ايران نووية.. مقبرة للحلم القومي العربي

بقلم: نبيل عودة

في مجموعة من التساؤلا ت الملحة على الواقع العربي، التي طرحها الأستاذ محمد بن سعيد الفطيسي، الكاتب والباحث في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية، باطار "منتديات المعهد العربي للبحوث والدراسات الإستراتيجية".. والتي وصلتني عبر البريد الألكتروني للمشاركة في رأيي بهذا الموضوع البالغ الأهمية والخطورة على احداثيات الشرق الأوسط، والعالم العربي خاصة، رأيت من المناسب ان أنشر مواقفي أيضا خارج اطار الحوار في المنتديات، لعلها تكون دافعا لنقل هذا الحوار الهام الى مركز الصدارة في القضايا التي تشغل الفكر العربي والاستراتيجيات السياسية العربية المعاصرة. اذ ان ما ألمسه هو غياب الدور العربي من القلق الدولي حول المشروع النووي الايراني.

الاستاذ محمد بن سعيد طرح مجموعة من التساؤلات الافتتاحية، كتب: "الكثير منا يتشكك في توجهات الجمهورية الاسلامية الايرانية وطموحاتها في الخليج العربي والعراق، يدفعهم لذلك الشعور، سنوات من التجارب السياسية والثقافية والعسكرية والتاريخية المشؤومة معها، هذا بالاضافة الى عدد من الامتدادات الايديولوجية والفكرية، وأغلبنا لا يصدق الكثير من تصريحات المسؤولين الايرانيين في اغلب الاوقات، وخصوصا تلك التي تدعي المساعي الطيبة الحميدة تجاه الشعوب والدول العربية والخليجية خصوصا".
وأضاف: "ماذا سيفعل الايرانيون بالدول العربية والخليجية خصوصا لو امتلكت ايران السلاح النووي؟ اليست توجهاتها في العراق والخليج اكبر دليل على مقاصدها السيئة؟ اليس الفارق الشاسع في التعامل الفكري والهوة الثقافية مدعاة للخوف منها؟".
ويتساءل: "اليست ايران دولة اسلامية؟ اليس امتلاك الجمهورية الاسلامية الايرانية للسلاح النووي في حال حصل ذلك قوة للاسلام والمسلمين؟ اليس للايرانيين الحق الشرعي والسياسي والامني في الدفاع عن انفسهم ضد اي اعتداء على سيادتهم، ولو كان ذلك على حساب الاخرين؟ وخصوصا ان العرب الى الان غير قادرين على اتخاذ قراراتهم، والتخلص من التبعية للغرب؟ اليس الحكم الفارسي للخليج والاحتلال الايراني للعرب ارحم بكثير من الاحتلال الاميركي والغربي، وخصوصا كون ايران دولة اسلامية؟
أسئلة محمد بن سعيد تصيب كبد الواقع المركب والمتداخل بشكل يجعل الرؤية السياسية تقع تحت ضغوطات ومشاعر قد تلغي المنطق، وهو ما نلمسه في معظم المداخلات التي كتبها ويكتبها العديد من أصحاب الرأي العرب.
موقفي حول الموضوع ليس جديدا، طرحته سابقا ورأيت ان سباق ايران للحصول على السلاح النووي سيكون كارثة أيضا للشعب الايراني الذي يعاني من مشكلات اقتصادية عويصة، ومن واقع اجتماعي مريع في تخلفه، ولن يكون السلاح النووي وسيلة لرفع مكانة المواطن، وتحرير حقوقه المصادرة من الجهاز الكهنوتي الايراني. وبالطبع هناك جوانب أخرى رايت أن أطرحها في مداخلتين وهذا نصهما:
( 1 )
الويل للشعوب العربية، بظل العجز المريع لدولها والتخلف الشامل في كل مرافقها.. اذا امتلكت ايران السلاح النووي.
أولا، ستجدد المشروع الفارسي التاريخي.
ثانيا، ستصل ايران فورا الى صفقة مع الغرب تضع الشعوب العربية ودولها بين مطرقة اسرائيل وسدان ايران .
ثالثا، ستزداد تبعية الدول العربية السياسية.
رابعا، ستفقد الدول العربية وشعوبها بالتالي مكانتهما المتقدمة في منطقة الشرق الأوسط لتحتلها ايران.
خامسا في حالة استمرار الصراع الايراني الاسرائيلي – الغربي (مع اني ارى ان ايران ستكون صاحبة مصلحة بتسوية علاقاتها مع اسرائيل والولايات المتحدة واطلاق يدها في منطقة الخليج والشرق الأوسط عامة) ستحول ايران المناطق العربية المحاذية لاسرائيل الى بوز مدفع في صراعها، والثمن ستدفعه الشعوب العربية، ولبنان أمامنا يشكل نموذجا حيا ومأساويا لشعبه.
سادسا، ايران قادرة على تحويل الأسواق العربية الى مزرعة لها، خاصة امام العجز في الابحاث العلمية والتطويرية في العالم العربي، وامام تضعضع وضع التعليم والعلوم وقد تصبح ايران قبلة لهجرة العقول العربية.
واقع العالم العربي اليوم يشبه واقع تركيا في الحرب العالمية الاولى – (رجل العالم المريض). مجتمع مريض لا ينفع معه العلاج بالمسكنات. ولن تكون البدائل العربية "أتاتوركية".. بل ظلامية تقضي على جذور أي انتماء قومي عربي. وهو انتماء يعاني اليوم من تفكك وموات بفضل الفكر الأصولي الذي يرى بالانتماء الديني الأصل، ولا يعترف باي صيغة قومية، كذلك بسبب فشل المشروعين القومي والماركسي، ولكنه موضوع آخر.

الفكرة القائلة ان ايران دولة اسلامية.. وامتلاكها للسلاح النووي سيكون لصالح الاسلام والعرب، هو أشبه بحوار في مستشفى للمجاذيب.
ايران ستدعم الحركات الشيعية الانفصالية، وتنمي الاسلام الشيعي السياسي وتعمل على اتساع سيطرة الأصولية الشيعية (اسوة بما كان في جنوب لبنان، وما زال الخطر في وقوع انقلاب شيعي مطروحا) وسيدخل العالم العربي الى عصر جليدي (ايراني) طويل جدا .
المأساة في المنظر السياسي العربي هو الغياب الكامل لاستراتيجية عربية... وتحول توريث السلطة الى الهدف الأسمى.. واستمرار حالة الطوارئ في الدول العربية المركزية وحالة القمع التعسفي والفساد في الأنظمة، وغياب اي تخطيط اقتصادي علمي تطويري لمجمل مرافق الحياة في العالم العربي.. والهام أيضا، عدم وجود نظام عربي مبني على استقلالية مؤسسات الدولة والرقابة والمحاسبة.
في ظل هذا الوضع.. حتى اللغة العربية ستنتهي صلاحيتها التداولية. ولا أعرف اذا كان سيتبقى من مرتكزات للفكر القومي العربي .
( 2 )
تجردوا مرة واحدة من المؤثرات الدينية التي تضللكم.
موضوع ايران لا علاقة له بالاسلام والمسلمين وعزة الاسلام والمسلمين.
في ايران يسمي الشعب الايراني شيوخه وأئمته "بالعرب" احتقارا لهم. هناك تراجع هائل في كل ما يتعلق بالانتماء الاسلامي.. هناك عودة واضحة للفارسية.. وتنامي في الاطماع الأقليمية في الخليج العربي، حيت تحتل ايران جزرا عربية، وأطماع بأرض العراق، أو جعله دولا يتبع بعضها نظام طهران. عمليا القضاء على امكانيات العراق التي كانت تبشر بنهضة عربية يحسب لها الحساب. وربما تنظر لفرض سيطرتها وسطوتها على نفط السعودية وسائر دول الخليج.

لم يثبت ان السياسة تبنى على قواعد دينية. بل اشد الاعداء لبعضهم هم المنتمون لنفس العقيدة. هل نسينا حرب المجاهدين الأفغان بالمجاهدين الأفغان؟ لا اريد الحديث عن التكفير والكراهية بين السنة والشيعة وحرمان الأقليات منهم من كافة حقوقهم المدنية والانسانية. ولا اتحدث عن المسيحيين.. بل عن المسلمين .
السياسة تحكمها مصالح لا علاقة لها بالدين. تقررها المصالح الكونية المتعددة: مناطق نفوذ، أمن قومي، اقتصاد، أطماع جغرافية لتعزيز الوضع الاستراتيجي للدول.. فتح أسواق واخضاعها لمصالح اقتصادية للدولة المتنفذة.. تبوء مكانة دولية على خارطة السياسية والقرار الدوليان..
"اسلام" ايران هو أفضل آلية سياسية لاخضاع العالم العربي وسحقه... السؤال، هل يتصرف النظام الايراني كنظام اسلامي؟
الاسلام الايراني مجرد آلية أخرى في تنمية النفوذ والقدرة على الامتداد ورفع مكانة المصالح الاستراتيجية الايرانية .
أين غابت الرؤية القومية العربية؟
أين تلاشت فكرة الدولة العربية القومية الموحدة؟
أين ذهب مشروع جمال عبد الناصر لبناء الدولة القومية الجبارة المتطورة وذات الكلمة الحاسمة في عالم لا يحترم الضعفاء.
هل تظنون ان ارتباط اميركا باسرائيل، هو مجرد عشق او تأثير يهود أميركا؟
ما أسخفكم اذن .
ابحثوا عن السب في العلوم التي تطورها اسرائيل.. ابحثوا عن السب في التكنولوجيات والتكنولوجيات الدقيقة التي رفعت اسرائيل الى مقام أهم مصدري الهايتك في العالم... احفظوا هذا الرقم وفكروا بالقوة العلمية والاقتصادية للمؤسسات التي تقف ورائه: 80% من صادرات اسرائيل هو الهايتك!
ابحثوا عن السبب في التطوير الزراعي الذي صارت اسرائيل تشكل افضل خبرة عالمية في مجاله، حتى الصين العظيمة تلجأ الى اسرائيل لتنمية زراعتها، سمعت خبير زراعي اسرائيلي يقول، انه يبني دفيئات مشتركة لتتنمية البندورة الشيري في الصين، وانه يكتفي بأن يأكل كل صيني حبة بندورة واحدة في السنة.
الزراعة أيضا هي مجال استراتيجي هام، يشكل منفذا لزيادة الطعام مئات الأضعاف في نفس مساحات الأراضي. عدا تطوير الثروة الحيوانية والسمكية وتحول اسرائيل الى أهم المصدرين الزراعيين أيضا.
لا اتحدث عن تطوير العلوم العسكرية والتكنولوجيات العسكرية وأقمار التجسس والاتصالات التي تدر على اسرائيل مليارات الدولارات، وتجعلها دولة غنية بدخل قومي اجمالي يصل الى 24 - 25 الف دولار للفرد الواحد بالحساب السنوي.. ولفهم هذا الجانب.. الدخل في سوريا لا يتجاوز ال 400 دولار للفرد الواحد من النتاج القومي الاجمالي ومصر ربما تجاوزت قليلا ال 1500 دولار. وخطة اسرائيل في السنوات العشر القادمة الوصول الى 35 الف دولار.. ونحن نيام !
ستقولون كاتب متصهين.. كما هاجمني كاتب فلسطيني أحبه وأحترمه رغم كل شيء، استاء من النماذج التي أسوقها للمقارنة مع الواقع العربي.. وله عذره ، لأن الحقيقة مؤلمة ويؤلمني حقا واقع شعوبنا العربية.. واقع أنظمتها الفاسدة والمفسودة . واقع غياب وزن سياسي لكلمتها كما كان الحال في فترة عبد الناصر، رغم كل ما يقال من انتقادات حول أخطاء النظام الناصري ، الا انه أعطى للصوت العربي وزنه وهيبته.
الايمان الديني لوحده لن يعطيكم آليات لتطوير الزراعة والصناعة والقضاء على الفقر وتطوير التعليم والعلوم - أضيفوا لصلاتكم شيئا من القطران، هل تغيب عنا هذه المقولة العبقرية لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب؟...
الايمان الواعي يقوي ارادتكم، اما الايمان المغلق فيعطيكم أفاقا نصية جميلة ووعودا بالجنة للخاضعين لفساد اولي الأمر.. يعطيكم زغلول النجار واعجازاته العلمية التي لا يستطيع ان ينفعنا منها باعجاز نصنع بواسطته مسبحة من التي يشتريها حجاج بيت الله في مواسم الحج ، من صناعة الصين أو جاراتها.
اليس من العار على دولنا "الوطنية الثورية" أن تتخلف في مجال العلوم والتعليم والقضاء على الامية والغرق في البطالة كآفة اجتماعية لا علاج لها تقود الى هجرة أفضل العقول العربية؟ وتريدون مواجهة ايران أو اسرائيل؟
بئس تفكيركم!
بئس مصيركم!
ماذا بنت دولنا القومية ـ أكثر من سجون الرأي؟
لماذا يقبع أفضل المفكرين العرب في السجون أو يختارون العواصم الاوروبية لحريتهم الشخصية والفكرية؟
أمامكم نموذج من غير المريح الحديث عنه.. اسرائيل (7 مليون).. يعجز 340 مليون عربي عن اقناعها بقبول خطة سلام عربية تعطيها كل مطالبها، أكثر مما تعطي للفلسطينيين. وهي الخطة السعودية التي ربما صيغت تفاصيلها في واشنطن .
فكيف الحال اذا صرنا باسرائيل أخرى من ورائنا؟
المشكلة ليست فقط ايران النووية. المشكلة أين النظام العربي القادر على مواجهة التحديات. أين الاستراتيجية العربية لبناء توازن في القوة الأمنية للعالم العربي أمام التحديات الرهيبة في العالم والمنطقة العربية؟
أموال لا تنقص .. وعقول لا تنقص .. ولكن لا توجد ارادة.. لأن الأهم هو توريث السلطة .
هنا انا في حزن كبير ورؤية سوداوية بلا أي مصدر للضوء في آخر النفق.
أجل سيبقى لكم دينكم.. لن يصادره منكم أحد. ستبقى لكم فتاوي الرضاعة.. وفتاوي الميكي ماوس وفتاوي البول وفتاوي خطر استعمال اليد اليسرى بالطعام، وسيبقى لكم ذلك المخبول السعودي الذي يصف حوريات الجنة ويدخل باورغيا بالبث الحي والمباشر.. وبالطبع ستبقى لكم "الاعجازات العلمية" لزغلول النجار وسائر الهراطقة.. ليبقى عقلنا في متاهة الماضي.. يتفاخر بالأجداد ويعيش حاضره مخدرا منغلقا امام ما يدور قرب بيته، مما قد يعيده الى خيمة في الربع الخالي .
سلاح نووي بيد ايران، واستمرار العجز العربي والتنبلة العربية.. لن يبقى من عزتنا القومية والدينية الا اطلال للبكاء ... نبيل عودة، كاتب، ناقد واعلامي – الناصرة nabiloudeh@gmail.com