروة، والموظف الصغير يحتقر الضمير المهني الذي يوجب عليه الاستقامة والنزاهة والسلوك القويم المعبر عن ضوابط المهنة وأعرافها وقوانينها، فالعرف المهني المهيمن اليوم للأسف أصبح الخيانة وعدم الاحترام والتجاوز.

ولكن في الواقع العراقي هناك نماذج مشرفة كثيرة كانت ولا زالت تشغل مناصب حكومية في المؤسسة العسكرية والأمنية ودوائر الدولة ومؤسساتها المدنية ارتضت عيش الكفاف، وتحملت الفقر والمرض والجوع، واضطرت للعمل بعد الدوام الرسمي في أعمال لا تمت لاختصاصها ولا إلى مكانتها الاجتماعية بصله دون أن تنحدر إلى الهاوية، وهناك جماعات قد مورس ضدهم الاجتثاث والتمييز وقطع الأرزاق ولأنهم شرفاء وأمناء، وقبلوا بهذا لكي لا ينجرفوا ويكونوا خونة لوظائفهم ومراكزهم وقيمهم ووطنهم.
إن الشعور بالمظلومية له خصوصية خاصة جدا في العراق، فمن ظلم الأمويين لآل البيت، إلى ظلم بعض المتنفذين المقربين من حلقة صدام ونظام حزب البعث السابق لشيعة آل البيت، حيث أن كل مسئول وسياسي في العراق اليوم يشعر بتعرضه للظلم العظيم والاضطهاد طوال سنوات نفيه، أو سجنه، أو معارضته للنظام السابق، وبالتالي أصبحت الدولة العراقية والمجتمع مدينة له في كل شيء، الأمر الذي يبرر له الاستحواذ على المال والثروة والمناصب والامتيازات بمختلف الطرق المشروعة وغير المشروعة لتعويض ما فاته.
والمشكلة أن الدستور الذي نص على التداول السلمي للسلطة بدلا من تحقيق هدفه في خلق الرفاهية والاستقرار الأمني والسياسي في العراق، فإنه خلق وضعا سياسيا مرتبكا، حيث أصبحت المناصب السيادية عرضة للتغير والاستبدال، ومن ثم أصبحت مجرد صفقات تجارية للحصول على اكبر كمية من المال والضمانات والأملاك والحيازات في الداخل والخارج، فشعور السياسي العراقي بالقلق وعدم الثبات والاستقرار وشعوره بأن الظروف سوف تضطره لمغادرة البلاد ثانية هو الذي زاد اندفاعه للخيانة والسرقة والفساد بأشكاله والدليل أن أغلب السياسيين في ما يسمى عراق التغيير مزدوجي الجنسية! رغم أن الدستور يمنع ذلك.
يقول المفكر هادي العلوي "حمل القرآن طبقة الأشراف وحدها مسؤولية الفساد والدمار الذي يصيب المجتمعات وذلك في قوله تعالى (وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا)".
توضيح ضروري:
نحن نكتب هنا عن حالة لكي لا يتم تأويل كلامنا بأنه تهجما على فكر أو حزب أو طائفة، فنحن نحترم الشيوعية ولكننا نعتبر ستالين مجرما، ونحترم القومية ولكننا نعتبر أن جمال عبدالناصر كانت له يد باغتيال التجربة القاسمية الحميدة في العراق، ونحترم البعث كفكر وكحزب ولكننا نعتبر صدام حسين ديكتاتورا قمعيا ونرجسيا... وهكذا، لكي تتوضح الصورة، ولكن ليس لدينا استعدادا أن نكون من الشيوعيين والقوميين الناصريين ولا حتى من البعثيين لأنه ومن وجهة نظرنا أصبحت الشوفينية الوطنية الحميدة هي الطريق الأمثل لحماية العراق وبنائه، وبعد أن شاهدنا ولمسنا جمع المعاول والسكاكين والخناجر من بعض أبناء العراق لصالح بعض الأشقاء والجيران الحاقدين على العراق وشعبه، وضد جسد وأطراف وقلب العراق من أجل بسط مشاريع مدمرة للعراق وللعراقيين ومستقبلهم وهي مشاريع لبعض أشقاء وجيران السوء!
وعندما شاهدنا الاصطفاف العربي مع واشنطن وإسرائيل ولندن والغرب ضد العراق وشعب العراق، ولا زال الاصطفاف جاريا لتدمير ما تبقى من العراق... ومن هناك الدول الإقليمية ـ الجارة ـ وبمقدمتها إيران التي تريد مسح ثقافة وتاريخ وانتماء الإنسان العراقي ليكون إيرانيا من الدرجة الثانية،ويعيش في بلد تابع إلى حضيرة فارس، كل هذا يدفعنا إلى الشوفينية الوطنية الحميدة لكي نحمي بلدنا وشعبنا وتاريخنا وثقافتنا كعراقيين أولا، فكفى لا نريد تحميل شعبنا مشاكل غيرنا،وتحت شعارات فارغة لم نجن منها غير تفريغ خزائننا وفقدان أجيالنا حطبا للحروب الإستعاضية، ولم نجن غير الظلم والقمع والخراب والخواء وتقهقر العراق، وهاهم من دافع عنهم العراق يحملون معاول التخريب ويرسلون الأحزمة الناسفة لقتل شعبنا!
فمشاكل العراق الرئيسية هي:
ــ الشمولية السابقة وثقافتها المترسخة في عقول المجتمع
ــ الشعور بالمظلومية، وهو الشعور المترسخ عند القادة الجدد وفي رؤوس أغلبية العراقيين
ـــ معاول وأحزمة النسف والمخططات العربية والإيرانية وغيرها.
ــ الدستور المفخخ والمترجم عن نسخة غير عربية.
وكل مشكلة تحتاج إلى مشروع متكامل للعلاج، ولن يتحقق إلا بجلوس الشرفاء والوطنيين والمخلصين في مركز القرار، فحينها يمكن للعراق والعراقيين التغلب على هذه المشاكل،والخروج من المحن بسلام، ولابد من تطبيق ـ الشوفينية الوطنية الحميدة ـ وشعار "كلنا شوفينيون شرفاء ووطنيون لخدمة العراق والعراقيين أولا" فلنبني بلدنا أولا ثم ننفتح على الآخرين وبلدنا معافى وغير معدي!
سمير عبيد
كاتب ومحلل سياسي عراقي Sa.obeid@gmail.com