باء مثل بيت.. مثل بيروت: نساءٌ في مواجهة الحرب اللبنانية

بقلم: أحمد فضل شبلول
عالم ضاج بالأسئلة والشكوك

قليلة هي الروايات الحربية، أو الروايات التي تتحدث عن ـ أو تدور في ـ أجواء الحرب، التي كتبتها المرأة العربية، مقارنة بما كتبه الرجل، ومن هذا القليل رواية "باء مثل بيت .. مثل بيروت" للروائية اللبنانية إيمان حميدان يونس، التي استوحت عنوانها من كتاب تعليم حروف اللغة العربية ومفرداتها للأطفال، عندما كان الطفل كريم يردد بعض الكلمات التي تبدأ حروفها بالباء، مثل بيروت، فأجابت أمه ليليان: باء بيروت، بيت، ثم همست في داخلها: بيروت .. بقايا بيت. وكأنها تقصد أن بيروت أصبحت بقايا بيت جراء الحرب الأهلية اللبنانية.
الرواية ـ التي صدرت طبعتها الثانية عن سلسلة "آفاق عربية" (العدد 90) التي تصدرها الهيئة العامة لقصور الثقافة بالقاهرة، وتُعنى بنشر إبداعات الأشقاء العرب، وجاءت في 224 صفحة ـ إذن تتحدث عن الحرب الأهلية اللبنانية التي دارت رحاها ما بين الأعوام 1975 ـ 1987 من خلال أربعة أصوات نسائية (ليليان، وردة، كاميليا، مهى) اكتوين بويلات هذه الحرب، وقدمت كل منهن معاناتها أو رؤيتها لتلك الحرب، من خلال تشابكها مع الواقع، ورغبتها في السفر أو الرحيل وترك المكان، أو التشبث به، أو السير تحت القصف نهارا أو ليلا (كلما ذكرتُ سيرة السفر، يقول إن على أولادنا العيش هنا أسوة بأولاد الكثير من العائلات، تلك التي لا خيار لها سوى البقاء).
وفي جميع الأحوال تنجح الكاتبة من خلال شخصيات روايتها، في أن تصور لنا بشاعة الحرب، ولا إنسانيتها (إنها الحرب أبشع صورة لإبراز الخلاف) وتجعلنا نعيش أجواءها الحقيقية، بعيدا عن كاميرات التلفزيون ونشرات الأخبار التي تنقل ما تود نقله، من خلال وجهة نظر معينة. تقول كاميليا (ص 137): "ما كنت أشاهده في التلفزيون البريطاني عن حرب بيروت ليس صحيحا". وتقول مهى (ص 182): "رأيت الخراب يقترب جارفا معه كل شيء في البلدة، كان أكثر بكثير مما توقعنا، كم كنا ساذجين".
أما ليليان فتقول (ص 50): "تصبح كل الاتجاهات ملكا لي، لكن فجأة تتضاءل الاتجاهات أمام رصاصة قنص عابرة هي وحدها تملك المكان، تمر فوق رأسي غير آبهة، تخترق كل الأمكنة، وتحثني على الركض، الركض نحو جهة معينة واحدة، وجهة أكيدة يفترض بها أن تكون مكانا لانتمائي، لكن المسافة تطول وتكبر وتتسع وتمتد نحو الأفق".
لقد نقلت لنا الكاتبة تلك الأجواء بحيادية تامة، من خلال ضمير المتكلم، أو من خلال أصوات شخصياتها، لتجعل القارئ ـ في أي مكان ـ يصدر حكمه على تلك الحرب الأهلية التي لم ينتصر فيها أحد على أحد. حتى النهاية ـ سواء نهاية الحرب أو نهاية الرواية ـ جاءت محايدة تماما، وكل ما كتبته أو ذكرته الساردة الرابعة (مهى) في نهاية الرواية (ص 224) قولها: "يقولون الحرب انتهت، وأنا لم أُنهِ قصتي بعد".
إن قصة مهى، والرواية ـ بصفة عامة ـ جاءت معادلا للحرب نفسها، بكل توتراتها وإحداثياتها الاجتماعية والاقتصادية والإنسانية، من خلال كل شخوصها، سواء الرئيسية أو الثانوية، فالكل واقع تحت ويلات الحرب، ابتداء من الجسد وحتى الروح (أشعر أن أنفي ما عاد كافيا لإمدادي بالأوكسجين، أو كأنني أريد ابتلاع هواء فصل الربيع كله في نشقة واحدة) حتى المقاهي والقطط والكلاب والحيوانات، ومفردات الطبيعة (الليل صامت وقاتل. لا تبقى الشمس في أسفل البلدة إلا وقتا قصيرا)، تأثرت بأجواء الحرب، وفي مثل هذه الأجواء تصفر النباتات والأزهار، وتندر المياه، وتنتشر تجارة البنزين المغشوش، والدعارة والخمور والمخدرات والحشيش (أتى بسجائر الحشيشة المعدة سلفا، ناولني إحداها) ويصمت الرجال ـ أمام ثرثرة النساء ـ صمتا يجرح أكثر من الكلام، ويكثر بيع الأشياء الثمينة والذكريات الجميلة (البيانو على سبيل المثال) في سبيل الحصول على تذكرة سفر للهروب.
لقد أهدت الكاتبةُ هذه الروايةَ الصوتية إلى أمها "أمرية حميدان" التي غابت منذ زمن، ولكنها لم تذكر صراحة هل كانت الحرب سبب غيابها، أم أن غيابها كان قبل اندلاع الحرب؟ وأيا كان السبب، فإن غياب الأم سواء في وقت الحرب أو وقت السلم، أمر يبعث على إثارة الشجن والحنين.
أما عن تعريف الرواية الصوتية، فقد عرفها الناقد شوقي بدر يوسف بقوله: "إنها رواية ذات أبعاد ومدلولات خاصة تعتمد على حكائية صوت الشخصية، وهي تتحدث بلغة المخاطب مثيرة بذلك نوعا من الجدل يأخذ بناصية الحديث ويجعله يتنامى ويتصاعد من خلال موقف الشخصية شيئا فشيئا، والذي يصرح بخيوطه الأولى بحذر شديد يجعل المتلقي يشارك معه في الإمساك بخيوط هذا الحدث، ومحاولة معايشته من خلال ممارسة الشخصية لطبيعتها على خريطة الواقع. وتعتبر صياغة الشخصية في مثل هذا النوع من الروايات هي المحك الأساسي في نجاح العمل، وفي إبراز الدال والمدلول الذي يسير وراءه الكاتب، وفي تحديد أبعاد الخط الرئيسي المكون لصلب الحدث".
ومن أمثلة الروايات الصوتية: ميرامار، ويوم قتل الزعيم، والمرايا والكرنك، وقلب الليل، وغيرها لكاتبنا الكبير نجيب محفوظ الذي يقول عن هذا النوع أو هذا التكنيك من الروايات وأسباب تعلقه به: "إن ذلك يرجع إلى الفسحة الرحيبة التي تتيحها لي عملية التجديد والتكرار في إعادة صياغة شخصيات جديدة، ويمكنها أن تحمل صيغا ومدلولات وقيما تقعد الشخصية الواحدة عن الإحاطة بها، بل يستحيل أن تتجمع هذه الصياغة في ذات إنسانية واحدة نظرا لتضادها وتنافرها".
ومن هنا يفسر محفوظ اهتمامه أو اجتماعه على هذا النوع من الروايات، الذي يتيح له حرية الحوار والبناء والحركة، وينقل جزئياتُه وخلفياتُه المتناثرة، صورة الواقع. وهو التكنيك الذي توسلت به الكاتبة إيمان حميدان يونس في روايتها الصوتية التي نحن بصددها الآن.
***
أول صوت، أو أول شخصية تقابلنا في تلك الرواية، ليليان التي تفصح عن رغبتها القوية في الرحيل أو الهروب من شبح الحرب. منذ أول سطر في الرواية تقول: "لم يتبق من أغراضي شيء في الخزانة، كل ما أحتاج إليه أصبح في الحقائب".
تكشف الرواية أيضا أنه أثناء الحرب، إما أن يرتفع نداء الجسد، المعادل لنداء الحياة نفسها، أو يتراجع هذا النداء، نتيجة فقدان الشهية له وللحياة بعامة، فليليان تتذكر أنه في الماضي، كانت تنطلق من جذورها رغبة الأنثى، وكان يأتيها طلال ويدخل كيانها كسيل بعد جفاف، وكانت ترتوي حتى في أوج لحظات ألمها. أما الآن فسرعان ما يغادرها طلال لحظة انتهائه، وتبقى هي في الفراش، فما عادت ممارسة الحب ترقِّق من تقاسيم وجهه التي أخذت تقسو، وما عادت تضيء من وهج عينيه، وهذا هو تأثير الحرب على الشخصية، وتحولاتها من اللين والوداعة والرقة والطمأنينة، إلى القسوة والشراسة وتعتعة السكر، والهروب (جاءني يوما متعتعا بالسكر، قال لي إنه يريد الرحيل مع شخص تعرف عليه للبحث عن الألماس في محيط نهر الأمازون). هكذا يخطط الرجل للهروب من أجواء الحرب، وترك أفراد عائلته: نساء وشيوخا وأطفالا، في مواجهة المصير الغامض.
***
وردة هي الشخصية الثانية في الرواية، تأتي من الخليج لزيارة بيروت، ولكنها لم تحتمل الوضع، فتتمنى العودة (أعود إلى الخليج .. إلى حيث بيتي الذي لا شرفة له ولا ياسمين) وعلى طول هذا الفصل تكون المقارنة بين بيروت والخليج، وتحديدا المملكة العربية السعودية (أتذكر أنني في بلد غريب لا أعرف منه أحدا، كذلك لا أستطيع فيه قيادة سيارة كوني امرأة) وما بين الزيارة والعودة، والرغبة في السفر إلى مكان أكثر أمنا، تعيش وردة الوضع المتأزم في بيروت (دوي الصوت الذي طير جسدي من مكانه إلى فوق الكنبة التي في الصالة) وما يخالجها من إحساس بأن ثمة علاقة ما بين زوجها وزوجة أخيها هدى. وسرعان ما ينهمر سيل الذكريات، والعودة إلى الوراء (فلاش باك) فتتذكر لحظات ممارسة الجنس، كنوع من الحفاظ على الحياة، أو التمتع والتشبث بها، ثم تذكر لحظات الحمل والولادة، وما توحي به هذه الولادة من الإصرار على امتداد الحياة في مقابل القتل والفناء والدمار الذي تحدثه الكتائب والمليشيات والأحزاب والفرق اللبنانية المتناحرة، التي أشعلت الحرب في بيروت وضواحيها، وفي كل لبنان، ومن هنا تقرر السفر إلى أمريكا ـ التي تظنها أكثر أمنا ـ عن طريق قبرص، وتنتهي الرواية ولا تزال وردة في قبرص تنتظر تأشيرة سفر إلى أمريكا.
***
كاميليا هي الشخصية الثالثة في الرواية والتي أصبحت لقاءاتها مع بيار تلهيها عن الحرب، فممارسة الحب أضحى البديل الطبيعي للحرب، وشبق الجسد يقابل الوهج النازل من السماء (كان جسدي يقابل الوهج النازل إليَّ من السماء، بوهج يخرج مني، وهج يلمع في جذوري، يبرق ويشعلني) ثم كان غياب بيار يعادل دخول الحرب إلى البلدة، لقد قتل بيار، فغاب المعادل الآمن لهذه الحرب، وأُهمل الجسد الأنثوي، فكان أقرب إلى الجنون (إما الجنون وإما الكلام، ولا خيار آخر).
ثم كان حب ما خلفته الحرب بديلا للانهيار والجنون: "إنني سأحب بشدة تلك المباني التي تحولت إلى خرائب مهجورة. روائح الشوارع المتسخة والممتزجة بروائح الدم والبارود والموت تليق بي كثيرا".
إن حب ما خلفته الحرب لا يعني حب الحرب نفسها، ولكنه نوع من التشبث بآخر رمق في الحياة قبل الانهيار أو السقوط الأخير، هنا توجد خرائب، ولكنها من الممكن في يوم من الأيام أن تنهض وترتفع لتصبح مبانيَ وعمائر بعد انتهاء الحرب، ومن ثم فإننا نحب هذه الخرائب التي ستنهض فوقها الحياة في يوم ما، وهو ما حدث بالفعل بعد انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية، من إعادة إعمار لبيروت ولبنان، (قبل أن تدمرها ثانية الحرب الإسرائيلية على لبنان في 2006).
هكذا كانت كاميليا التي أحبت الخرائب المهجورة والشوارع المتسخة، فهي في النهاية شوارع ستنظف بعد انتهاء الحرب، وتدب فيها الحركة والحيوية من جديد، لذا فإننا نحبها لأنها تذكرنا بالحياة، مع أنها في الوقت نفسه تذكرنا بالموت والقتل والدمار أيضا.
وعلى ذلك تتعدد وجوه الحرب، بتعدد وجوه الحياة نفسها، (تستمر الحرب، ويستمر الناس في الإنجاب، في اقتناء السيارات والبيوت، وفي المشي في الشوارع).
ومن جهة أخرى تستمر الحرب، ويستمر الانحراف والضياع والعدم والحيرة والتساؤلات والموت والفجائع.
تستمر الحرب، وتستمر فلسفة الحياة، وفلسفة الموت، (ربما لو كان أولئك الأولاد دون آباء، لما وقعت الحرب) فأي فلسفة تلك التي تمنحها الحرب، وتنطق بها إحدى شخصيات الرواية.
إنها الحرب، قد تثقل القلب (كما قال أمل دنقل في الوصايا العشر أو لا تصالح)، وتمنحنا من الكلام ما نظن أنه حكمة في وقتها، ولو أمعنا فيه وقت السلم، لرفضناه جملة وتفصيلا، مثل تلك العبارة السابقة.
(إن الحرب سلتنا قليلا، ربما كنا متنا من الضجر بدونها) عبارة مجنونة أخرى تأتي تبريرا للحياة أثناء اشتعال الحرب، فهل يعقل أن يتسلى إنسان ما بالحرب، عدا المجانين أنفسهم، الذين يرون في خراب العالم، حياة جميلة، وديمومة رائعة؟
***
الشخصية الرابعة الأكثر جدلا وتناميا، مهى، ولو لم تكن الرواية صوتية، لقلت إن مهى هي الشخصية المحورية التي تدور حولها الرواية، إنها شخصية تكاد تكون مركبة، ونزقة، وسريعة الحب والغضب والانفعال، ويبدو أن الحرب طبعت مهى بطابعها وتناقضها الأثيم، لقد اتهمها صاحب المبنى بالشيوعية، ويقصد العهر، لاستقبالها الكثير من الرجال، فهل مهى هي الحرب نفسها، خاصة أنها ستسهم في قتل أحد أفراد المليشيات، هو راينجر الذي يقيم عندها (ألم يأت لفظ الحرب مؤنثا، فنقول هي الحرب، ولا نقول هو الحرب) ونضيف أن المتعاملين مع الحرب، معظمهم من الرجال، ومهى تستقبل الكثير من الرجال كل يوم، وتقول (للحقيقة كنت استقبل الكثير، ولكن من الأصدقاء) إنهم أصدقاء الحرب، أو الأصدقاء الذي يصورون الحرب من خلال فيلم وثائقي عن حياة المقاتلين في شوارع المدينة، فيشاهدون حربا أخرى (الحرب تغيرت، صارت حربا أخرى، يخطر لي أحيانا أنها ربما لم تتغير، بل نحن تغيرنا ولم نعد نحبها).
مع بروز شخصية مهى وتفاعلها مع الأحدث تدخل الحرب مراحل أخرى أكثر خطرا، وأشد قسوة، غير التي كانت عليه من قبل، فهل هي الحرب التي امتدت داخل الشخصية الرئيسية في هذا القسم من الرواية، فاختلفت النظرة بالتالي إلى الحرب الخارجية؟ ومما ضاعف هذا الإحساس لديها عدم وجود أصدقاء في بلدتها (أصدقائي ماتوا، تشتتوا، هاجروا) فقفزت فكرة أن الحرب في الشارع انتقلت إلى بيتها.
أسئلة جديدة تثيرها تلك الشخصية المركبة التي تغيرت حياتها وحياة من حولها إلى الأسوأ، خاصة بعد أن قتلت ـ بمساعدة كاميليا ـ راينجر أحد مقاتلي الميليشيات الذي أتت به كاميليا في بيتها، والذي قتل الطبيب محمد (البيوت المليئة بالحب، فرغت من ناسها، فقدت مطارحها إلفة الكلام الذي كان يدفئنا رغم القصف الذي يتواصل طوال الليل) وعلى الرغم من كل ذلك تعترض مهى اعتراضا صامتا على حديث أختها التي أرادت أن يكون ابنها أمريكيا، وأمريكيا فقط، ولم ترد له أن يكون لبنانيا، لقد أحستْ ساعتها بالإهانة (أحسستُ أنها أرادت جرحي).
وتنتهي الرواية، بانتهاء الحرب، وبوجود جنين صغير ينمو في أحشاء كاميليا التي تتوقع أن يكون طفلا جميلا، ولكن بلا أب، فالأب الحقيقي (راينجر) قتلته مهى وكاميليا، بعد أن جامع الاثنتين، ولكن شاء القدر أن تحمل منه كاميليا، فهل هو طفل السلام الذي يريده الجميع، بعد أن عانوا من ويلات الحرب وفظائعها وخرابها، وهل السلام هو الابن الحقيقي للحرب التي كان رمزها مقاتل المليشيات راينجر في نهاية الرواية، والذي قتل على يد مهى وكاميليا، فانتهت الحرب بعدها؟
هل قتلت مهى وكاميليا الحرب، أو انتصرا عليها، فجاء اتفاق الطائف بعدها؟
وهل كان لابد من تقديم القربان الجنسي لآله الحرب، لوقف نزيف الدم والخراب والدمار، والحصول على طفل السلام؟
***
إن الشخصيات النسائية تتداخل مع بعضها البعض، مما يصعب في بعض الأحيان التفريق بينهن، فمن نظن أنها قادرة على الصمود والوقوف في وجه الحرب، نجدها تنهار وتستسلم في بعض الأحيان، ومن نحس أنها قادرة على التحكم في مصيرها ومصير الأخريات، نجدها تتراجع ولا تملك القدرة على الحركة.
إنها الحرب التي لعبت بمصائر تلك الشخصيات وضمائرها، وليس الشخصيات النسائية وحدها، ولكن أيضا الشخصيات الذكورية التي تهرب أو تنسحب أو تمارس الجنس بشراهة، وأحيانا في الملاجئ وقت الغارات، تعويضا عما تشاهده من خراب ودمار وضياع (الرجل الذي يسكن الزاوية الأخيرة (في الملجأ) ينشد عزلة حميمة، حين يعلق حراما صوفيا كبيرا، يضاجع من ورائه امرأته مصطنعا السعال الحاد). وكأن مثل هذا الرجل يريد أن يعلن عن وجوده وتفاعله مع الحياة، ومع امرأته، بعد إطلاق صافرات الإنذار، وتحليق الطائرات الحربية فوق بلدته، وتوغل الدبابات في الخارج، إنه يعلن تحديه للموت قصفا أو رعبا من خلال ممارسته للجنس (الحلال) بعلم أهل الملجأ.
الرواية متعددة الأوجه، كتعدد وجوه الحياة في لبنان وتنوعها، فيها المسلم وصوت المؤذن الذي يبدد الخوف، وتفتح كلمة الله في الآذان بوابات الأمل، والمسيحي وصورة العذراء المعلقة في صالون البيت، فيها المسجد والكنيسة، فيها الفلسطينيون الذين تبرعوا بسيارة إسعاف للحزب، ثم رحلوا أو خرجوا من لبنان، والإسرائيليون الذين جاءوا ومشوا في شوارع بيروت، وتنفسوا هواء كثيرا، ثم رحلوا أيضا، فيها الصلاة والسُّكْر، فيها فيروز وفريد الأطرش، والفن والطرب والرقص والسهرات، فيها الأحزاب السياسية المختلفة (حزب الله، وحزب المستقبل على سبيل المثال) وكمال جنبلاط الذي قتل (لم تذكر الشاعر خليل حاوي الذي انتحر)، وعندما حدث إضراب احتجاجا على الحرب، قال زوج أخت ليليان: "انتوا دايما بتاضربوا" فتوقفت ليليان عند "انتوا" وتساءلت في نفسها: هل يقصد المليشيات، أم الناس المدنيين، أم الإسلام، أو ربما يقصد المسيحيين الذين بقوا في بيروت الغربية ..؟".
لذا قد لا يفهم البعض تلك التركيبة أو الخلطة اللبنانية، مما يجعل البعض يعتقد أن الموارنة مسلمون، ويشبه البعض المُفتي بالبطريرك، ولكنه بطريرك الإسلام.
***
إن الكثير من الأسئلة والممارسات التي طرحتها الرواية بشفافية وواقعية، قد لا نجدها إلا في وقت الحرب، وقد باح لنا بها السرد الواقعي، وهو ما لم تستطع نقله كاميرات التلفزيون والتغطيات الإخبارية والإعلامية في أوقات الحروب، وإنما استطاعت أن تجسده لنا الروائية اللبنانية إيمان حميدان يونس بكل براعة وإتقان، فعشنا أجواء الحرب مثلما عاشتها، وكرهناها مثلما كرهتها، وأحببنا الحياة مثلما أحبتها.
وفي هذا تقول الكاتبة في حوار أجرته معها الكاتبة الصحفية اللبنانية لنا عبد الرحمن:
"باء مثل بيت.." أشبه بتعويذة لإخراج الموت من داخلي، ذلك الموت المعيوش الذى فرضته الحرب فى حياتى اليومية، والتى أدخلته إلى أحلامى وأفكارى ونظرتى إلى العالم، ولد هذا النص كرؤية خاصة بي لطرد ذلك الموت وتحية للحياة التي ترفض العنف، شخصيات الرواية عبرت عن هذا الرفض، كل شخصية بطريقتها وبصوتها. نجح بعضها فى فك حصار الموت، وأخفق البعض الآخر، إلا أنه حاول، إلا أنني ما زلت أحتاج إلى عمر آخر كي أخرج تجربة العنف والألم خلال الحرب إلى حيز الورق والنشر. أشعر أنني لم أكتب شيئا بعد عن تلك التجربة، ولا بد أنني سأعود يوماً إلى كتابة تجربتي ورؤيتي خلال الحرب، أشعر أن علي إعطاء صوت أكبر للنساء اللائي عشن الحرب بتفاصيلها المناقضة لمنطقها وبشكل يومي، إلا أن هذا يفرض مرور بعض الوقت والابتعاد الزمني عن التجربة الواقعية. كتبت مجتمعي وتجربته، كتبت عن حيوات تشبه حيوات نساء كثيرات أعرفهن أو سمعت عنهن".
ثم تضيف الكاتبة قائلة عن منجزها الروائي: "أنا أجمع حكايات أهالي أولئك الذين فُقدوا في لبنان خلال الحرب، ولا يُعرف عنهم أي شيء. حكايات لم يسجلها أحد حتى الآن. لم أجد لا في علم الاجتماع للبنان ما بعد الحرب، ولا في أدبيات الجمعيات المهتمة بحقوق الانسان، ولا في الصحافة اهتماما بجمع تلك الحكايات وجعلها جزءا من ذاكرة الحرب. حكايات الفقدان. فقدان أفراد العائلة الذكور. حكايات العنف التي تطال الرجال كما تطال النساء. الرجال يَخطفون (بفتح الياء) ويُخطفون (بضم الياء) ثم يختفون؛ والنساء يفتشن عنهم.
أما الشاعر والكاتب المصري محمد الحمامصي، فقد قال عن رواية "باء مثل بيت مثل بيروت":
لقد رصدت إيمان يونس ـ بجماليات فنية وأسلوبية وتكنيكية ـ وطأة الحرب على الذات الإنسانية، وردود فعل هذه الذات الداخلية والخارجية، كل ذلك عالجته الكاتبة دون افتعال وبرقي.
***
بقي أن نعرف أن هذه الرواية هي الأولى للكاتبة اللبنانية إيمان حميدان يونس التي حصلت على شهادة الماجستير في "علم الأجناس" من الجامعة الأمريكية في بيروت، وكان موضوع أطروحتها عن قصص عائلات الأفراد الذين اختفوا أثناء الحرب الأهلية في لبنان.
وهي تكتب الرواية لتكثف وقائع ذاكرة رأت وسمعت وذاقت نيابة عن شخصيات تستلهمها من واقعين يتكاملان ويتنافران في آن واحد: المدينة المبعثرة المهاجرة المحاربة... وبقايا ريف يلفظ أنفاسه ما قبل الأخيرة، وهو يشيع شيوخه الزاهدين بتوريث كنوزهم.
من ثراء ما سمعتْ ورأتْ وعاشتْ تؤلف الروائية عالمها الضاج بالأسئلة والشكوك، وكأن الكتابة هي لحظة اليقين الوحيدة في حياة أهل القلم. أحمد فضل شبلول ـ الإسكندرية