باحث يؤكد: كتابات هيكل لا تُعَدُّ تأريخًا منهجيًّا

يحيي عمر يرى أن كثيرًا من روايات هيكل لا تستقيم مع بعضها البعض.


الباحث يتبع مَنْهَجَ البحث التاريخي الذي يقوم على أساس التحليل والمقارنة والاستنباط من خلال عَرْضِ الوقائع التاريخية


الملاحق الوثائقية لكتب هيكل تتضخم بلا مبرر توثيقي حقيقي لكثرة ما فيها من وثائق منخفضة الأهمية

يكاد يكون من المُتَّفَقِ عليه أن محمد حسنين هيكل هو الصحفي الأكثر تأثيرًا في العمل الصحفي في مصر والعالم العربي خلال الستين عامًا الأخيرة، كما أنه الكاتب السياسي الأكثر تأثيرًا في الفكر والحياة السياسية في الفترة ذاتها، وذلك ليس فقط لإنتاجه الصحفي خلال تلك الفترة، وليس فقط للدور الذي لَعِبَهُ في تحويل مؤسسة الأهرام من مؤسسة خاسرة مُعَرَّضَةٍ للإغلاق إلى صَرْحٍ من أكبر صروح الصحافة؛ وإنما وفقا للباحث يحيي حسن عمر في كتابه "كتابات هيكل بين المصداقية والموضوعية" للمَكَانَةِ المرموقة التي حظي بها إلى جوار الرئيس جمال عبدالناصر - الشخصية الأكثر تأثيرًا في العالم العربي في القرن العشرين حسب رأي عدد كبير من الأكاديميين والعامة - وأَهَّلَتْ تلك المكانةُ هيكل للَعِبِ أدوار سياسية في عهده وعهد خَلَفِهِ الرئيس السادات، كما كفلت له شهرة عالمية باعتباره (موضع الثقة) و(الناطق الرسمي) بلسان عبدالناصر، وهي الشهرة التي دعمها باتصالاته الواسعة مع نجوم الصحافة ووسائل الإعلام العالمية، وهو أيضًا الكاتب الأكثر إثارة للجدل في تلك السنوات وحتى الآن.
كتاب يحيي عمر هو رسالة ماجستير نوقشت وأُجيزت من كلية الآداب جامعة القاهرة، وكان ذلك في نوفمبر/تشرين الثاني 2017، وعنوانها "تاريخ مصر في كتابات محمد حسنين هيكل 1942- 2003"، وقد اختار منها عددًا من فصولها المهمة لتكون عماد هذا الكتاب الصادر عن دار العربي للنشر. حيث رأى أن لهيكل باعا كبيرا في مجال الكتابة التاريخية؛ حيث تتعدد كتاباته ذات الصِّبْغَةِ التأريخية، ومنها رصده للمراحل المختلفة لتاريخ مصر الحديث والمعاصر، وكذلك تعرض لتاريخ الأقطار العربية، ودول الجوار مثل إيران وتركيا، وهو ما ظهر في كتب كثيرة له مثل: إيران فوق بركان، ملفات السويس، سنوات الغليان، الانفجار، أكتوبر 73 السلاح والسياسة، خريف الغضب، إلى غير ذلك من كتبه.

أول مقالة نُشِرَتْ لهيكل بتوقيعه، كانت بعنوان "كنت أتمنى أن أكون معهم"، نُشِرَتْ في مجلة روز اليوسف في 19/8/1943، ولم يُشِرْ أيٌّ من المراجع إلى تلك المقالة

وفي ضوء ذلك اتبع الباحث مَنْهَجَ البحث التاريخي، الذي يقوم على أساس التحليل والمقارنة والاستنباط، من خلال عَرْضِ الوقائع التاريخية، والرَّبْطِ بين النصوص الوثائقية والروايات المختلفة والشهادات الشفاهية، ومحاولة استنباط الحقائق والاستنتاجات من بينها، من خلال مدخلٍ نقديٍّ يعتمد التحليل والمقارنة والتفسير، ويستهدف الكشفَ عن الأسباب الكامنة وراء النص التاريخي، ويضعُه في سياقاته الزَّمَنية والمجتمعية، مع التركيز على تحليل الخطاب في جوانبه التاريخية والسياسية مع التطرق إلى الأساليب اللغوية.
تناول الباحث الموضوعية والمصداقية في كتابات هيكل، حيث أجاب عن التساؤل المتعلق بمدى الالتزام بالدِّقَّةِ وشمول العَرْضِ وغير ذلك من أَوْجُهِ الموضوعية، وذلك من خلال دراسة محدِّداتٍ وضعتها الدراسة للوقوف على مدى ارتباط كتابات هيكل بمعايير الموضوعية، ومن تلك المحددات الإحاطة بمعظم دقائق ووقائع الموضوع التاريخي، وتشمل الإحاطة بالأطراف المتداخلة فيه، والعوامل الفاعلة فيه، ومن تلك المحددات الدِّقَّةُ في إيراد الوقائع التاريخية، والتحقق من المصادر ذات الصلة والمصداقية، ومنها عدم ظهور (الأنا) الصارخة للمؤرخ، الذي يظهر في إبراز دور الذات ومدح المقرَّبين وتشويه الخصوم، ومنها التوزيع المتوازن للكتابة طبقًا للأهمية، فلا يُسَلِّطُ المؤرخُ الأضواء على أحداث بعينها ويُلْقِي الظلال على أحداثٍ أخرى ليقود القارئ لنتيجة يريدها، ومنها استخدام معايير مُوَحَّدَةٍ – أو على الأقل متوازنة – لسرد وتقييم الأحداث التاريخية، أو بعبارة أخرى مشهورة: الكيل بمكيال واحد، لا بمكيالين أو مكاييل متعددة، تختلف باختلاف الأشخاص أو باختلاف العلاقة مع الشخص الواحد وتغيرها، ومنها الاهتمام بالسياق التاريخي للأحداث؛ فلا يُجَرِّدُ المؤرخُ الأحداثَ التاريخية من سياقها التاريخي مما يقود القارئ لنتائج مغايرة، ومنها عدم الانسياق وراء ميول دينية أو عرقية أو طبقية أو سياسية، أو الانصياع لضغوطات سُلْطَوِيَّةٍ انصياعًا يُوجِدُ فرزًا يُغَيِّرُ وقائع الحدث التاريخي.
درس الباحث تلك المحددات عبر استعراض الكثير من نماذج كتابات هيكل التَّأْرِيخِيَّة، وخلص إلى أنه "ثبتَ وجودُ نقائص موضوعية حقيقية متعلِّقة بعدم شمول تلك الكتابات للمواضيع التي تبحثها، مما يُغَيِّبُ الصورةَ الكلية للقارئ إذا اكتفى بها، وافتقارها للتوزيع المتوازن للكتابة عبر الأحداث المختلفة، واستخدام الكاتب للأضواء والظلال على نطاق واسع، فيُسَلِّطُ الضوءَ على جانبٍ رفيع من المشهد، ويتجاهل حقائق أخرى ويضعها في الظلال، كما يستخدم الكاتب معايير غير مُوَحَّدَةٍ للتقييم التاريخي، ويُسْرِفُ في مَدْحِ المقربين كما يُسْرِفُ في تشويه الخصوم على أسس شخصية".

كما أجاب الباحث عن التساؤل البحثي المتعلق بالتوثيق وطُرُقِهِ في كتاباته التاريخية، وذلك من خلال مناقشة مُوَسَّعَةٍ لمدى توثيق كتابات هيكل، ومناقشة طرق الحصول على الوثيقة، والتعامل مع مصدر الوثيقة، ثم في التعامل مع لغتها، ثم تعامله اللغوي معها في التعليق عليها واستخدامها في توجيه القارئ، ومناقشة عدم التوثيق في بعض كتابات هيكل وأنواعه وأسبابه، ثم دراسة إحصائية تحليلية لمدى توثيق بعض الكتب التَّأْرِيخِيَّة الرئيسية لهيكل، مع تحليل ملاحقها الوثائقية.
وهنا خلص الباحث إلى "أن الملاحق الوثائقية لكتب هيكل تتضخم بلا مبرر توثيقي حقيقي لكثرة ما فيها من وثائق منخفضة الأهمية، في الوقت الذي يعاني فيه مَتْنُ تلك الكتب من وجود الكثير من المعلومات غير الموثقة، ولم تَزِدْ نسبةُ توثيق المعلومات الرئيسية في أيٍّ من كتب هيكل عن 60%، في الوقت الذي لم تَزِدْ فيه نسبةُ الوثائق ذات الأهمية الحقيقية في أي من الملاحق الوثائقية للكتب عن الثلث.
ولعل أوضح ما رَصَده الباحث في دراسته من خَوَارِمِ الموضوعيةِ "يدور حول علاقة هيكل بالسُّلْطَةِ، فحتى في تلك العهود التي عارض فيها كانت لغةُ معارضته وحِدَّتُهَا واتساعها وشمولها تختلف في أثناء العهد وبعد انقضائه؛ ففي أثناء تلك العهود تكون المعارضةُ ذاتَ شكل موضوعي ومحدَّد وتُحَافِظُ على ما أسماه هيكل (مقام الرئاسة)، بينما بعد انقضاء العهد يَزُولُ التحرزُ أو الاعتبار لمقام الرئاسة، وتغدو المعارضة أكثر شراسةً وسُفُورًا شكلًا وموضوعًا، وتصل إلى أوصاف مسيئة للحاكم. كما يؤثِّر الانحيازُ السياسي والأيديولوجي للتجربة الناصرية على قراءة هيكل لتواريخ الحقب التي عاصرها وبعض ما قبلها، فتخرج قراءةً أيديولوجية يَشُوبُهَا التَّحَيُّزُ، تَنْتَقِي وتَحْذِفُ تبعًا لتلك التحيزات.
وتناول الباحث مرحلةَ نقد التجربة التي مَارَسَهَا هيكل عقب النكسة، وأوضح أنها "تَمَّتْ تحت رعاية عبدالناصر وحمايته، لكنها تظل تجربة مهمة ولافتة للنظر وجديرة بالمزيد من الدراسة، وأوضحت الدراسة - عبر أمثلة كثيرة - أن تَرَدُّدَ هيكل بين رغبته في المُضِيِّ قُدُمًا في نقد التجربة الناصرية - من باب سَدِّ ثغرة موضوعية في كتاباته - وبين خَشْيَتِهِ وضِيقِهِ من استخدامها أيديولوجيًّا - ضد الفكرة الناصرية وضده شخصيًّا - هو الذي قاده أحيانًا نحو التخبط في مسيرته النقدية تلك، فما يثبته في موضع ينفيه في آخر، وما ينتقده في موضع يدافع عنه في آخَر".
وأجاب الباحث عن التساؤل البحثي حول مدى المصداقية في كتابات هيكل التاريخية، وذلك عبر نَقْدِ العشرات من مرويات هيكل، ومقارنة مروياته بعضها ببعض، ومقارنتها بروايات الآخرين لها، ومنها ما يتعلق بالخطوات الأولى في حياة هيكل، ومنها ما يتعلق بالخطوات الأولى في علاقته بعبدالناصر، ومنها ما يتعلق بمسيرته السياسية والمواقف التي جمعته بالشخصيات السياسية الكبيرة.
وهنا أثبت الباحث عبر استعراض تلك الأمثلة الكثيرة ومضاهاتها إلى "أن كثيرًا من روايات هيكل لا تستقيم، فبعض تلك الروايات ينفي بعضها الآخر بصفة كُلِّيَّةٍ، وفي مواضع كثيرة تُنَاقِضُ بعضها البعض بطريقة يتعذر معها الجمع بينها، ورصدت الدراسة أسباب الحَيْدِ عن المصداقية؛ إذ أُرْجِعَ بعض تلك النماذج إلى الرغبة الجامحة لصحفي ذي حِسٍّ تاريخي في أن يقول إنه كان في موقع الحدث التاريخي، وأُرْجِعَتْ نماذجُ أخرى إلى الرغبة في إعادة تكوين ماضٍ مجيد يكافئ الحاضر المجيد الذي أَحْرَزَهُ من خلال موقعه إلى جوار عبدالناصر وإنجازاته السياسية والصحفية، وبعضها كان للرغبة في التخلص من بعض مشاهد الماضي التي لا يراها مُنَاسِبَةً لما حَصَّلَهُ بعد ذلك من المجد، وتم عزو نماذج أخرى إلى الرغبة في تشويه خصوم سياسيين والحَطِّ من قَدْرِهِم، مثل النحاس باشا، ومحمد نجيب، والسادات، ومبارك، وسامي شرف، ومصطفى أمين، وغيرهم، وأُرْجِعَتْ وقائع منها إلى الرغبة في التغطية على بعض وقائع الفشل للنظام الذي ينتمي إليه، وبعض تلك النماذج غلب عليها الطابع الروائي، وكان غرضها تكوين جو من الإثارة الصحفية لإيصال الرسالة السياسية، كذلك تَمَّ رَصْدُ الكثير من اختلافات الترجمة بين الطبعات الإنجليزية والعربية لكتب هيكل، التي كانت في جُمَلٍ أو فقرات مُحَدَّدَةٍ، مما ينفي أن حَذْفَهَا في تلك المواضع كان خَشْيَةَ التطويل، وكان لهذا التلاعب في الترجمة أغراض مختلفة.. إلى آخر ما تَمَّ استعراضُه في ذلك الفصل وأجاب عن التساؤل البحثي إجابة تفصيلية".

كما ركز الباحث في كتابه أيضا على أساليبَ التلطيف اللفظي عند هيكل، وعقد المقارنات، والاستشهادات الأدبية والشعرية، والتضفير الديني والاستعارات الدينية، واستخدام الأمثال الشعبية وضرب الأمثلة، واستخدام لغة الغموض، واستخدام الخطاب العاطفي، وعبارات التوكيد، ووضع الحوار على ألسنة الآخرين لتوكيده، والأسلوب القصصي بأنماطه السردية والوصفية والحوارية، واستخدام الأسلوب الإنشائي والمبالغات، واستخدام أساليب التشويق والإثارة الصحفية، واستخدام الاستدلال التاريخي العقلي، والإثبات بنفي الضد، وسَكّ المصطلحات واستخدامها.
وكشف الباحث في ضوء ذلك عن الخصائص التي ظهرت مبكرًا في معظمها في أساليب هيكل الكتابية، واستمرت معه وزادها الزمن ثقلًا وصقلًا، بينما توارت بعض الظواهر عبر الزمن مُفْسِحَةً المكان لغيرها، مثل الأسلوب المباشر والصريح في الهجاء الذي تَرَاجَعَ بعد النكسة مُفْسِحًا المجال لأساليب أخرى غير مباشرة تعتمد على التعريض والإيحاء كما ذُكر آنفًا، كما أوضح أن الاستعارات والتشبيهات هي أكثر الوسائل البلاغية التي استخدمها هيكل لنَيْلِ استحسانِ القارئ من جهة، والتأثير عليه فكريًّا من جهة أخرى، فمعظم استعاراته لها هدف إقناعي، وأن استخدام الاستعارات يؤدي بالضرورة إلى التركيز على حقائق وإلى إخفاء حقائق أخرى؛ إذ ستؤدي الاستعارة إلى التوجيه نحو لوازمها وصرف الانتباه عما عداها.
وألحق الباحث بكتابه أربعة ملاحق، اشتمل الملحق الأول على رصد لمقالات هيكل في مرحلة ما قبل الأهرام، وهو أول رصد من نوعه لتلك المقالات، واشتمل الملحق الثاني على لائحة بكتب هيكل، واشتمل الملحق الثالث على الدراسة التحليلية لتوثيق معلومات كتاب "بين الصحافة والسياسة"، مع تقييم للملحق الوثائقي لذلك الكتاب، كما اشتمل الملحق الرابع على صورة أول مقالة نُشِرَتْ لهيكل بتوقيعه، وكانت بعنوان "كنت أتمنى أن أكون معهم"، حيث نُشِرَتْ في روز اليوسف في 19/8/1943، ولم يُشِرْ أيٌّ من المراجع إلى تلك المقالة قبل هذه الدراسة، واشتمل كذلك على صور عدة وثائق أخرى.
وقد خلص الباحث إلى نتيجةٍ مُؤَدَّاهَا أن "كتابات هيكل لا تُعَدُّ تأريخًا منهجيًّا؛ لافتقارها إلى الأدوات المنهجية حتى في مجال توثيق المعلومات التاريخية التي تَحُوزُ فيها تلك الكتابات شُهْرَةً شَعْبَوِيَّةً بخصوصها، كما لا تُعَدُّ تلك الكتابات شهادةً تاريخيةً يُعْتَدُّ بها؛ بسبب افتقارها إلى الموضوعية في مُحَدِّدَاتِهَا المختلفة التي تم سردها في الفصل الثاني، ولضَعْفٍ في خاصية المصداقية كما ورد تفصيلًا في الفصل الثالث، على أنها تظل ذات أهمية كبيرة باعتبارها المرجعَ الأشهر للقراءة السياسية الناصرية للتاريخ، وهي مهمة للتعرف على الفَهْمِ والتصور الناصري لتلك المراحل والوقائع، فكتابات هيكل التَّأْرِيخِيَّة - حتى في تناولها للعصور القديمة والوسطى - تُعَدُّ قراءةً سياسية أيديولوجية في المقام الأول، تُرَكِّزُ على ما يَدْعَمُ تلك القراءة، وتَنْفِي ما يخالفها وتُبْقِيهِ في الظلام".