اين تكمن ازمة مشروع خدام للتغيير في سوريا؟

لا يحتاج المرء لجهد كبير ليدرك طبيعة السيناريو الذي يفكر به السيد عبد الحليم خدام لصنع التغيير، فخلف الجمل الانشائية الموظفة لبعث شعور بالاطمئنان، والتي تمثل طبقة (الكريما) للكعكعة التي يجهزها السيد خدام نجد الآتي:
أولا: أن المراهنة الأساسية مرتبطة بنتائج لجنة التحقيق في اغتيال المرحوم رفيق الحريري وتداعياتها المحتملة على الوضع الداخلي.
ثانيا: من أجل استثمار تلك الأزمة القادمة وتوظيفها لصنع التغيير يتطلب الأمر الدخول في حوار واسع مع الأطراف الدولية النافذة لاقناعها بوجود بديل سياسي جاهز للنظام الحالي يتمتع بميزتين أساسيتين:
الأولى تمثيله لرأي عام اجتماعي يمكن الاستناد اليه.
الثانية وعيه لمتطلبات السياسة الأمريكية في المنطقة والتكيف معها.
هكذا يكون الجهد الرئيسي المطلوب موجها ليس الى الداخل بل الى الخارج للتأسيس لتفاهم سياسي يقول: افتحوا لنا الطريق لتسلم سوريا وخذوا متطلبات سياستكم وفق استراتيجيتكم للمنطقة. هنا يتم تعويض النقص الناجم عن الضعف الشديد للمعارضة في الداخل بالتحالف (المعلن أو غير المعلن) مع القوى الدولية التي تبدو مصممة على وضع الشأن الداخلي السوري في سلم اهتماماتها للمرحلة القادمة.
أزمة مشروع السيد خدام تتمثل في مصداقية تمثيله لرأي عام اجتماعي يمكن الاستناد اليه كقاعدة للتغيير، وعلى ما يبدو فان التحالف مع الاخوان المسلمين يمثل من وجهة نظر خدام حلا مناسبا، اضافة لسعيه تقديم نفسه كممثل عن تيار البعث الذي هو "الضحية الطامح للتغيير" وليس الحاكم.
الآن ماذا ستقول القوى الدولية النافذة للسيد خدام؟
الأرجح أنها ستقول له الآتي: أنتم في مركز ضعف شديد ونحن نعرف ذلك كما تعرفونه، وتريدون مساعدتنا للتوصل لحكم سورية، حسنا قولوا لنا لماذا يتوجب علينا مساعدتكم؟
صحيح أن النظام الحالي لايظهر المرونة المطلوبة للتأقلم مع استراتيجيتنا، كما اننا ندرك عمق تخبطه الاقتصادي وأزمته في الداخل، ولكننا في النهاية دول ذات مصالح ولسنا جمعيات خيرية، واذا لم نشعر بثقة كافية أن مصالحنا سيتم تأمينها على نحو أفضل نتيجة التغيير فلسنا مضطرين للدخول في مغامرة غير مأمونة قد تنتهي بصعود قوى راديكالية يمثل النظام الحالي بالنسبة لها أهون الشرين.
واضح أنه من أجل اتمام صفقة كهذه يتوجب على الطرف الضعيف تقديم مغريات وضمانات للطرف القوي لاقناعه بالدخول في الصفقة والتحالف معه.
المسألة هنا لا يمكن اختزالها بفوائد الانتقال من حالة غير ديمقراطية الى حالة ديمقراطية فتلك شعارات للتسويق والتغطية على مصالح الدول الكبرى واستراتيجياتها، خاصة وأن أضرار ذلك الانتقال من وجهة النظر الأمريكية قد تفوق فوائده ومثال صعود حماس ما يزال طازجا.
ما نريد قوله أن الأمر برمته يسير باتجاه صفقة سياسية يتوجب فيها على السيد خدام تقديم ما يكفي من المغريات والضمانات للقوى الدولية النافذة لاعتماد مشروعه وبالتالي لاقناعها بتعويض الخلل الفادح في ميزان القوى الداخلي والدخول كشريك في عملية التغيير، بينما تقتضي الحكمة النظر بحذر شديد لدخول القوى الدولية طرفا في عملية التغيير.
ما نراه ان تعنت النظام واصراره على سد طرق التغيير واغلاق نوافذ الأمل، يساهم مساهمة فعالة في دفع البعض للانزلاق نحو قبول مشروع السيد خدام، وهذا أمر مفهوم، لكن مهمة المثقفين، والقوى الوطنية الديمقراطية ليست تشجيع الناس على الانزلاق، ولكن بالضبط توعيتهم بمخاطر ذلك الانزلاق بغض النظر عن حجم الضغوط التي تتزايد كل يوم مع تفاقم حالة الاحتقان والاستعصاء وازدياد لجوء النظام للعنف والقمع.
ما طرحته القوى الوطنية الديمقراطية مازال صحيحا (التغيير السلمي الآمن بالاعتماد على الذات)، ومن أجله لابد من التركيز على بناء قوى التغيير داخل المجتمع بصبر ودأب وبسياسة النفس الطويل، دون استبعاد التأقلم مع مستجدات الأمر الواقع للتسريع في الحراك الوطني – الديمقراطي، أما ما يطرحه السيد خدام فهو مشروع آخر، مشروع قائم على استثمار الأزمة القادمة مع تداعيات نتائج لجنة التحقيق الدولية في اغتيال المرحوم رفيق الحريري وذلك يقتضي ادخال القوى الدولية كشريك في مشروع التغيير وبسبب توازنات القوى الراهنة فستكون هي الشريك الأقوى، واذا كان المثل الشعبي يقول "لك شريك اذن لديك معلم" فماذا سيكون عليه الحال اذا كان ذلك الشريك هو الطرف الأقوى.
واذا كان اليأس ونفاذ الصبر نتيجة امعان النظام في الاقصاء والقمع وتفاقم الأزمة تدفع الماء نحو طاحونة مشروع السيد خدام فان قول الحقيقة للناس والتمسك بالمبادئ واعلاء شأن الوعي النقدي هو مهمة النخب الوطنية – الديمقراطية التي لا ترضى الوقوع أسيرة ضغوط اللحظة مهما اشتدت تلك الضغوط.
أخيرا ثمة مسافة بين تحديد الموقف وبيان مضمون الاختلاف والتحذير من المنزلقات، وبين الدخول في صراعات ومهاترات لا تحتملها الحالة الوطنية، اما الغموض والالتباس والصمت فهو ليس مقبولا، وقد يصبح مقدمة لفتح باب الصراع بدل كونه هروبا منه. معقل زهور عدي