اوباما وأنياب الليث

بقلم: ياسين البدراني

توقفت كثيرا امام المغزى من زيارة اوباما الى بغداد. اوباما زار بغداد في اعقاب تدهور امني يكاد يعصف بكل ما تحقق من منجزات؛ تدهور مريع سيارات مفخخة وانتحاريين واغتيالات؛ ورئاسة الجمهورية العراقية تحذر من عودة الفتنة الطائفية؛ تدهور غير متوقع بالمرة بالنسبة للمتفائلين والذين كانوا يرقبون المشهد السياسي العراقي بروحية الامل الذي تحقق مع بسط الامن. ولكني حقيقة الامر لم اكن من هؤلاء اذ ان قراءتي للمشهد العراقي شمولية. فالامن الظاهري الذي تحقق في بغداد له سببان. الاول، بالنسبة للشق الشيعي هو توافق مليشيات جيش المهدي مع المالكي وسحب قواتها من الشارع فاسحة المجال للجيش والشرطة للعمل على استباب الامن في مناطقها. واالسبب الثاني هو القبضة القوية لمجالس الصحوة المدعومة اميركيا والتي استطاعت بسط الامن في الشارع السني وطرد معظم عناصر الارهاب القاعدي وبتمويل اميركي مفتوح. وعليه لم اكن شخصيا مطمئنا لاستمرارية الهدوء والسيطرة الامنية للقوات الحكومية العراقية. فبالنسبة للشارع الشيعي، فان أي خلاف يجعل السيطرة الفعلية لمليشيات جيش المهدي. وفي الشارع السني فان أي تقهقر في الصحوات سيفرز عودة قوية للقاعدة، وهو ما حدث فعلا. فانعدام الحكمة لدى مستشاري المالكي دفعهم لتأليبه على اعتقال شخص مغمور لا قيمة له من مجالس الصحوة في الفضل. وقد يكون هذا الشخص المدعو عادل المشهداني مجرما يستحق ان يحاكم، الا ان طريقة الاعتقال كانت هوجاء. فالمالكي تصور انه يحكم قبضته على الشارع البغدادي فاذا به يواجه برد فعل عنيف تمثل بفقدان الثقة في سبب اعتقال المشهداني وانعكس فورا على الشارع متمثلا بقتال شوارع مريع راح ضحيته العشرات من المواطنين والشرطة والصحوة بسبب طريقة الاعتقال المفتقدة للبصيرة. ثم لتنسحب مجالس صحوة اخرى من مسؤوليتها فاسحة المجال لإرهابيي القاعدة للعودة القوية بالعمليات الارهابية التي راح ضحيتها العشرات ان لم نقل المئات من الابرياء، ولتظهر المليشيات الشيعية مرة اخرى في الشارع مكشرة عن انيابها. خطوة واحدة غير متبصرة افسدت عمل واموال وجهود اميركية لبسط الامن في بغداد تمهيدا لسحب القوات الاميركية لتغيير استراتيجيتها والاستقرار في قواعد عسكرية ثابته لتجنب اية اعباء عسكرية او مالية ولفسح الطريق امام الدولة العراقية للنمو بشكل يؤثر ايجابا على الاقتصاد الاميركي والذي يحتاج الى حدوث استقرار اقتصادي في العراق والدولة المجاورة لفتح اسواق جديدة ولضخ المزيد من العائدات البترولية العراقية في الاقتصاد الاميركي. قد لا يشكل العراق الثقل الاساس بالنسبة للاقتصاد الاميركي ولكنه مفتاح لاعادة صياغة التجارة النفطية في الخليج والعالم. ولهذه الاسباب ولغيرها قرر اوباما ان يزور بغداد في زيارة خاطفة هدفها الاساس ان يعرف كل شخص في العراق حجمه. فاوباما البشوش ليس رعديدا ولا هينا ولا شخصا سهل العريكة بل هو صلب صارم محنك وقوي ويضرب بيدٍ من حديد. اوباما اراد ان يوصل هذه الرسالة للمالكي فلم يذهب لمقابلته لا في المنطقة الخضراء ولا في غيرها بل استدعى المالكي لقاعدة عسكرية اميركية. استدعاه أي قال: تعال يا مالكي فورا انت تأتي الي وأراك تحت الحراب الاميركية وسأملي عليك خطة المرحلة المقبلة وستمتثل مجبرا وصاغرا. كل هذا يلاحظ في تصريحات اوباما صيغة الامر التي قال فيها إن الاوان قد آن ليتحمل العراقيون مسؤولياتهم، وتصريحاته الاخرى تقرأ بصيغة الامر للمالكي وللاطراف السياسية الاخرى. اما محاولة ترقيع الموضوع بان الاحوال الجوية منعة اوباما من ان يركب طائرة للقاء المالكي فالسؤال كيف اتى المالكي خلال دقائق اذن للقاعدة الاميركية؟ ثم لو ان هذه الحجة صحيحة لتم هذا اللقاء في صالة الشرف في مطار بغداد الدولي، ولكن اوباما هذه المرة اراد ان تكون رسالته واضحة لا لبس فيها، فاميركا هي اللاعب رقم واحد في العراق والمالكي وغيره ارقام قابلة للتغيير، رسالة مؤلمة ولكنها الحقيقة شئنا ام ابينا والمؤلم ان المالكي ومستشاريه هم من تسببوا في ان تحصل حالة التعنيف هذه للدولة العراقية بسبب انعدام البصيرة السياسية. ولقد وصلت رسالة اوباما هذه المرة بشكلٍ جلي فالرجل قال لا تغرنكم ابتسامتي وتذكروا شاعركم اذ قال (اذا رأيت انياب الليث بارزة فلا تظنّ ان الليث يبتسمُ). ياسين البدراني