اوجاع عراقية بطريقة مسرحية

بقلم: د. محمد حسين حبيب
نحمل مآسينا

تحت شعار "الثقافة نتاج انساني ولصالح المجموع الانساني"، اقامت الجمعية الثقافية المستقلة في محافظة ميسان مهرجان الجنوب المسرحي الثاني وللفترة من 7 – 10 أيلول/سبتمبر 2007 بواقع ثمانية عروض مسرحية من محافظات عراقية عدة جمعها الهم المسرحي والتعبير عن مكابدات الشارع العراقي ويومياته الموجعة عبر تجسيدات مسرحية موحية اعلنت وجع الانسان العراقي الحالي كما اعلنت عن احلامه وامنياته المستقبلية.
اولى هذه المسرحيات كانت بعنوان "الدخيل" لفرقة مذار للمسرح الحديث ومن تأليف مسلم جابر يوسف واخراج خالد علوان وتمثيل مكي حداد وكريم الجنابي، والمؤثرات الصوتية للفنان محمد الرسام، المسرحية كشفت عن صراع البطل مع ذاته، مع ظله الذي تجسد لنا مسرحيا كاشفا عن احلام البطل المؤجلة في الوقت الذي يدين ما يجري حوله من فوضى تراكمية آنية تزداد يوما بعد آخر، فضلا عن التعبير عن الهزائم المتلاحقة الى جانب القصدية في تهميش الاخر ومصادرة رايه، كما يحاول العرض الاشارة الى النزاع والاقتتال بهدف كسب الفرص والتعرض لاصحاب النيات المبيتة ذوات المصالح الخاصة وان كانت على حساب الاخرين وتجاوز تضحياتهم وخساراتهم التي لما تزل مستمرة.. هذا العرض تميز بمؤثراته الموسيقية التي جاءت منسجمة وروح الافكار المطروحة عبر تنقلات منظرية متوالية كان لها الاثر الواضح على ايقاع العرض وتفعيل الراكد فيه.
العرض الثاني كان بعنوان "فوضى" لمعهد الفنون الجميلة في البصرة، تأليف محمد قاسم واخراج عباس حمدان وتمثيل اسامة مهدي ومحمد قاسم وعمار مشتاق، كان اكثر عمقا في الاقتراب من الواقع العراقي الحالي وبطريقة مباشرة حيث تعرضت المسرحية الى تناقص الخدمات والامن والعوز والحاجة الاجتماعية الى الاستقرار فهي السبيل الوحيد لتحقيق احلام شخصيات هذه المسرحية التي استندت على الفراغ المنظري والدلالي مكتفية بالحضور الفيزيقي لشخصيات المسرحية الثلاث وبزي البيجامة الموحد وكانهم في مشفى للمجانين، وبعد استعراض الكثير من الحالات اليومية يتصاعد الحدث الدرامي عند خبر "علاء مات" في احدى التفجيرات، هذه الجملة حولها العرض لفظا الى "علامات" ليوزع الممثلون قصاصات ورقية ملونة على الجمهور بوصفها علامات ترشد ذويهم اليهم في حال تعرض لحادث تفجير او موت مفاجىء نتيجة اي طاريء في الشارع لان طوارئ الموت اصبحت كثيرة في شارعنا العراقي وهذا ما تدينه المسرحية وترفضه بشكل واضح ومباشر. ولعل فكرة العلامات هذه تحيلنا مباشرة الى فكرة الوشم على الجسد التي استشرت في بغداد واخذ يستخدمها بعض العراقيين كي يتم التعرف عليهم من قبل ذويهم في حال تعرضهم لحادث مفاجيء لا سامح الله.
اما العرض الثالث جاء بعنوان "الضباب الاسود" لجماعة فنار للسينما والمسرح، تأليف عبد الستار الربيعي واخراج صلاح الربيعي وتمثيل المخرج نفسه، وهو مونودراما مسرحية يعلن فيها بطلها عن فقدان كل شيء نتيجة النار والدخان او الضباب الاسود القادم من ذلك الآخر الذي يريد سحق البطل وتدميره.. وعبر استذكارات الشخصية لماضيها المتمثل بالاب والام وبطفلته دجلة الرمز الواضح لدجلة النهر فيستحضر البطل اجمل ذكرياته مع دجلة وصولا الى الكشف عن الغرباء الذين يحاولون سرقة طفلته دجلة/النهر فيشتد الصراع ليتخذ مسارا جديدا فيه تحولات مابين الماضي والحاضر.. الماضي في البحث عن الاب بين الاشلاء والحاضر البحث عن الطفلة الامل الباقي وطريق الوصول الى ذلك الحلم الاوحد. وتجدر الاشارة الى اسم دجلة/الطفلة في مسرحية "حظر تجوال" للمخرج مهند هادي الذي كانت قد استثمرت اسم النهر نفسه لطفلة احد بطلي المسرحية وضياعها ايضا حيث اتخذ عرض الضباب الاسود الاستثمار الترميزي ذاته.
ويأتي عرض مسرحية "ومضة" لمجلس الثقافة والفنون في واسط – فرقة مسرح الكوت تأليف واخراج الفنان عماد جاسم وبرؤية درامية مع المخرج والفنان احمد طه، تمثيل عمار شاكر القطبي وخالد مولود سلمان، يأتي هذا العرض ليفتح بابا للمحاورة في ثقافة الاديان والمعتقدات وتنشيط هذه الفكرة وذلك باستعراض محطات من التاريخ وربطها بمحطات الحاضر المختلف والمحمّل بفرضيات وتفسيرات جاءت من اختلاف الراي على وفق المعتقد والانتماء، ولقد نوه خطاب هذا العرض الى مشروعية كل هذه الاختلافات ووجهات النظر شريطة ان لا تكون مرهونه بمصلحة دنيوية ما، لقد حاول مؤلف العرض ومخرجه في ومضته المسرحية هذه ان يخرج من القوالب التقليدية لتاريخنا الاسلامي وان يجادل القالب التقليدي ويخرج عنه، بحسب كلمته في برنامج العرض، رافضا في الوقت نفسه القتل بين بني البشر لاي سبب كان لانهم خلقوا جميعا من تراب واحد وطينة واحدة.
تميز العرض بايقاعه المنضبط والمحسوب على وفق تراتبية المشاهد والمواقف برغم كل التحولات في الزمان والمكان، وكان لدلالة العرض المحورية والرئيسة (المنبر الديني) اثرها الفاعل في ترصين فكرة العرض فضلا عن التحولات الدلالية المستمرة لمدلولات هذا المنبر طيلة زمن العرض.
اما مونودراما "الساعة الثامنة بعد الويل" لفرقة سوق الشيوخ – الناصرية تأليف حسين ثامر الطاهر وأخراج وتمثيل كريم شنيار.. كشفت عن يوم في حياة معلم واستذكاراته لتلاميذه ساعة الدرس.. الساعة الثامنة كان وقت حدوث الانفجار الذي سحق المدرسة وقاعة الصف ومقتنيات التلاميذ وكل الاشياء الاخرى.. فما الذي سيحدث بعد كل هذا الويل؟.. الذي حدث ان استمرت هذيانات المعلم لدرجة انه يستغرب على الموت كيف يمنع التلاميذ الغائبين من الحضور الى الدرس.. فيستحضر في مخيلته حسب تلاميذه الواحد تلو الاخر بالاسماء مثلما يستحضر دقات الساعة الثامنة وصوت الجرس ويبقى مصرا على ان التلاميذ حضروا كي يواصل درسه برغم انف الانفجار والموت. تميز هذا النص المسرحي بفكرته ومتنه الحكائي ولغته الدرامية الذي سعى مؤلفه عبر كل ادواته الى خلق صراع الشخصية الرئيسة مع ذاتها اولا ومع الاخر المتجسد بالانفجار والموت ليعلن في النهاية على وجوب استمرار الدرس رمزا لاستمرار الحياة.
"ذاكرة ايام مرة" هو عنوان مسرحية ورشة تواصل للثقافة المسرحية من البصرة تأليف نهاد غانم، اخراج علي عبد الرحيم، تمثيل نهاد غانم وعلي عبد الرحيم واسامة مهدي صالح ومحمد عبد الكريم العامري ونوار صالح وعلي صالح وعلي زيارة عطوان. اعتمد العرض على افكار ارتجالية جسدت معاناة الانسان العراقي عبر حالات يومية حزينة نتجت عن سوء الشارع العراقي حيث الموت بالمجان وبلا موعد.
وجاءت مسرحية "صرخة متعب بن تعبان في حقوق الانسان" لجماعة المثنى للتمثيل بالتعاون مع مديرية تربية المثنى اخراج احمد عبد جاسم الذي اعد خطابه من قصيدة شعرية لنزار قباني. تمثيل كل من الفنانين فيصل جابر عوض وحسين مهدي عباس وجبار حسان عبود وعبد تركي فهد واحمد عبد جاسم وكريم الناعم.. جاءت هذه المسرحية مستندة على جمل حوارية شعرية لم ترتق للمستوى الدلالي فيما بينها مبنى ومعنى، الامر الذي ادى الى انفلات ايقاع العرض مثلما انفلتت فكرته الرئيسة التي تشظت وضاعت على المتلقي عبر لوحات وترميزات لم تمسك الهدف الرئيسي من العرض.
اخر العروض كانت مسرحية "مأساة بائع الدبس" لفرقة لكش للتمثيل في الشطرة، اعداد واخراج زيدون داخل، تمثيل علي الشطري وزيدون داخل وضياء الساعدي وشاكر القطيفي ودريد كريم.. برغم ان هذه المسرحية استندت على اقتطاع جزء من مسرحية "بائع الدبس الفقير" لسعد الله ونوس الا انها لم تتضح اسقاطات مخرجها الذي ابتعد كثيرا عن هدف النص الاصلي، محاولا صناعة خطابه المسرحي الذي استند على طريقة التغريب البرشتي في صياغة المشاهد المسرحية وتنقلاتها متخذا من الكوميديا هدفا ادائيا لممثليه وفعلا نجح في ذلك.. فلقد تميز الفنان زيدون داخل بادائه الكوميدي للشخصية الرئيسة (خضور) معلنا عن امتلاكه للموهبة التمثيلية والحضور المسرحي الذي من شانه ان يحقق الكثير فيما لو اتيحت له الفرص واسناد الاداور المسرحية مستقبلا.
في ضوء ما تقدم نؤشر فرحنا باهتمام الفنان المسرحي العراقي مؤلفا كان ام مخرجا ام ممثلا بازماته المحلية الحياتية واوجاعه اليومية والتعبير عن احلام ومسرات برغم بساطتها احيانا الا انها لم تزل الى الآن مؤجلة.. لكننا في الوقت نفسه نستشعر غياب الرقيب الفني الموضوعي على مثل بعض العروض المسرحية في مهرجانات كهذه.. ويبدو ان غياب ذلك الرقيب اعطى فرصة للاستسهال ان يتسلل نحو قاعة المسرح وفن المسرح.. وان يكون الكم من العروض هو الهدف لا النوع، وذلك علامة من شانها ان تطيح بنتاجنا المسرحي مستقبلا. ومن المهم الاشارة ايضا الى تجنب مثل هذا التوظيف المباشر لمعاناة الواقع والاغراق في همومه بشكل غير محدود الامر الذي يؤثر سلبا على المحتوى الفكري والجمالي للخطاب المسرحي برمته.. لان المسرح في النهاية فن الاكتشاف والتقصي.. فلنترك مساحة للتامل والبحث لجمهورنا المسرحي فهو احوج ما يكون الآن لمثل هذه التاملات والاكتشافات الفنية عساها ان تحلق به بعيدا عن اوجاعه ومعاناته وصولا لاحلامه ومسراته المؤجلة. د. محمد حسين حبيب www.mhhabeeb.com