اين الخطوط الحمراء الكردية؟

بقلم: انس محمود الشيخ مظهر

الثورة الكردية قامت للحفاظ على كرامة الفرد الكردستاني في العراق ورفض كل اشكال الهوان والاستبداد التي كانت حكومات العراق تمارسها ضد المواطن الكردي، وقد حققت هذه الثورة الشيء الكثير من هذه الاهداف ولكن لازالت الثورة الكردستانية لم تصل الى نتائجها التي قامت من اجلها ولا يمكن اعتبار ان الثورة الكردية انتهت وكل الذي جرى هو تحول النضال من شكله المسلح الى الشكل السياسي الذي يحاول بناء عراق ديمقراطي تتحقق فيه اهداف الشعب الكردي والعربي وكل الطوائف العراقية الاخرى.

ومن المؤكد ان من احدى اهداف الثورة الكردية كانت الديمقراطية للعراق بشكل عام ولكن تحقيق هذا الهدف لا يجب ان يكون على حساب الهدف الاخر للثورة وهي حق تقرير المصير للكرد ولكن ما نشهده الان هو تنازلات عن الحقوق الكردية وعن مكتسبات الشعب الكردي في مقابل تحقيق الديمقراطية في العراق. ففي الوقت الذي يحاول الاقليم ان يرسخ مبدا الديمقراطية في العراق ومحاولاته الى عدم رجوع دكتاتورية من نوع جديد وذلك بمحاولاته سحب تمركز خيوط اللعبة السياسية في يد شخص واحد كالمالكي وذلك بإدخال معادلة علاوي الى العملية السياسية وتوزيع الصلاحيات بين المؤسسات السيادية في العراق وتطبيق ما قد اتفق عليه في مبادرة اربيل للبارزاني، وهذا التوجه الكردي توجه محمود ولا يمكن انتقاده ولكن لا يجب الخلط بين الاهداف هذه مع الاهداف الكردية لأنها سوف تدخل ضمن المساومات السياسية في العراق ولا يمكن فصلها بعد ذلك، ومن المؤكد ان تطبيق احداها سوف تكون على حساب الاخريات ولا يمكن ان يكون ترسيخ الديمقراطية في العراق على حساب الاهداف الكردستانية.

يخطأ السياسي الكردي اذا تصور ان ترسيخ الديمقراطية في العراق يحل المشكلة الكردية بشكل اوتوماتيكي، لان تجذر الديمقراطية في العراق لا يعني باي حال من الاحوال حلا لكل المشاكل وخصوصا المشكلة القومية في العراق والدليل على ذلك هو ان كل الشخصيات السياسية العربية التي تتابعت وحكمت المركز بعد زوال نظام صدام كان يتعامل مع المشاكل العالقة بين الاقليم والمركز بمبدئ يماثل تعامل كل الحكومات العراقية منذ بداية نشوء العراق والى الان (في فترة الدكتاتوريات وحتى بعد زمن الديمقراطية والعراق الجديد)، اذا فيجب على القادة الكرد فصل القضيتين عن بعض والاصرار على الموضوع الذي يخصهم على مبدأ "للكعبة رب يحميها"، خصوصا وان الجانب المقابل في الطرف العربي بسنتهم وشيعتهم يركزون في اصل كينونتهم السياسة على الانتماء الطائفي لهم بدل الانتماء الاكبر للعراق الا بالقدر الذي تخدم هذه العراقية انتماءاتهم الطائفية وهذا ما شهدناه في تصريحات كثيره للساسة العرب في العراق (و ليس هناك مجال لذكرها) فهي معروفة وقد كسبوا نقاط كثيرة سياسيا في هذا الصدد.

وفي الفترة الاخيرة كانت هناك تحولات كبيرة في مواقف الاطراف السياسية في العراق تدعو الطرف الكردي الى التفكير في نوعية الطرح السياسي الذي ينتهجه وخصوصا بعد ازدياد التنسيق بين اطراف عراقية ودول مجاورة على تضعيف الدور السياسي الكردي واتفاق كل الاطراف العربية وبكل مشاربهم في العراق على توحيد جهودهم للوقوف ضد المطالب الكردية (يختلفون في كل شيء ولكن في الموضوع الكردي تراهم متوحدين جدا)، ويجب العمل على اعمال شرخ بين الاطراف العراقية هذه ودول الجوار والحفاظ على الهدوء الدبلوماسي مع هذه الدول في نفس الوقت الذي يفترض فيه اعلاء سقف المطالب الكردية وجعل المركز هو الذي يبحث عن حلول لملفات جديدة يفتحها الاقليم بحيث يجعل حكومة بغداد هي التي تتبنى مبدا ردود الافعال وليس الاقليم وان تكون عملية كسر العظم هذا الذي تمارسه الاطراف العربية مع الكرد تعود بسلبياتها على المركز وليس على الاقليم، فهناك ملفات كثيرة لم يفتحها الاقليم مع المركز ولم تثار لحد الان وفي تصوري فان اثارتها سوف تؤدي الى اجهاض محاولات ارجاع الدكتاتورية بنسخة (فيرشن) جديدة للعراق ويقوي الدور السياسي الكردي ويخفف من حجم تدخلات دول الجوار في العراق، وسوف نحاول هنا ذكر بعض هذه الملفات في عجالة وكما هو موضح ادناه:

1- المطالبة بتعويضات لاقليم كردستان....حيث ان نسبة الـ 17 بالمئة والتي وكأن المركز "يتصدق" بها على حكومة كردستان في كل مرة تدرس فيه الميزانية العراقية وكأنها هبة من المركز على الاقليم وليس استحقاقا وطنيا ديمقراطيا يعتمد على النسبة السكانية للإقليم، ومن المفروض ان تكون هناك مطالب كردية لزيادة النسبة هذه او العمل وبسرعة على اجراء احصاء سكاني في عموم العراق لكي يتسنى معرفة النسب الحقيقية للمكونات العراقية والتي من المؤكد ان تماطل المركز في اجراء هذا الاحصاء هو بسبب تخوفهم من معرفة النسب الحقيقية للمكونات والتي هي المفتاح لحل مشكلة نسبة ميزانية الاقليم من الخزينة العراقية ،والذهاب الى اكثر من ذلك وهي مطالبة الاقليم بهذه النسبة منذ نشوء الدولة العراقية والى حد الان شانهم في ذلك شان كل الجهات التي تطالب الحكومة العراقية ، حيث انه ومنذ نشوء العراق كانت كردستان تفتقر لأبسط سمات العيش الكريم ولم يكن يخصص للمدن الكردية الا النزر اليسير من الخزينة العراقية بشكل يكون متوافقا مع احتياج هذه المدن على النهوض والتنمية وبدلا من ذلك كانت الخزينة العراقية تصرف على الاسلحة التي كان يضرب بها الكرد وتدمر بها قراهم ويهجر بها ابنائهم ومن الاولى تعويض كردستان عن كل تلك السنين بنفس النسبة هذه ان لم يكن اكثر منذ قيام العراق ولحد الان.

2- – فتح ملف توزيع صلاحيات العاصمة بغداد بين بغداد ومدينة كردية واخرى في الجنوب حيث ان بقاء كل مؤسسات الدولة في مدينة عربية يجعل الموقف الكردي السياسي ضعيفا جدا ويسهل على الطرف الاخر العربي تمرير مخططات ومؤامرات بدون ان يكون للسياسي الكردي الموجود في بغداد أي علم به وهذا ما أشار اليه الساسة الكرد في بغداد لأكثر من مرة حيث ان هناك قرارات تمرر من دون ان يكون لاحد علم به الا من يمررها. وهذا الشيء لا ينتقص من قيمة بغداد بل يقويها بسبب ان بغداد الان تفتقر الى الكثير من مقومات العاصمة الحقيقة.

3- الدعوة الى الكونفدرالية والاعتماد على القوة الجماهيرية الكردية في ذلك.... فتح المجال امام الشعب الكردي للتعبير عن خياراته المصيرية الان، فان كان الاستقلال والانفصال عن العراق غير ممكن الان بسبب ظروف دولية او اقليمية فأتصور ان تغير نوعية العلاقة بين الاقليم والمركز الان اصبح من الضرورات الملحة ويمكن الدعوة الى الكونفدرالية مع العراق بدلا من الفدرالية التي اثبتت الوقائع ان لا جدوى منها للخلاص من المركزية المقيتة، ومن المعروف ان مثل هكذا دعوة تحتاج الى تغيرات لبنود كثيرة في الدستور والى تهيئة جماهيرية كبيرة ، ومن المعروف ان اغلب ساسة العراق الان يشيرون وبشكل علني الى ان التغير في الدستور اصبح من الامور الملحة جدا فبدل من ان يغير الدستور على اهواء مشجعي الدكتاتوريات يجب علينا الحفاظ على المصالح القومية للشعب الكردي في هكذا تغير والتركيز عليه اكثر من أي وقت سابق، ومن البديهي ان الكونفدرالية مع العراق سوف تحل كل المشاكل التي يعاني منه الاقليم مع المركز. ورب قائل يقول ان الكونفدرالية يجب ان تكون بين دولتين مستقلتين وهنا اود الاشارة الى ان لو كان هذا الكلام صحيحا لما حاول المجتمع الدولي طرح حل الكونفدرالية بين جنوب السودان والحكومة السودانية كإحدى الحلول البديلة للانفصال قبل انفصال الجنوب عن السودان وثانيا فان شكل الدول ونظامها والنظم الفدرالية والكونفدرالية ليس لها تكوين معين في القوانين الدولية وهي تعتمد على الطروف المكانية والزمانية للتراكيب المتفدرلة مع بعض.

هناك اوراق كثيرة يستطيع بها الاقليم إحراج ا لمركز والهائه عن اثارة مشاكل اكثر للإقليم وما دمنا جزءا من العراق فيجب على كل العراقيين احترام هذه الخيارات وعدم الانجرار مرة اخرى لإثارة نعرات قومية لن يكون الكرد فيها هم الخاسرون او الخاسرون الوحيدون ولكن كل العراق سوف يكون متضررا لانهم بهذا الاسلوب يمهدون لصراعات بدون طائل ولا موجبات والمواطن العراقي بمكونيه العربي والكردي في غنى عنها. ويجب على السياسي العربي في العراق عدم الهروب من مشاكله الى افتعال مشاكل اخرى للتغطية على فشله في ادارة دولة مثل العراق.

انس محمود الشيخ مظهر

كردستان العراق- دهوك

portalin2005@yahoo.com