باب البحر: التمرد الذكوري في مواجهة الأنثوي

بحث مشوب بالخوف من الآخر

يطرح التاريخ الروائي عددا من تجارب تمرد النساء، والتي تثور فيها الكاتبة على السلطة المتمثلة في الرجل في بعض الأحيان وقد يمتد التمرد لمساحات أخرى.

على الجهة المقابلة للكتابة ثمة مساحات للتمرد الذكوري علي الأنثوي وهذه هي المحاولة التي تقوم بها رواية "باب البحر" للكاتب التونسي فتحي الجميل.

الحكاية عن مثقف صحفي وشاعر أتى كطالب من الجنوب التونسي إلى الجامعة لتكون رحلته عبارة عن محطات في كل محطة امرأة، فيحمل عنوان كل فصل اسم امرأة.

ربما النساء هن الجزء الأكبر في حياة أي رجل، يبدأن في تشكيل وعيه، أين يذهب رجل من النساء في رحلة حياة يبدأها عندهن. نتوقع أن تكون الأم هي المرأة الأولى في الرواية لكنها تغيب تمامًا عن أي وجود مباشر، لتظهر رائحة الأمومة في كثير من النساء اللاتي يعرفهن البطل. ربما لأن الحديث هنا عن المرأة الحبيبة، أو قد يكون ذلك الغياب الأمومي الأصيل في حياة البطل هو الدافع وراء البحث عن كل النساء المتاحات في حياته.

غير أن البحث عن المرأة في رواية "باب البحر" للكاتب فتحي الجميل هو بحث مشوب بالخوف من الآخر، مع عدم رفع راية الأمان له. لتجتمع الفكرتان .. البحث عن الأمومي الدافيء في المرأة مع الإحساس بأنها كائن مخادع. إذ يصف كل النساء أنهن مخادعات ويرتدين أقنعة: "النساء حمقاوات مجنونات".

يبدأ الكاتب الرواية بالحديث عن براءة زميلته في المدرسة.. الطفلة الطيبة، ثم في رحلة مجيء البطل الجنوبي للدراسة بالعاصمة تبدو النساء في وجهة نظره غير صادقة ولعوبا، فيبدو البطل كأنه يحمِّل المرأة كل الأخطاء وكل العيوب.

• الحبكة

المساحة بين البطل والكاتب هي مساحة محيرة. ففي رواية "باب البحر" يبدو الكاتب في لحظات كأنه يتماهي مع آراء البطل وينتقد النساء، وفي لحظات أخرى يفتح لنا بابا للشك في آراء البطل، فيكشف لنا أن البطل يقيم الآن في نهاية حياته وحيدًا في غرفة انفرادية، يتردد القارئ ما بين كونها معتقلا للشاعر الثوري، أو مشفي مجانين لثائر فقد شيئًا من عقله.

تبدأ حبكة الرواية عبر وسيط بين الكاتب والبطل، وهو الراوي، الذي يجد أوراق البطل في الغرفة وهي تحترق. تتعدد بذلك الأصوات في الرواية، إذ يحاول الراوي أن يكون صادقًا في نقل الحكايات المكتوبة في الورق، ويحاول التغلب علي رغباته في إكمال الحكايات الناقصة والمحترقة عن البطل.

في خلفية هذه الأحداث يقدم لنا فتحي الجميل تونس.. عالمًا صادقًا للدروب والشوارع القديمة، يصف الجامعة، ومنطقة البوسعيد ودرب أنيسة، ومساحات من الشوارع الضيقة المملوءة برحابة التاريخ والذاكرة "أكتشف سر الأسرار العجيب الغامض علي الجدران في (سيدي عبدالسلام) و(الزاوية البكرية) و(الحلفاوين) وعلي الزخارف اللانهائية في مقام (سيدي محرز) ذات الألوان الصفراء الصحراوية والزرقاء السماوية والخضراء الحقلية (...) يتزاحم البحر والحقل والجبل وكائنات لا أعرفها على أعتاب المكان القديم. وتنبعث روائح عتيقة معتقة من الشيح والزعتر والورد والياسمين. تدور في جرار الزمن آلاف السنين، وتنبعث رويدًا رويدًا في الجو كأنها تخشي أن تنفد".

يمزج الكاتب في نصوصه أيضًا بعض الأبيات الشعرية التي يقولها البطل. وبخلاف علاقة البطل بالنساء لم يقدم لنا المؤلف ملامح من دراسة البطل للفلسفة وعمله الصحفي ومواقفه الثورية سوى في لقطات قليلة بالنص، وربما كان من الأفضل أن يطرح هذا الجانب الثوري أكثر من ذلك، لتتمكن الرواية من تجاوز الملمح الكلاسيكي المعتاد والمطروح سلفًا عن رحلة مثقف تحفه النساء.

• النساء

عدد من نساء "باب البحر" بديعات، وبإمكاننا تقديم كتابة موازية، للبحث في جماليات تلك النساء التي لم يمنحهن بطل الرواية سوى مزيد من القهر الذكوري. فجميلة هي الفتاة التي تعمل في مكتبة، تبدو فتاة عادية تواجه حياتها كأن كل الأمور صحيحة، يهجرها أباها ويتركها هي وأخوتها لصالح امرأته الجديدة، وحين يحتاج نقودا، تمنحه.

النساء قويات ويحملن حكايات كثيرة وعائلة وأشخاصا يحبونهم ويفقدونهم، هكذا تبدو الفتاة الروسية التي يقابلها البطل في إحدى رحلاته إلى روسيا. هي فتاة لها أصول إسلامية من أبيها، وأمها روسية، تزوج أبوها وأمها رغم رفض عائلته، لتفقد الفتاة في المقام الأول أسرة كبيرة، ثم في المقام الثاني يموت أخوها حين يذهب للحرب في أفغانستان، ربما يعني الزمن في رحلة حياتها، مساحة كلما تقدمت يذهب معها أشخاص تحبهم. تُهدي الفتاة الروسية البطل ساعة هدية قبل أن يسافر عائدًا إلى تونس. وهي هدية كانت قد اشترتها لأخيها ولم يمنحها الوقت الفرصة لتهديه إياها.

الجارة التي تمارس طقسًا أنثويًا جنونيًا في ليل غرفتها، تربي ابنها وحدها وتتفوه بألفاظ بذيئة ويقال إنها بائعة هوي.. تسب الطفل أحيانًا وترقص وتبكي أحيانًا.. هل يحمل من يقرأ لها بعض الوجع.

تبدأ من عند حذام مرحلة ثانية لدى البطل، ويتماس ذلك مع قول البطل عن أسماء وحذام: "المرأتان الوحيدتان اللتان أذكرهما الآن في وحدتي الأبجدية فيفيض من ذكراهما عبق الطفولة وبراءة الأحلام وروعة الكلمات". وأسماء هي رفيقة طفولته، وحذام هي الفتاة التي أحبها في شبابه.

ينتقل بذلك البطل من مرحلة التمرد الذكوري علي النسوي إلي مرحلة الانتصار لما هو إنساني أو طفولي. تبدو هكذا محطة الوصول النهائية بعد كتابته لحياته كلها علي الورق، نتعلم فيها كيف تسير حياة الإنسان، من مراهقة وثورة ورفض الآخر، ثم مرحلة الرضا والوقوف علي جماليات الحياة، ثم أخيرًا اقتناص الحكمة: "ولعلي حين أكمل قصتي أستعذب النهاية".

والبطل يستعيد تجاربه ويحاكم تاريخه ربما كان يدين النساء بوصفهن محطات وهي محاولة لربط أخطائه الشخصية بمحطات ووضع أفعاله علي أكتافهن: "لست أريد أن أتهم أحدًا بأي شيء... وقد أكون أنا نفسي صاحب الخطأ الكبير... فالنهر يستطيع دائمًا أن يجري إلي الأمام ويستطيع أن يتوقف ويستريح لكنه لا يستطيع العودة إلي الوراء ومحو خطواته".، وربما في جانب آخر كان البطل يحاكم النساء كبديل لمحاكمة المجتمع كله، الذي يثور لأجله ولا يجد منه مقابلا، كما يقول: "لقد كنت دومًا أطمح إلي كتابة أشياء كثيرة من أجل أولئك الأغبياء الجهلة الذين عشت وتألمت لهم دون أن يجازوني بكلمة شكر واحدة".

وتبقي نساء كثيرات أخريات في الرحلة.

الكاتب فتحي الجميل مؤلف رواية "باب البحر" يعمل أستاذًا للغة العربية بكلية الآداب، جامعة منوبة التونسية، وصدر له عدة دراسات متخصصة، مثل: "المقترضات المعجمية في القرآن" بالإضافة لترجمات أدبية. ويُذكر أن روايته "باب البحر" حصلت علي عدد من الجوائز، كان آخرها جائزة الكومار الذهبية للاكتشاف 2014.