ايران والاتحاد السوفياتي... واليمن

ستحتاج إدارة بايدن الى مزيد من الوقت لتكتشف انّ الحوثيين استثمار إيراني في اليمن لا اكثر.


كل رهان على خروج الحوثيين من اجندة ايران، أقله في المدى المنظور، رهان فاشل


لماذا استطاع الحوثيون التحول الى الرقم الصعب في المعادلة اليمنية مستفيدين من كل التناقضات؟


قبل سبع سنوات من الان بدأ الزحف الحوثي نحو صنعاء ولم يتصد له الرئيس المؤقت رغم نصائح علي عبدالله صالح

تكشف الهجمات المستمرّة التي يشنّها الحوثيون (انصار الله) في كلّ انحاء اليمن، مع تركيز خاص على مدينة مأرب، مدى تعلّق ايران بالبقاء في اليمن. تعتبر ايران اليمن استثمارا رابحا استطاعت من خلاله إيجاد موقع لها في شبه الجزيرة العربيّة بكلفة قليلة نسبيا. نجحت، اقلّه الى الآن، حيث فشل الاتحاد السوفياتي سابقا. استطاع الاتحاد السوفياتي إيجاد موطئ قدم في ما كان اليمن الجنوبي. غيّر نظام الحكم فيه بعد استقلاله عن بريطانيا في العام 1967 بعد انقلابات متلاحقة. سعى من خلال الانقلابات التي توجت بان اصبح اليمن الجنوبي "جمهورية اليمن الديموقراطيّة الشعبيّة"، في ظل نظام الحزب الحاكم (الحزب الاشتراكي)، الى ان يكون قادرا على ممارسة ضغوط في اتجاه الدول العربيّة الخليجيّة من جهة وكلّ منطقة القرن الافريقي من جهة أخرى.

عزّز الاتحاد السوفياتي وجوده في بلد قريب من منابع النفط في دول الخليج العربي. اصبح ميناء عدن، الذي كان في مرحلة معيّنة من اكبر موانئ العالم بمثابة قاعدة سوفياتية. عزّز وجوده اكثر بعد ان اصبح في اثيوبيا التي بقيت طويلا جرما يدور في الفلك السوفياتي في عهد منغستو هايلي مريم. وحدها الايّام ستكشف هل سيكون حظ "الجمهوريّة الاسلاميّة" في اليمن افضل من حظّ الاتحاد السوفياتي. لكنّ الثابت الى الآن انّ ليس في الإمكان الاستخفاف بما حقّقته ايران في اليمن عبر الحوثيين الذين يسيطرون على صنعاء منذ 21 أيلول – سبتمبر 2014... كما يسيطرون على ميناء الحديدة.

ليس ما يدلّ على اهمّية اليمن بالنسبة الى ايران اكثر من الصواريخ والطائرات المسيّرة التي تطلق يوميا في اتجاه الأراضي السعودية من اجل اثبات ان اليمن بات قاعدة صواريخ ايرانيّة. ليست الصواريخ الإيرانية رسائل الى المملكة فحسب، بل هي ايضا رسائل واضحة الى الإدارة الأميركية التي بات مبعوثها الى اليمن تيموثي ليندركينغ يقول ان الحوثيين موجودون كأمر واقع في ايّ مفاوضات مقبلة في شأن مستقبل اليمن. الحوثيون موجودون على الأرض. هذا امر لا يستطيع ديبلوماسي مثل ليندركينغ تجاهله خصوصا انّهم يثبتون وجودهم كلّ يوم بطرق مختلفة.

ليس الموضوع موضوع الاعتراف بالحوثيين، الذين هم جزء لا يتجزّأ من الشعب اليمني، بمقدار ما انّه مرتبط بما حقّقه هؤلاء على الأرض، خصوصا منذ 21 أيلول – سبتمبر 2014 تاريخ سيطرتهم على صنعاء. ما سيكون مهمّا مستقبلا هل سيتمكن الحوثيون من اعلان قيام دولة مستقلّة تقع تحت سلطتهم، أي سلطة ايران، في اليمن... ام سيقبلون بان يكونوا جزءا من صيغة تسوية تشمل اليمن كلّه بشماله وجنوبه ووسطه؟

من الواضح، ان الحوثيين ينفّذون اجندة ايرانيّة في اليمن. كلّ رهان على خروجهم من هذه الاجندة، أقلّه في المدى المنظور، رهان فاشل. الامر الوحيد الذي يمكن ان يجعلهم يعيدون النظر في مواقفهم، تغيير جذري ذو طابع عسكري في موازين القوى. هذا ليس واردا في المفهوم الأميركي. الامر الوحيد الوارد في هذه الأيّام منع "انصار الله" من دخول مدينة مأرب ومحيطها في انتظار بلورة صيغة التسوية التي لا مفرّ من ان تأخذ في الاعتبار كلّ مكونات التركيبة اليمنيّة بتعقيداتها الكثيرة وابعادها المختلفة.

في انتظار صيغة التسويّة، التي قد ترى النور يوما كما قد لا تراه، من المفيد معرفة لماذا استطاع الحوثيون التحوّل الى الرقم الصعب في المعادلة اليمنيّة مستفيدين من كلّ التناقضات؟

كان الحوثيون المستفيد الاوّل من الانقلاب الذي نفّذه الاخوان المسلمون على عدوّهم الاوّل علي عبدالله صالح الذي ما لبثوا ان غدروا به في الرابع من كانون الاوّل – ديسمبر 2017. الثابت ان علي عبدالله صالح كان وراء بروز الحوثيين في البداية عندما احتاج الى ما يوازن به الاخوان المسلمين والحركات الاسلاميّة المتطرّفة الأخرى بعد حرب صيف 1994 مع الحزب الاشتراكي اليمني. افتقد الرئيس الراحل، بعد حرب 1994، لعبته المفضّلة القائمة على التفرج على خصومه يتناطحون في ما بينهم مكتفيا بلعب دور الحكم. لذلك، فتح للحوثيين الذين سمّوا نفسهم في البداية "الشباب المؤمن" خطا مع ايران. اكتشف متأخّرا ان ولاء هؤلاء صار لـ"الجمهوريّة الاسلاميّة"، فخاض معهم ست حروب بين العامين 2004 و2009.

بقي الحوثيون محصورين في منطقتهم (صعدة وجوارها) الى ما قبل 2011 عندما استغلّ الاخوان المسلمون "الربيع العربي" للتآمر علي عبدالله صالح. عمل هؤلاء، منذ التخلّص من علي عبدالله صالح، على التوسّع في كلّ الاتجاهات. لعبوا كلّ اوراقهم بدهاء ليس بعده دهاء مستغلّين سذاجة الرئيس المؤقت عبد ربّه منصور هادي الذي كان لديه هاجس علي عبدالله صالح في كلّ وقت والخوف من الاخوان المسلمين بين حين وآخر.

في مثل هذه الايّام، قبل سبع سنوات بدأ الزحف الحوثي في اتجاه صنعاء. لم يتصدّ له الرئيس المؤقت الذي كان يسيطر على الجيش، على الرغم من نصائح علي عبدالله صالح. كان ملخّص النصائح انّه اذا لم يتوقف تقدّم الحوثيين في محافظة عمران، ستكون صنعاء في متناولهم.

في رحلتهم من صعدة الى صنعاء، التي احتاجت الى نحو شهرين، غيّر الحوثيون مفاهيم يمنيّة كثيرة. من بين ما غيّروه التركيبة القبليّة في شمال اليمن. قضوا على آل الأحمر، زعماء حاشد واحتلّوا بيوتهم او هدموها. قضوا أيضا على نفوذ الاخوان المسلمين في المؤسسة العسكرية عندما اسقطوا اللواء 310 في محافظة عمران واغتالوا، عن سابق تصوّر وإصرار، قائده العميد حميد القشيبي!

انطلاقا من صنعاء بنى "انصار الله" قاعدة قويّة وثابتة. صحيح أنّ التحالف العربي اخرجهم من عدن والمخا، أي منعهم من السيطرة على مضيق باب المندب، لكنّ الصحيح أيضا انّ الحوثيين صاروا جزءا من المعادلة اليمنية مستقبلا. هل هم يمنيون ام هم في خدمة ايران؟ هذا هو السؤال الكبير الذي سيطرح نفسه. هذا هو اللغز الذي يواجه المبعوث الأميركي تيموثي ليندركينغ الذي يسعى الى اكتشاف اليمن وخباياه. سيحتاج الى مزيد من الوقت ليكتشف انّ الحوثيين استثمار إيراني في اليمن لا اكثر وانّ على الإدارة الأميركية الجديدة اخذ ذلك في الاعتبار في حال كانت تريد بالفعل التعاطي بجدّية مع الموضوع اليمني بتعقيداته التي يصعب تعدادها.

لم يخرج الاتحاد السوفياتي من اليمن الجنوبي قبل ان تظهر بوادر على انهياره من داخل في العام 1986. هل من امل في ظهور بداية انهيار داخلي في ايران للكلام عن احتمال خروجها من اليمن يوما؟