بأي صفة يجتمع مورو مع القرضاوي في قطر؟

ممثل النهضة في الحكم

تونس - أثارت الزيارة "المفاجئة" الأخيرة لنائب رئيس حركة النهضة الإسلامية عبدالفتاح مورو إلى الدوحة ولقائه بالمرشد الروحي للتنظيم الدولي للإخوان المسلمين ورئيس الإتحاد العالمي لعلماء المسلمين يوسف القرضاوي جدلا واسعا في الأوساط السياسية التونسية والإعلامية وكذلك لدى نشطاء شبكات التواصل الاجتماعي.

ورأت هذه الاوساط ان الزيارة تنطوي على "رسالة سلبية إلى تونس مفادها أن الحركة الإسلامية متشبثة بتوطيد علاقاتها مع التنظيم الدولي"، فيما قال سياسيون إن اللقاء "يكتسي حساسية بالغة" لكون مورو يشغل منصب النائب الأول لرئيس البرلمان وهو منصب سيادي "يستوجب أن يلتزم صاحبه بالأعراف الدبلوماسية" فيما سارعت حركة النهضة إلى محاولة احتواء الجدل مؤكدة أن "زيارة مورو إلى الدوحة تتم بدعوة شخصية وذلك للاستماع إلى وجهة نظره حول الربيع العربي وحول الأوضاع في المنطقة العربية وحول عدد من القضايا في تونس".

وعلى الرغم من أن مورو يشغل منصبا حساسا في البرلمان إحدى أهم المؤسسات السيادية للدولة فإنه لم يتم الإعلان مسبقا عن زيارة الدوحة ولا عن لقاء القرضاوي ولا عن سلسلة اللقاءات التي سيجريها سواء مع قيادات الإخوان الذين تحتضنهم دولة قطر أو مع المسؤولين في الدولة الخليجية وذلك خلافا للتقاليد المتبعة في تونس عند زيارة أي مسؤول في مؤسسات الدولة إلى الخارج حيث دأبت المؤسسات السيادية على إصدار بلاغ مسبق يقدم إيضاحات حول توقيت الزيارة وطبيعتها وأهدافها وجدول أعمالها.

زيارة سياسية بامتياز

وتفاجأ الرأي العام التونسي ببيان بثته حركة النهضة على موقعها الرسمي على شبكة الإنترنت مرفوقا بصورة تظهر القرضاوي جالسا خلف مكتبه وهو "يستقبل بصفة رسمية على طريقة رؤساء الدول" عبد الفتاح مورو الذي كان يجلس أمام المكتب على أريكة في مشهد علق عليه السياسيون بالقول إنه "ليس لقاء وإنما هو استقبال رسمي تكرم به المرشد الروحي للتنظيم على مورو".

ومما أشعل الجدل في الأوساط السياسية والإعلامية ونشطاء مواقع التواصل الاجتماعي أن بيان حركة النهضة اكتفى بـ"سرد معلومات عامة جدا" حول اللقاء ذكر فيها بالخصوص أن مورو أكد "على سلمية الحركة الإسلامية وعدم لجوئها إلى العنف" دون توضيح ما إذا كان يعني حركة النهضة أو حركة الإخوان المسلمين التي تعد المرجعية الفكرية والروحية والتنظيمية لأغلب حركات الإسلام السياسي في البلدان العربية، فيما قال القرضاوي أن ما "يؤرقه قضية كبرى: هي دعوة غير المسلمين إلى الإسلام".

غير أن تصريحات القيادي في حركة النهضة علي العريض المقرب جدا من راشد الغنوشي كشف جانبا مهما وخطيرا من اللقاء حين أكد أن زيارة مورو إلى قطر تمت على أساس "دعوة شخصية" للاستماع إلى وجهة نظره حول الربيع العربي وحول الأوضاع في المنطقة العربية وحول عدد من القضايا التونسية" وبالمقابل يستمع مورو إلى وجهة نظر القرضاوي حول ما يجري في العام الإسلامي".

وخلافا لبيان النهضة الذي "اختزل" فحوى لقاء الشيخين في "مسائل دعوية عامة تتعلق بـ"سلمية الإسلام" وبـ"دعوة غير المسلمين للإسلام" فقد كشف العريض بوعي أو بدون وعي أن "زيارة مورو للدوحة ولقائه بالقرضاوي وبعدد من أصدقائه، دون أن يذكرهم، هي "زيارة سياسية بامتياز" لا تشمل فقط "الربيع العربي" ولا "الأوضاع في المنطقة العربية" وإنما أيضا وهذا هو الأهم "عدد من القضايا التونسية".

ويعلق سياسيون على أن الزيارة تهدف في نفس الوقت إلى "إذابة الجليد بين النهضة والدوحة الغاضبة عليها جراء فشلها في الانتخابات البرلمانية والرئاسية خاصة وأنها راهنت على إخوان تونس كآخر أمل لمشروع الإسلام السياسي الذي تدعمه بقوة في بلدان الربيع العربي.

تأكيد على تحالفات النهضة

وتهدف أيضا إلى طمأنة قيادات التنظيم الدولي المتواجدين في الدوحة بأن "وجودها في ائتلاف حكومة الحبيب الصيد هو تأكيد على أن الحركة الإسلامية تمثل "رقما صعبا" في الخارطة السياسية التونسية وأن ذلك التحالف "لن يمس في شيء من ثوابت النهضة العقائدية والسياسية خاصة بعد الانتقادات اللاذعة التي وجهها العديد من القيادات الإخوانية إلى راشد الغنوشي على خلفية التحالف مع العلمانيين".

مورو يحمل رسالة سلبية عن مدنية المؤسسة التونسية

ويضيف السياسيون أن النهضة لم توفد الغنوشي وإنما أوفدت مورو لأنه "يمثل النهضة في الحكم" في محاولة لإقناع الدوحة والقرضاوي والإخوان أن "الحركة هي جزء من الحكومة في تونس وأنها خسرت الانتخابات لكنها لم تخسر الحكم على الرغم من أن إشراكها في الحكومة كان رمزيا لم يتعد حقيبة واحدة وثلاث كتابات دولة".

وأرجع المحلل السياسي محمد بوعود الجدل الذي أثاره لقاء مورو بالقرضاوي إلى أسباب سياسية محضة تتعلق بطبيعة تناقض التجربة الديمقراطية التونسية الناشئة التي تقودها الأحزاب العلمانية مع المرجعيات الفكرية والعقائدية للتنظيم الدولي للإخوان ورؤيتهم للحكم خاصة بعد فشل تجربة الإسلام السياسي في عدد من البلدان العربية وفي مقدمتها مصر مهد الإخوان ومعقلهم التاريخي.

ورأى بوعود أن " لقاء مورو والقرضاوي على درجة خطيرة من الحساسية لأنه جمع بين شخصين يفترض أن كلا منهما له اهتمامات مناقضة تماما للأخر، ومشاريع سياسية اعتقد الكثيرون أنها متناقضة ومتباعدة" في إشارة إلى خطاب حركة النهضة الذي يروج للحركة على أنها حزب سياسي مدني يؤمن بالديمقراطية وبمدنية الدولة وبحق الاختلاف الفكري والسياسي والعقائدي بل وبمصلحة تونس في التحالف بين الإسلاميين والعلمانيين" فيما يرفض الإخوان ذلك جملة وتفصيلا.

ويضيف بوعود أن خطورة لقاء مورو والقرضاوي "تنبع من كون الرجل ليس شيخ دين فحسب ولا هو نائب رئيس حركة إسلامية فقط، بل هو النائب الأول لرئيس البرلمان في دولة ديمقراطية، المفروض في برلمانها ورئيسه ونوابه أن يكونوا قد قطعوا نهائيا مع مشاريع التطرف والتحريض ولغة الجهاد والدعوة وغيرها مما يمثله القرضاوي".

ولم يستسغ السياسيون ونشطاء مواقع التواصل الاجتماعي زيارة مورو نظرا لمنصبه الرسمي خاصة وانه بإمكان النهضة، إن كان مبعوثا رسميا لراشد الغنوشي، ان ترسل قياديا آخر من قياداتها الأقرب إلى فكر ومنهج القرضاوي، أو ترسل من كوادرها الذين هم على علاقة جيدة بالقرضاوي مثل رفيق عبد السلام وزير الخارجية السابق في حكومة الترويكا وصهر الغنوشي أو لطفي زيتون المستشار السياسي لرئيس النهضة أو عامر العريض عضو المكتب السياسي وشقيق علي العريض وغيرهم "ممن كانت لهم علاقات وطيدة مع الدوحة والقرضاوي وقناة الجزيرة وكامل أدوات المشروع الجهادي الذي كان يدار من هناك تارة باسم الربيع العربي وطورا باسم الحرية والثورة".

مصلحة تونس ام مصلحة النهضة؟

وكتبت الناشطة في مواقع التواصل الاجتماعي ريم بن عاشور، على موقعها الرسمي على شبكة الإنترنت تقول " يبدو أن مورو ليس على قدر عميق من الوعي السياسي ما يجعله قادرا على التفريق بين منصبه كأحد القيادات التاريخية في حركة النهضة وهو منصب حزبي وبين منصبه كنائب أول لرئيس البرلمان تم انتخابه من طرف نواب الشعب، وهو منصب سيادي يفرض عليه أن يكون واعيا أنه يمثل الشعب التونسي وأن تكون نشاطاته السياسية سواء داخل البلاد أو خارجها تنسجم مع خيارات الدولة التونسية وتوجهاتها وهي خيارات تنأى بنفسها عن الارتباط بجهات خارجية وخاصة التنظيم الدولي للإخوان الذي صنفته كل من مصر والسعودية ودولة الإمارات "تنظيما إرهابيا".

وارجع المدون التونسي نزار بن عمار في تدوينة كتبها معلقا على لقاء مورو بالقرضاوي إلى "سعي المرشد الروحي للإخوان إلى التدخل في الشأن التونسي من خلال نافدة النهضة ليقدم نصائحه حول كيفية استرجاع دورها في المشهد السياسي بعد هزيمة الانتخابات، وهي نصائح لن تكون إلا موجهة ضد التجربة الديمقراطية التي تقودها الأحزاب العلمانية".

ويضيف بن عمار "إذا كان عبد الفتاح مورو حريصا على مصلحة النهضة فعليه أن يكون أولا حريصا على مصلحة تونس، مصلحة تونس تقتضي النأي بها عن فكر الإخوان وعن أجندتهم وعليه أن يكون على اقتناع بأن مستقبل البلاد لا تنحته مشاريع الإسلام السياسي وإنما تنحته القوى الوطنية والديمقراطية في إطار مشروع وطني حداثي اختاره الناخبون التونسيون في الانتخابات البرلمانية والرئاسية".

وتتطابق هده الآراء مع مواقف الأحزاب العلمانية التي تشدد على ضرورة أن تقطع النهضة مع التنظيم الدولي سواء من حيث الفكر او رؤيتها للحكم، إذ ما أنفك الائتلاف الحزبي اليساري "الجبهة الشعبية" يطالب راشد الغنوشي بـ"توضيح علاقته بالتنظيم كشرط للقبول بمشاركة النهضة في الحياة السياسية" فقد شدد حمة الهمامي في أكثر من مناسبة أن "التعامل مع النهضة لن يتم إلا بعد مراجعة وثيقتها العقائدية التي تأسست عليها عام 1981 لكونها وثيقة إخوانية نصا وجوهرا تدعو إلى نظام حكم إسلامي يطبق الشريعة".

ولم يستبعد المتابعون للشأن التونسي أن تكون زيارة مورو للدوحة ولقائه بالقرضاوي وعدد من قيادات الإخوان "تأتي في إطار إعادة تنشيط العلاقات مع الجماعات الإسلامية في المشرق بعد فترة من انطواء النهضة على نفسها تحت تأثير صدمة الهزيمة في الانتخابات ولاذت بالصمت عما يحدث لتلك الجماعات في بلدان الربيع العربي تحت ضغط عربي وتوجس إقليمي ودولي، إذ فضلت النهضة تركيز جهودها على معركة ضمان العودة إلى الحكم وإن بحقيبة وزارية يتيمة".

ويرى المراقبون أن النهضة وبعد أن ضمنت إشراكها في حكومة الحبيب الصيد الائتلافية باتت تسعى إلى تفعيل العلاقات من جديد مع إسلاميي المشرق الذين وجهوا لها انتقادات لاذعة إثر فوز حزب نداء تونس في الانتخابات البرلمانية والرئاسية الأمر الذي رأى فيه الإخوان "احتراق شمعة الأمل الأخير للاسلام السياسي في المنطقة العربية" وذلك في محاولة لإعادة تسويق صورتها كحركة "نافدة تونسيا وعربيا" ولها من "الثقل السياسي" ما يمكن الاعتماد عليه مستقبلا.

غير ان محللين آخرين لم يترددوا في القول أن زيارة مورو للدوحة "هي زيارة رسمية بصفته نائب رئيس البرلمان وتأتي في سياق توجهات السياسة الخارجية للحكومة الائتلافية بين الإسلاميين والعلمانيين"، مشيرين الى أن الهدف من الزيارة "جلب الاستثمارات القطرية" لمساعدة الحكومة على إنعاش الاقتصاد وانقاد البلاد من الأزمة التي تعصف بها منذ أربع سنوات.

ويستدل المحللون هنا بإشارات سبق وأن صرح بها الرئيس الباجي قائد السبسي قال فيها "أن عبد الفتاح مورو صديقه الشخصي وأنه هنأه بالفوز في الانتخابات البرلمانية وأنه وعده من يومها بنيابة رئيس البرلمان" كما يستدل المحللون بتأكيد قائد السبسي على أن "تونس لم تبتعد عن قطر، سنعود إليها وسنزورها".

وفي هذه الحال يبدو الجدل أكثر حدة إذ يعتبر التونسيون أن ملفات السياسة الخارجية وجلب الاستثمارات والتعاون مع البلدان العربية منها والغربية هو مسألة سيادية يجب أن تضطلع بها مراكز القرار في الدولة مثل رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ووزير التعاون الدولي والاستثمار لا أن يضطلع بها قيادي من النهضة ليكون وسيطا بين الدولة التونسية وقطر.