ايران وطموحاتها النووية

بقلم: عصام البغدادي

الطموحات النووية الايرانية ليست وليدة العقد الاخير بل كانت نواتها منذ عهد الشاه محمد رضا بهلوي.
طموحات الرجل العسكرية كانت واضحة حينما اصبح الجيش الايراني خامس قوة في العالم مدعومة بما يقارب بجيش مواز من رجل السافاك في ايران، ينتشر عدد كبير منهم في انحاء العالم لشتى المهمات.
حاول ان يكون بجيشه وسافاكه شرطي الخليج، ولولا تلك الطموحات التي تجاوزت خطها الاحمر من وجهة النظر الاميركية لما خذلته الولايات المتحدة ورمته خارج حساباتها ومواصفاتها التي ترومها بما يخدم مصالحها.
لقد كان للولايات المتحدة دور في دخول ايران في المجال النووي ابان العهد الملكي السابق وذلك عام 1967م (وكما تفعل دائما، تدعم ثم تتخلى) ولكنها الان هي من يقف ضد ايران في محاولة لاستغلال هذا الملف للوصول الى غاياتها وتحقيق مقاصدها (راجع كتاب الصحفي الفرنسى بول ماري دولا غورسPaul-Marie de La Gorce مؤلف Dernier Empire, Grasset, Paris, 1996). المراحل الاربعة للبرنامج النووي الايراني البرنامج النووي الايراني مر بعدة مراحل اولها كان في عهد الشاه حيث اتفق النظام السابق في ايران في الولايات المتحدة على شراء مفاعل ابحاث نووية لجامعة طهران وفي منتصف السبعينيات بدأت ايران تتجه بقوة نحو الطاقة النووية وخطط النظام السابق لانشاء 23 محطة نووية للطاقة لذا فقد بدأت العقود على تحقيق هذه الطموحات تبرم مع الولايات المتحدة 1974 والمانيا الغربية 1976 وفرنسا 1977 وذلك لتزويد ايران بالوقود النووي وتدريب الكوادر الايرانية. وكان النظام الملكي السابق يهدف من خلال ذلك الى تقليل اعتماد ايران على النفط والمحافظة على نمو الصناعات الايرانية وتوسيعها بتوفير قدر كبير من الطاقة من خلال المحطات النووية وكان نظام الشاه يريد لايران الحصول على هذه القدرات رغم الاعلان الاميركي الصادر على لسان الرئيس الاميركي الاسبق ريتشارد نيكسون الذي اكد ان ترسانات السلاح مفتوحة لايران غير الاسلحة النووية.
الا انه وبعد سقوط الشاه توقف العمل في تلك المنشآت النووية وذلك بعد ان انجزت ايران نسبة كبيرة من تلك المشاريع ومن ثم نشوب الحرب العراقية الايرانية.
ولكن مع الاستقرار النسبي في ايران وبعد الشعور بالحاجة لتلك القدرات النووية فقد بدأت المرحلة الثانية من البرنامج النووي الايراني ولذلك اعيد الاهتمام بهذا البرنامج من جديد وتم رصد مبالغ جديدة لفريق العمل في مفاعل جامعة طهران والذي استمر على نشاطه تحت اشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وفي عام 1983 اعيد الاهتمام بتكنولوجيا الليزر في عمليات التخصيب. وفي عام 1984 تم افتتاح مفاعل ابحاث اخر في مدينة اصفهان وفي نفس العام بدأت ايران في احياء العمل في محطة الطاقة النووية في بوشهر مما دفع بغداد خلال الحرب الى قصف منشآت بوشهر ابتداء من 24 مارس/اذار 1984 وحتى 19 يوليو/تموز 1988 اي قبل وقف اطلاق النار بستة ايام وبعد موافقة ايران على القرار 598. كما حاولت ايران ضرب المفاعل النووي العراقي وفشلت في ذلك لعدة مرات الى ان استغلت اسرائيل الحرب وقامت بضربه في 7 حزيران/يونيو 1981.
وبعد انتهاء الحرب ساد صمت حول قدرات ايران النووية في وقت كان الاهتمام مكرسا على كشف القدرات العراقية خاصة في الاشهر التي سبقت غزو الكويت في اب/اغسطس 1990 الا ان ايران كانت قد بدأت مرحلتها الثالثة وذلك بالتوقيع مع الاتحاد السوفيتي السابق اتفاقية لتزويدها بمحطتين نوويتين لتوليد الطاقة الكهربائية طاقة كل واحدة منهما 440 ميجا واط وكان ذلك في اذار/مارس 1990 الا انه وعلى الرغم من ذلك فقد بقيت ايران بعيدة عن امتلاك القدرة على تصنيع السلاح النووي حيث كانت بحاجة الى بنية اساسية وقدرات بشرية فنية اخرى .
الا ان البرنامج النووي الايراني تحرك بخطوات تدريجية لتبدأ المرحلة الرابعة وذلك بعقد صفقة مفاعلات نووية مع كل من الصين وروسيا عامي 94 ـ 1995م عندها ادعت الولايات المتحدة ان وزير الطاقة الروسي اقترح بيع منشأة للقوة الطاردة المركزية كجزء من صفقة المفاعل وذلك اثناء لقاء القمة بين كلنتون - يلتسين في ايار/مايو 1995 وكان ذلك الاتهام ضمن حملة من الادعاءات ضد ايران بدأت عام 87 ـ 1988م عندما روجت دوائر الاستخبارات الغربية عن وجود اتفاقات سرية بين ايران وباكستان وذلك لانتاج القنبلة النووية الاسلامية مع ان تلك الاتهامات لم تقف على ادلة ملموسة ولكن ما كان يروج له ضمن الحملة الاعلامية السياسية هو الحد من تسلح دول الشرق الاوسط التي تمثل اهمية استراتيجية بالغة وتواصلت تلك الحملة الاعلامية مع بداية التسعينيات وبعد الانتهاء من حرب الخليج الثانية واصدار القرار 687 الذي ينص على تدمير القدرات العراقية في اسلحة الدمار الشامل والقدرات الصاروخية والذي حول الاهتمام بعدها صوب ايران فبدأت بإثارة موضوع التعاون النووي بين ايران والصين وقد ذكرت مجلة نيوزويك الاميركية في 22/6/1992 ان الصين زودت ايران بمفاعل نيوتروني وجهاز لفصل النظائر وذكر ان وكالة الاستخبارات المركزية الاميركية سي . اي . ايه تعتقد ان ايران سوف تستخدم تلك التقنيات في صنع القنبلة النووية.
كما اثير في نفس الفترة موضوع التعاون النووي بين ايران والهند واكد المتحدث باسم الخارجية الاميركية آنذاك ريتشارد باوتشر ان الخارجية الاميركية تدخلت لدى السفير الهندي في واشنطن عابد حسين لمنع بيع مفاعل نووي الى ايران. لذا اكد مدير منظمة الطاقة الذرية في ايران ان بلاده طالبت دوما بان تكون المنطقة في منأى من الاسلحة النووية واشار المسؤول الايراني بان النظام الصهيوني يمتلك 300 رأس نووي وان الشرق الاوسط برمته مهدد بالقوة النووية الاسرائيلية وان بلاده لا تسعى من خلال تلك البرنامج الا لاغراضها السلمية. وتزايدت خلال تلك الفترة الحملة الاعلامية ضد ايران، فقد صدرت عن قائد سلاح الجو الاسرائيلي في 15/6/1992م بأنه يجب ايجاد الظروف السياسية والعسكرية من اجل الحيلولة دون تسلح دول المنطقة نوويا، وذكر الجنرال الاسرائيلي ان ايران في طريقها لان تصبح تهديدا ولكن عندما يتأكد من قدرته على تهديد وجود اسرائيل فانه سيتحرك بالتأكيد. وقال "سنبادر لمنع هذه الدول من امتلاك السلاح النووي بالوسائل السياسية ان لم يؤت الاولى ثمارها" وذلك القول يعبر عن مضمون التهديد باستخدام القوة العسكرية على غرار ما حدث للمفاعل النووي العراقي »تموز« الذي قصفته الطائرات الاسرائيلية في السابع من حزيران/يونيو عام 1981.
وفي اعقاب انهيار الاتحاد السوفييتي تواصلت تلك الحملة الاعلامية ضد ايران من جديد وذلك باستثمار تفكك الاتحاد السوفييتي حيث اثير ان ايران بصدد الاتفاق مع جمهوريات الاتحاد السوفييتي المسلمة والتي تمتلك السلاح النووي، ولذلك سربت دوائر الاستخبارات الغربية معلومات عن شراء ايران ثلاث قنابل نووية، ونشرت صحيفة شيترن الالمانية نقلا عن مصادر استخبارية ان ايران حصلت على رأسين نوويين ونظام لاطلاق الصواريخ المتوسطة من جمهورية كازاخستان، الا انه وباستعراض تلك الحملة الاعلامية يتضح ان تلك المعلومات ليست مستندة على حقائق وادلة ملموسة بل هي مجرد مجموعة من التكهنات والشكوك الهدف منها حرب نفسية على ايران لايقاف مساعيها النووية والحد منها. المنشأت النووية الايرانية وتتركز المنشآت النووية الايرانية في عدة مواقع منها طهران واصفهان اللتان يوجد بهما محطات بحوث، وهناك منجم لليورانيوم في صفند وشاغنهانذز كما توجد مجمعات بحوث يورانيوم في ناتانز ومعلم كلايه، وهناك مفاعلات نووية في بوشهر على الخليج العربي واراك (ورشة القطران) في مدينة خونباد لمقاطعة اذربيجان في الشمال ويتخصص في انتاج الماء الثقيل كذلك هناك مواقع مزعومة تدرجها الدوائر الغربية كمحطة كاراج التي يعتقد انها لتخصيب اليورانيوم.
وجميع هذه المنشآت النووية في ايران قد خضعت لتفتيش الوكالة الدولية للطاقة الذرية سابقا واكدت الوكالة انها لا تخضع للاغراض العسكرية، ففي عام 1992 زار فريق من الوكالة الدولية ايران وقام بإجراء التفتيش على ستة مواقع.
واكدت التقارير ان تلك التفتيشات كانت ايجابية، وفي عام 1993 زار فريق آخر ايران واجرى تفتيشا لثلاثة مواقع مشكوك فيها ولكن الوكالة لم تجد ما يثبت ارتكاب ايران لاية مخالفات بخصوص معاهدة الحد من انتشار الاسلحة النووية، ولكن مع ذلك لم يتسن لفريق التفتيش الحصول على عينات التربة والذرات الموجودة في تلك المنشآت الايرانية.
وتفاعلت الازمة من جديد بين ايران والولايات المتحدة في اعقاب الحرب على العراق مباشرة، ففي حزيران/يونيو الماضي افاد تقرير صادر عن الوكالة الدولة للطاقة الذرية ان ايران لم تلتزم بتعهداتها تجاه برنامجها النووي، كما انها لم تبد تعاونا كافيا مع الوكالة حيث انها لم تفصح عن موقع معالجة الوقود النووي مما اثار حملة اعلامية جديدة، وبدرجة اشد مما كانت عليه في تسعينيات القرن الماضي، وبالتالي فقد اوجد ذلك التقرير موطئ قدم للولايات المتحدة للتحرك من جديد لمواصلة ضغوطها على ايران وعلى الوكالة الدولية ايضا، مما دفع الوكالة بمطالبة ايران بالتوقيع على الاتفاقية المذكورة والذي سيسمح للوكالة باجراء تفتيش مفاجئ ومباغت للمنشآت المشتبه بها كما نفت طهران اي شروط مسبقة للحوار مع الاتحاد الاوروبي بخصوص العلاقات التجارية وتوافد شركات اوروبية للاستثمار في ايران، وفي سياق هذه الحملة افادت مصادر في كوريا الجنوبية انه تم اكتشاف طائرة شحن ايرانية وهي تحمل حاويات من كوريا الشمالية يشتبه فيها المحللون انها كانت رحلة تسوق لصواريخ بالستية او مكوناتها، وافادت صحيفة كورية جنوبية ان الطائرة تم رصدها 6 مرات في مطار سونان في بيونغ يانغ منذ نيسان/ابريل الماضي ويحتمل ان تكون شحنة صواريخ رونغ كما ذكر ممثل اميركا في الوكالة الدولية ان برنامج ايران يثير قلقا كبيرا، وبدورها رفضت ايران ما تردد من اتهامات واكدت التزامها بتعهداتها كما افاد الرئيس الايراني خاتمي ان ايران لا ترى اية مشاكل في التفتيش المفاجئ وتوقيع الاتفاقية الملحقة للمعاهدة ولكنها تحتاج الى تأكيدات بأنه لن يكون هناك سوء استخدام سياسي بعد ذلك في اشارة الى ان ايران لن تقبل بأية تنازلات اخرى كما انها تطالب بحقوقها قبل الموافقة على عمليات التفتيش المفاجئة والمتمثلة في رفع القيود عن التكنولوجيا النووية، كذلك ورد تقرير اخباري اسرائيلي عبر صحيفة "هاأرتس" يفيد بأن المشروع الايراني اصبح في مرحلة متقدمة متطرقا الى بعض المعلومات بشأن ذلك البرنامج الايراني، ومؤخرا ذكرت روسيا انها لن تزود ايران بالوقود ما لم تسمح ايران بتفتيش اكثر تشددا وصرامة وعلى ضوء ذلك اتهمت ايران الولايات المتحدة بشن دعايات مغرضة وانها اعتمدت على معلومات خاطئة بشأن برنامج ايران النووي كما ذكر رئيس منظمة الطاقة الذرية الايرانية ان طهران لن تسمح للوكالة الدولية بالحصول على عينات من البيئة المحيطة بمحطة كهرباء "كالايا" التي تعمل بالطاقة النووية، ويعتقد الخبراء ان ايران تستخدم المحطة لبناء مكونات لاجهزة الطرد المركزي المستخدمة في صناعة السلاح النووي، ودعا محمد البرادعي مؤخرا ايران الى التوقيع على الاتفاقية الملحقة والسماح بإجراء تفتيش دقيق وشفاف لامكانية رفع القيود عن ايران بشأن الملف النووي.
وسواء جاء او ذهب البرادعي ، او قبلت ايران بالشروط ام لم تقبل فان مصير طموحاتها النووية في طريقه للزوال، ومهما حاولت ايران ان تقول او تصرح حول برامجها، فان البرنامج كله مخصص لانتاج السلاح النووي على الاقل من وجهة النظر العلمية المحضة، فلا يعقل ان بلدا بحجم ثروة ايران النفطية الرخيصة يبني مفاعلات غالية الثمن ونادرة التقنية وخطرة الصيانة من اجل انتاج كهرباء يمكن ان تنتجها بالديزل المتوفر عند الايرانيين بربع الثمن وبكميات ضخمة. يحاولون اقناع العالم بأن اليورانيوم المخصب لن يذهب لبناء ترسانة من القنابل النووية وهو امر للمغفلين ان يصدقوه فقط. فعلى سبيل المثال ان تايلاند تنتج من الطاقة الكهربائية عشرة اضعاف حاجة ايران منها لتغطية استهلاكها المحلي، بدون استخدام مفاعلها النووي الصغير في ناكون نايوك في شمال غرب العاصمة بانكوك.
ان من السذاجة بمكان اذا فكرت طهران بأن ملفها النووي فتح ليقفل بمجرد ان تبدي الأخيرة "حسن سلوك" مع المجتمع الدولي! فالملف النووي الايراني فتح ليبقى مفتوحاً الى ان تتمكن أقوى دولة نووية في العالم ومعها الدولة النووية الوحيدة في الشرق الأوسط الى تغيير الطبيعة "الاسلامية" للجمهورية الايرانية واعادتها ما امكن الى التاج الاميركي شاهنشاهية كانت أم "جمهورية موز". وحادث القوارب البريطانية بداية لمحاولات التحرش العملية التي سوف تتصاعد لاستفزاز ايران وتوريطها في تصرف لا يقبله المجتمع الدولي فيكون مبررا لفرض العقوبات وانهاكها اقتصاديا، وفيما ادى النفط الكويتي والسعودي دوره خلال سنوات العقوبات على العراق، وحينما انتهى النفط العراقي للوقوع تحت السيطرة الاميركية، فسوف تلجا الولايات المتحدة الى دفع ودعم زيادة الانتاج النفطي العراقي لتغطية متطلبات الحرب والاحتلال واعادة البنى التحتية، ولابد من ايقاع احد المنتجين للنفط تحت وابل العقوبات التخديرية لكي يتم تسهيل عملية عزل الشعب عن قيادة الدولة ثم توجيه الضربات المطلوبة، بلا شك ان الولايات المتحدة لن تبني تحالفا لاحتلال ايران او خوض حرب ضدها، لكنه ايضا سائرة الى اختزال اسلوب وطريق تلك القيادة وتسخيرها لخدمة "الشيطان الاكبر" سواء أشاءت ام ابت. عصام البغدادي