ايران وتحدي العباءة النجفية

زيارة مصطفى الكاظمي لطهران ولقائيه مع خامنئي وروحاني تكشفان انّ "الجمهورية الإسلامية" لم تتخلّص بعد من كلّ اوهامها العراقية.


من الواضح ان لا عداء عراقيا لإيران لكنّ لا رغبة بالرضوخ لها


لا تزال ايران تعاني من عقدة "تصدير الثورة" التي نادى بها خميني


هل في ايران من هو مستعدّ للارتقاء الى مستوى الاحداث الاقليمية الخطيرة والتعاطي معها بتعقّل

لا يمكن تجاهل اهمّية ايران بالنسبة الى العراق، وذلك بغض النظر عن كلّ سلبيات العلاقة بين البلدين في السنوات الستين الماضية، منذ الانقلاب العسكري الدموي الذي أطاح النظام الملكي في العراق في الرابع عشر من تمّوز – يوليو 1958. كان ذلك آخر يوم ابيض يشهده العراق منذ نشأته.

هناك مصلحة مشتركة في قيام علاقات طبيعية، بل اكثر من طبيعية بين البلدين الجارين. الحاجة قبل كلّ شيء الى علاقة متوازنة بين بلدين يتمتع المسؤولون فيهما بحدّ ادنى من النضج بعيدا عن الانفعالات والرغبة في الانتقام وتصفية الحسابات القديمة، بما في ذلك حرب السنوات الثماني.

تتحمّل ايران المسؤولية الأكبر عن اندلاع تلك الحرب، على الرغم من ان العراق، في عهد صدّام حسين، كان المبادر الى الهجوم. كان للاستفزازات الإيرانية دورها في جعل صدّام يقدم، كما عادته، على رد فعل يتسّم بالارتجال والانفعال والعشوائية والعنف بدل اللجوء الى العقل والى معالجة سياسية لموضوع في غاية الخطورة، هو موضوع شعار "تصدير الثورة". لا تزال ايران تعاني الى الآن من عقدة "تصدير الثورة" التي نادى بها مؤسس "الجمهورية الإسلامية" آية الله الخميني الذي لم يدرك يوما انّ ليس لدى ايران ما تصدّره باستثناء ميليشيات مذهبية واثارة للغرائز.

باتت ايران الدولة الأولى التي يزورها رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي بعد تشكيل حكومته. كان مفترضا ان يبدأ جولاته الخارجية بالسعودية، لولا اضطرار الملك سلمان بن عبدالعزيز الى دخول المستشفى فجأة لاجراء جراحة استئصال المرارة. ارتدت الزيارة اهمّية خاصة نظرا الى انّها ستكشف هل هناك في ايران من هو مستعدّ الى الارتقاء الى مستوى الاحداث الخطيرة التي تشهدها المنطقة والتعاطي معها بمزيد من التعقّل بدل تجاهل الواقع الجديد. يتمثّل هذا الواقع بالحاجة الى استيعاب لمعنى ان هناك إدارة أميركية مختلفة اتخذت قرارا بفرض عقوبات على ايران.

هذا القرار الاميركي بمواجهة ايران ومشروعها التوسّعي ليس قرارا مرتبطا بإدارة دونالد ترامب بمقدار ما انّه مرتبط بسياسة اميركا والمؤسسة العسكرية والأمنية. هذه السياسة مستمرّة حتّى لو لم يعد ترامب الى البيت الأبيض في ضوء نتائج انتخابات تشرين الثاني – نوفمبر المقبل. معنى ذلك، ان الرهان على تغيير ترامب ليس رهانا بمقدار ما انّه وهم من الأوهام يشبه الى حد كبير وهم "تصدير الثورة" الذي نادى به الخميني والذي أوصل ايران الى العزلة التي وصلت اليها والتي جعلتها ترتمي اخيرا في الحضن الصيني.

زادت اهمّية ايران بالنسبة الى العراق منذ العام 2003 عندما اتخذت إدارة جورج بوش الابن، بسبب جهلها بالمنطقة او ربّما لاسباب خاصة بها، تسليم العراق على صحن من فضّة الى ايران. كانت تلك فرصة اتاحتها اميركا لإيران التي تصرّفت تصرّف الوصيّ على العراق. تجاهلت كلّيا ان العراقيين ليسوا مستعدين لان يكون بلدهم مستعمرة إيرانية.

ما يظهر واضحا في السنة 2020 ان ايران التي ما زالت تحلم بنجاح مشروعها التوسّعي ترفض إقامة علاقات متوازنة مع العراق، علاقات تأخذ في الاعتبار ان ذلك يصبّ في مصلحة البلدين اللذين يمرّان في ظروف في غاية الصعوبة. تفرض هذه الظروف، اوّل ما تفرضه، نقلة نوعية في كيفية التفكير في طبيعة العلاقات العراقية – الإيرانية. يظهر من زيارة مصطفى الكاظمي لطهران ولقائيه مع "المرشد" علي خامنئي ومع رئيس الجمهورية حسن روحاني انّ "الجمهورية الإسلامية" لم تتخلّص بعد من كلّ اوهامها العراقية. كلّ ما حاول رئيس الوزراء العراقي عمله هو حمل "الجمهورية الإسلامية" على التصالح مع الواقع. أي ان تتصالح مع نفسها اوّلا ومع العراق ثانيا ومع موازين القوى في العالم ثالثا وأخيرا.

كانت زيارة مصطفى الكاظمي تحدّيا بالنسبة الى ايران، خصوصا انّها أتت معها برموز كثيرة من بينها العباءة النجفية التي حملها رئيس الوزراء العراقي كهديّة الى خامنئي. تحدّت العباءة ايران. من يسمع هشام داوود مستشار رئيس الوزراء العراقي يفسّر معنى تلك الهدية، يكتشف ذلك التوق العراقي الى استعادة العراق. ففي حديث ادلى به الى فضائية "الحرّة"، اعطى هشام داوود تفسيره لمعنى هدية اسمها العباءة النجفية. قال بكل بساطة ان من لديه مثل هذا العباءة لا يحتاج الى عباءة أخرى. ما لم يقله ان العراق هو العراق وأنّه لا يحتاج الى عباءة إيرانية من ايّ نوع.

يبحث العراق عن تموضع جديد في المنطقة والى استثمارات خليجية عربيّة. يدرك ان وضعه الاقتصادي في غاية السوء وانّ لديه أولوياته التي لا تتفق بالضرورة مع الأولويات الإيرانية. من الواضح ان لا عداء عراقيا لإيران، لكنّ لا رغبة في الوقت ذاته في الرضوخ لها.

بين 2003 و2020، تغيّرت أمور كثيرة بين العراق وايران. في النهاية، لا تزال لإيران اذرعها الكثيرة في العراق، لكنّ الذي تبيّن مع مرور الزمن انّ من الأفضل لها التوقّف عند حدود معيّنة وان تفكّر في انّها لن تتمكن في يوم من الايّام من وضع يدها على العراق. صار العراق بلدا فقيرا. انّه بلد مدمّر يتكل على النفط ولا شيء آخر غير النفط. جرت منذ العام 2003 عملية نهب منظّمة لعائدات العراق من النفط. شاركت في هذه العملية اذرع ايران في العراق... مع آخرين. لم يعد هناك الآن ما يمكن نهبه. تستطيع الدولة العراقية بالكاد دفع رواتب موظفيها.

ليس لدى ايران ما تقدّمه الى العراق وليس لدى العراق ما يعطيه الى ايران. هذا عائد بكل بساطة الى انّ ايران فشلت في ان تكون قوّة اقتصادية، فيما فشل العراق في إقامة نظام قابل للحياة منذ سقوط نظام صدّام حسين. الأكيد ان نظام صدّام لم يكن من النوع الذي له علاقة بالعصر وما يدور في المنطقة، لكنّ المستغرب ان يكون الوضع العراقي ساء الى درجة انّه بات هناك من يترحّم عليه حاليا، خصوصا بعد انتشار الفساد بطريقة لا شبيه لها في أي بقعة من بقاع الأرض بعد العام 2003.

هل ترتفع ايران الى مستوى التحدي الذي جاءت به زيارة مصطفى الكاظمي والعباءة التي حملها كهديّة؟ مثل هذا الامر لا يزال مستبعدا في غياب قدرة المتحكمين بـ"الجمهورية الإسلامية" على التصالح مع الواقع، مع الإيرانيين اوّلا ومع انّ العراق هو العراق وايران هي ايران.