باحثون يستشرفون الاقتصاد العالمي من مركز الامارات



جلسة الختام

أبوظبي - بدأت وقائع اليوم الأخير لمؤتمر مركز الامارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية" السادس عشر، بالجلسة الرابعة، التي ترأسها محمد عمر عبدالله، وكيل دائرة التنمية الاقتصادية في أبوظبي، ودار النقاش حول "استشراف الاقتصاد العالمي".

وقال سلطان بن ناصر السويدي، محافظ "مصرف الإمارات العربية المتحدة المركزي"، في كلمته التي ألقتها نيابة عنه ناريمان عبدالله العوضي حول "المؤسسات المالية الدولية والاستقرار الاقتصادي العالمي"، إن الاستقرار الاقتصادي العالمي -حسب تعريف "صندوق النقد الدولي"– هو "تفادي الهزات الكبرى في النشاط الاقتصادي، والتضخم المرتفع، والتقلبات في أسعار الصرف والأسواق المالية". وينفرد تفادي هذا العنصر الأخير بوصف "الاستقرار المالي العالمي".

ماذا ينتظر الخليج العربي من تحديات؟
وأوضح سلطان السويدي أنه بالنسبة إلى دولة الإمارات، فإن هدف الاستقرار المالي يتمثل في إيجاد نظام مالي صحي وقوي يمكّنها من تفادي أوضاع التوتر، والحد من المخاطر المؤسسية. لافتاً النظر إلى أن مسؤولية الاستقرار المالي في الدولة تقع في الوقت الحاضر على عاتق "مصرف الإمارات العربية المتحدة المركزي". كما أن "الأزمة المالية العالمية" الحالية مثلت تحدياً للنظام المالي لدولة الإمارات، وبالتالي فقد اتخذ "المصرف المركزي"، بالتعاون مع الحكومة الاتحادية، خطوات كبرى لضمان استقرار النظام المالي في الدولة.

ولفت محافظ "مصرف الإمارات المركزي" النظر إلى أنه منذ بلوغ "الأزمة المالية العالمية" ذروتها عام 2008 تجلّت أهمية التعاون الدولي في التنظيم المالي، وترسيخ أفضل الممارسات في مجال الحفاظ على الاستقرار المالي. موضحاً أن المؤسسات المالية الدولية، التي تغطي عمليات تنظيم العمل المصرفي وأسواق رأس المال والتأمين، قد زادت من تأثيرها في المنظمين المواطنين، وأنها ستستمر في التنسيق عبر الحدود لمواءمة المعايير التنظيمية وتطبيقها، حيث تعززها في ذلك مبادرات "مجموعة العشرين"، وتمكين "مجلس الاستقرار المالي".

وقال "تتلخص وجهة النظر السياسية الجديدة في أنه بالنظر إلى أن "الأزمة المالية" كانت ولا تزال عالمية، فينبغي أن تكون الحلول نتاج العمليات العالمية فضلاً عن المحلية".

ثم تطرق مانو باسكاران، شريك في مجموعة "سانتانيال"، زميل باحث أول في "معهد دراسات السياسات" في سنغافورة، في ورقته البحثية إلى الحديث عن الآثار المستقبلية لـ "الأزمة الاقتصادية العالمية"، وسعى إلى تقويم الأثر الذي ستخلفه الكارثة في الأعوام المقبلة على النمو والاستقرار العالميين، خاصة في عامي 2011 و2012، وبحث في عواقب عمليات التكيف غير المكتملة التي يجب تطبيقها قبل أن تنجلي الأزمة بالفعل.

وقال "بالرغم من أنه يبدو أن أسوأ آثار الأزمة الاقتصادية العالمية التي ضربت الاقتصاد العالمي في سبتمبر 2008 قد مرت بسلام، فإننا لا نعتقد أنها قد انتهت تماماً".

وعلاوة على ذلك تناول باسكاران في ورقته بالتقويم الآثار الرئيسية للأزمة، التي ستسهم في صياغة عالم ما بعد الأزمة على المدى البعيد. مبرهناً على أن الاقتصاد العالمي بعد الأزمة سيشهد تغيراً كبيراً عمّا كان سائداً قبلها. واستعرض الدروس المهمة المستفادة من الأزمة لأجل الاقتصادات، كاقتصادات الدول الخليجية، مع تقويم الأداء الاقتصادي لاقتصادات آسيوية رئيسية كانت معاناتها من الأزمة قليلة نسبياً.

وبدوره بحث الدكتور كمال درويش، نائب رئيس شؤون الاقتصاد العالمي والتنمية في مؤسسة "بروكينجز" في الولايات المتحدة الأميركية، مستشار "مركز إسطنبول للسياسات" في "جامعة سابانسي" في تركيا، في "المستقبل المنظور لنظام النقد الدولي"، مشيراً إلى أن الأزمة المالية والاقتصادية الضخمة في الفترة بين عامي 2008 و2009 عملت على وضع عملية إصلاح النظام النقدي الدولي مجدداً على جدول الأعمال الأكاديمية والسياسية للمجتمع الدولي. حيث اقترحت فرنسا، التي تترأس "مجموعة العشرين"، طرح النظام النقدي الدولي للمناقشة في مؤتمر القمة المزمع عقده في مدينة "كان" في نوفمبر 2011. لافتاً النظر إلى أن هذا العرض سيوفر منظوراً لحلقات الربط بين القضايا المتعلقة بالنظام النقدي الدولي وتلك المتصلة باختلالات الحسابات الجارية العالمية، وتنسيق السياسات الاقتصادية الكلية.

وأشار درويش إلى أنه يمكن وصف النظام النقدي الدولي، على نطاق واسع، بأنه مزيج من أنظمة سعر الصرف السائد، والطلب على الاحتياطات الدولية، وطبيعة هذه الاحتياطات، وهيكل الحساب الجاري وأرصدة حساب رأس المال عالمياً، فضلاً عن القواعد المتفق عليها دولياً، التي تحكم سياسات الحسابات الجارية والرأسمالية.

وعلى النقيض من التوقعات، أوضح درويش أن الاعتماد واسع النطاق على أسعار الصرف المرنة بعد السبعينيات من القرن الماضي لم يؤدِّ إلى تقليل الطلب على الاحتياطات الدولية. مضيفاً أن النسبة المئوية للاحتياط من الناتج المحلي الإجمالي أو التجارة تصل في الواقع إلى مستويات قياسية. كما لم يؤدِّ ظهور اليورو إلى انخفاض كبير في الطلب على الدولار بصفته العملة الاحتياطية الدولية الرئيسية. وأنه كان هناك اتجاه نحو زيادة "الاختلالات العالمية"، مع وجود عجز متزايد في الحساب الجاري الأميركي، وفوائض كبيرة في الحساب الجاري في بعض البلدان الأخرى، ولا سيما ألمانيا والصين وبعض الدول المصدّرة للنفط.

وقد تطورت هذه الاتجاهات، بحسب درويش، بينما زادت "التعددية القطبية" في الاقتصاد العالمي مع زيادة ثقل بعض اقتصادات الأسواق الناشئة -وأبرزها الصين-، بينما كانت حصة الولايات المتحدة ومعظم الاقتصادات المتقدمة الأخرى، من حيث إجمالي الناتج المحلي العالمي، آخذة في الانخفاض "وإن كانت لا تزال كبيرة جداً".

خريطة طريق لمستقبل دول الخليج

من ناحية أخرى سعت الجلسة الختامية للمؤتمر، التي رأسها الدكتور علي فخرو، وزير التربية والتعليم الأسبق في مملكة البحرين، إلى وضع "خريطة طريق لمستقبل دول الخليج العربية".

وتحدث الدكتور عادل عبداللطيف، رئيس "البرنامج الإقليمي في مكتب الدول العربية لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في الولايات المتحدة الأميركية"، عن "آفاق التنمية البشرية في الخليج"، موضحاً أن اهتمام دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية انصبّ خلال العقود القليلة الماضية على التنمية البشرية بصفتها إحدى أولوياتها الملحة، وترتب على ذلك تحسن كبير في مستويات المعيشة للمواطن الخليجي، وأضاف أن الفضل في ذلك لا يعود إلى الثروة النفطية فحسب، بل إلى حسن إعادة استثمارها في التنويع الاقتصادي والتنمية البشرية في مجالي الصحة والتعليم على وجه الخصوص. كما أتت هذه الاستثمارات بعديد من النتائج الإيجابية. وقال "إن بإمكان المواطن اليوم القول إنه أكثر تعليماً، ويتلقى خدمات صحية أفضل بصورة تؤدي إلى ارتفاع معدلات العمر المتوقع عند الولادة، مقارنة بما كانت عليه الأجيال السابقة".

وأشار عبداللطيف إلى أن هناك تطوراً واضحاً في مجال تمكين المرأة. فمعدلات الالتحاق بالمدارس الابتدائية والثانوية وصلت إلى حد التكافؤ بين البنين والبنات، كما أن عدد الإناث الملتحقات بالجامعات يفوق عدد الذكور في كثير من دول الخليج. مبيناً أن تمكين المرأة في حقل التعليم يؤدي إلى تمكينها في المجال الاقتصادي، وفي الحياة العامة. وأضاف أن مفهوم التنمية البشرية مفهوم شامل، يأخذ في الاعتبار عدداً من العوامل التي يقدر الناس قيمتها في مختلف أرجاء العالم. ولذا فمن الضروري الاستمرار في إتاحة الفرص للنساء. وتكثيف العمل على مواجهة تحديات تغيّر المناخ، مبيناً أن دول الخليج استطاعت التكيف مع ظروف مناخية قاسية، من خلال تعاملها مع هذه الأوضاع بذكاء وابتكار ومقدرة على التكيف.

ولفت عبداللطيف النظر إلى أن هناك كثيراً من المبادرات حالياً في دول الخليج لمواجهة مشكلة ندرة المياه، باستغلال التقنيات الحديثة مثل تحلية مياه البحر من أجل زيادة إمدادات المياه. وأنه يتعين مواصلة هذه الجهود وتكثيفها من خلال تبنّي نهج تعاوني على المستوى الإقليمي لدول الخليج. كما يجب ألا نغفل أهمية استخدام الموارد المتاحة على نحو رشيد.

وقال "سجلت دول الخليج إنجازات كبيرة في التنمية البشرية، ومن الضروري استمرار الجهود لدفع عجلة هذا التقدّم حتى ترتكز التنمية البشرية على أرض صلبة".

ومن جهته لفت الدكتور سعد بن طفلة العجمي، وزير الإعلام الكويتي الأسبق، في ورقته البحثية عن "الحتمية والسرعة في التكامل الخليجي"، النظر إلى أن العالم يكبر ويصغر في وقت واحد، حيث يكبر بالقوى الاقتصادية الكبرى ذات الثقل السياسي معتمدةً على أرقام نواتجها الاقتصادية، كما يصغر العالم يوماً بعد يوم متجاوزاً الحدود التقليدية بين الدول بفضل ثورة الاتصالات التقنية، وتقدّم المواصلات السريعة.

وأضاف أن دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية تحظى بموقع استراتيجي متميز يتوسط العالم، ويعطيها مزية قد تكون نقمة في حال تكالب القوى الكبرى والدول الإقليمية ذات الطموحات الإقليمية عليها، وأن دول المجلس مجتمعةً تنعم بأكبر احتياطات نفط في العالم، كما تحتل طرقاً بحرية للتجارة ذات أهمية حساسة للاقتصاد العالمي.

وأكد العجمي أهمية التنسيق بين دول "مجلس التعاون" الست، وهو ما تُرجم بإنشاء مجلس التعاون لدول الخليج العربية عام 1981. مبيناً أن المجلس صمد في وجه رياح الحروب العاتية في المنطقة، فمنذ إنشائه اندلعت ثلاث حروب كبرى مدمّرة حيث لا تزال آثارها تخيم على واقع التحالفات الإقليمية، وتؤثر في اقتصادات دول المنطقة من دون استثناء. ولفت النظر إلى أن تلك الحروب أدت إلى التدخل العسكري المباشر للقوى العظمى، وانهيار أي مفهوم لنظام أمني إقليمي لمنطقة الخليج العربي بشكل عام. وأنها قادت إلى لجوء بعض دول المجلس إلى معاهدات الحماية الدولية مع الدول العظمى، مثلما حدث في حالة الكويت.

وأشار إلى أن مسيرة "مجلس التعاون"، برغم امتدادها لأكثر من ثلاثة عقود، وبرغم بقاء تماسكها وإنجازاتها، فإنها بقيت بطيئة، سواء في تحقيق التكامل الاقتصادي المطلوب، أو بناء منظومة دفاعية موحّدة تُغني عن الاستعانة بالقوى العظمى، حيث استمر عجزها عن حل الخلافات التي تنشأ بين دول المجلس، كما فشلت في تحقيق الربط الإداري والقانوني التام بين مواطني دول المجلس.

وقال العجمي "إن الوقت ليس في مصلحة هذه المسيرة البطيئة في التعاون والتكامل الخليجي. والضرورة تحتم اتخاذ خطوات وحدوية كونفيدرالية: توجد جيشاً خليجياً موحداً، وتنشئ محكمة عدل خليجية تحل المنازعات، وتزيل العوائق الإدارية والبيروقراطية التي تحول دون التكامل بين مواطني دول المجلس".