باب الحوار مع واشنطن.. مفتوح

سيظل باب الحوار مع أميركا مفتوحاً على الدوام، وإيران لا ترى سبباً يدعو لغلقه كما أعلن رئيس مجلس الشورى (البرلمان) علي لاريجاني، الذي ألمح بطريقة غير مباشرة الى طريقة الايرانيين في الحوار حول القضايا الاستراتيجية الكبرى. فهم يفضلون دائماً أن يجروا حواراتهم مع الأميركان بشكل خاص، بسرية تامة، ويرجحونها على الحوارات العلنية في المحافل والأوساط الدولية. وهو اسلوب تعودوا عليه منذ اقتحام الطلبة الثوريين الذين تحول معظمهم الى خانة الإصلاح، السفارة الأميركية في طهران في الرابع من نوفمبر تشرين الثاني 1979.

ومنذ ذلك الوقت ظل باب الحوار موارباً وجرت بين الطرفين الكثير من اللقاءات السرية المباشرة أو بالواسطة، وتم الكشف في فترة الحرب مع العراق عن صفقة "إيران غيت" التي شملت تزويد إيران بأسلحة معينة مقابل الإفراج عن رهائن غربيين في لبنان، في زيارة مستشار الأمن القومي الأميركي روبرت ماكفارلين السرية المثيرة الى طهران العام 1986، وقد كلفتُ حينها بإدارة الحملة الاعلامية المضادة لتبرير تلك الصفقة من خلال عملي كمستشار لمدير القسم العربي في إذاعة وتلفزيون الجمهورية الاسلامية.

صفقة "إيران غيت" تمت في أوج هيمنة اليسار الديني "المتشدد" آنذاك على السلطة، وتمت لقاءات سرية بواسطة الأميركي من أصل إيراني منوجهر قرباني فر ومسؤولين من مكتب رئيس الوزراء مير حسين موسوي والمقربين منه كانوا يطالبون بعلاقات أفضل مع الولايات المتّحدة والغرب، لكنهم كانوا يدافعون في كل صعيد عن الجمهورية الإسلامية.

وحتى بعد أن كُشف النقاب عن تلك الزيارة السرية أثناء تواجد ماكفارلين في فندق الاستقلال بطهران، من قبل مهدي هاشمي شقيق صهر آية الله حسين علي منتظري خليفة الامام الخميني (آنذاك) الذي أعدم لاحقاً باتهامات بعضها لها صلة باغتياله رجل دين متعاون مع نظام الشاه السابق، ورغم كل الاعتراضات والتشدد الظاهرين في المشهد الايراني، وحرق العلم الأميركي في مناسبات مختلفة، وترديد شعار "الموت لأميركا" المتواصل بعد كل صلاة جماعة في المساجد والحسينيات، وطبعاً في صلاة الجمعة المنبر الرسمي الهام جداً في التعبئة القومية والدينية، وبخلاف كل التصورات السائدة عن التيار أو الجناح في ايران الذي يريد التقارب مع أميركا، فان الثابت من خلال وقائع السنوات الماضية بعد حادثة اقتحام السفارة الأميركية، هو أن الجناح اليميني المتشدد الذي تحول الى محافظين واصوليين، سعى هو الآخر لكي يكون البادئ في فتح أبواب العلاقات غير الموصدة تماماً، بين طهران وواشنطن، وهذه العلاقات لم يكن نظام الثورة الاسلامية الذي أطلق على أميركا اسم "الشيطان الأكبر" المبادر الى قطعها ديبلوماسياً، فقد ظلت العلاقات الديبلوماسية بين الطرفين موجودة حتى أبريل نيسان من العام التالي بعد اقتحام السفارة الأميركية عندما قطعتها واشنطن!

وبما أنني عملتُ فترة في "مركز الأقوام البشرية" الذي أسسه مستشار الأمن القومي الايراني (آنذاك) محمد جواد، فإنني أستطيع أن أجزم أنه وأثناء سباق الانتخابات الرئاسية العام 1997، فان لاريجاني دعم كبقية المحافظين ـ كانوا يسمون اليمين الديني ـ علي أكبر ناطق نوري الذي كان ينافس الإصلاحي (اليسار الديني) محمد خاتمي، إذ كان محمد جواد حينها يترأس مركز الدراسات في مجلس الشورى الإسلامي ( البرلمان)، والتقى سرًا في رحلة إلى لندن بالمدير العام لوزارة الخارجية البريطانية نك براون وعرّف نفسه على أنه أحد المعارضين لعملية اقتحام السفارة الأميركية في طهران، وعارض فتوى الامام الخميني الصادرة ضد سلمان رشدي ونقل له أن فوز اليمين في تلك الانتخابات سيضمن مصالح بريطانيا والغرب في إيران. وفي ذلك اللقاء المثير للجدل أظهر محمد جواد لاريجاني صورة راديكالية ومتطرفة لمناصري خاتمي حتى يضمن دعم البريطانيين لليمين في إيران من أجل الفوز بالانتخابات الرئاسية.

وفي هذا الواقع يمكننا القول إن الجناحين الرئيسيين في إيران، اليمن واليسار وصارا إصلاحيا ومحافظا، وتفرع عنهما معتدل واصولي، يرغبان في التحاور مع واشنطن لإعادة العلاقات، ويفضلان التحرك بسرية تامة قبل قطف النتائج النهائية، مراعاةً لأصول "الثورة الاسلامية" التي زاد الخميني في حرج "ثورية" المسؤولين الباحثين عن ثغرة في جدار الشك، بوصفه هذه العلاقة بعلاقة الحمل والذئب! "وإذا رضيت عنكم أميركا يوماً فشكّوا في إخلاصكم!"

ومن هنا فان مكالمة أوباما - روحاني التاريخية التي جرت برضا المرشد الأعلى علي خامنئي ومباركته، حتى مع وصفه "الدعائي" لها بأنها لم تكن ملائمة، تُعد خرقاً كبيراً للمألوف، لكنها تظل خطوة ضرورية لإبقاء باب الحوار موارباً بين الطرفين، خصوصاً أن على إيران إنهاء الترتيبات القانونية التي ترتبت على "احتلالها" أراضٍ أميركية، وهي أيضاً واحدة من العقبات التي يمكن أن يثيرها المتشددون في أميركا، لمنع أوباما من المضي قدما نحو إعادة العلاقات الديبلوماسية، وفتح السفارتين.