اهالي ضحايا الحرب الاهلية في لبنان: 40 سنة من الحزن

الحكومات المتعاقبة تتستر على الحقائق

بيروت ـ يحيي اللبنانيون الإثنين الذكرى الأربعين للحرب لأهلية التي استمرت 15 سنة بين عامي 1975 و1990.

ولا يزال كثير من المباني في بيروت يحمل آثار الحرب التي كانت العاصمة خلالها مُقسمة إلى شطر شرقي وشطر غربي يفصل بينهما الخط الأخضر الذي كان مسرحا لبعض من أكثر المعارك ضراوة في ذلك الوقت.

وهلك في الحرب الأهلية ما يزيد على 150 ألف لبناني وبات 15 ألف لبناني آخرين في عداد المفقودين لا تزال عائلاتهم لا تعرف عنهم حتى ما إذا كانوا على قيد الحياة أم فارقوا الدنيا.

وكان علي مكي في السادسة والعشرين من عمره وكانت زوجته قد وضعت صبيا رضيعا في عام 1976 عندما حضرت مجموعة من الرجال يوم 11 أغسطس/آب واصطحبته مع أخيه لاستجوابهما. لم يعد علي إلى أهله منذ ذلك الحين، لكن والدته فاطمة التي صارت في العقد التاسع من عمرها لا تزال تتذكر ذلك اليوم البعيد.

وقالت أم علي "وقتها كان أنا والمرحوم بيه 'أبوه' وكانوا كلهم الأولاد معي. قاموا اجوا ناس.. شباب من ها العناصر.. أخذوه عم يعملوا معه تحقيق.. هو وخيه 'أخوه' بسام الثاني كمان. عملوا معه التحقيق أنه كيف صاروا.. وين الحرب.. وين قاعدين.. وين رايحين ووين جايين وما أدري شو. ونحن قاعدين بالأرض بنصف 'منطقة' النافعة عم نتسمع. بسام قالوا له روح أنت لعند أهلك.. هو علي أخذوه.. أخذوه وين؟؟ حطوه بملالة 'مركبة عسكرية'.. ملالة وأخذوه. راح وما عاد عرفنا عنه شي."

كان علي مكي نجارا له خمسة من الإخوة وستا من الأخوات أكبرهن لمياء التي صارت في العقد السادس من العمر الآن.

وتقول لمياء إن كل من حولها يؤكدون أن علي لا يمكن أن يكون حيا بعد كل تلك السنوات.

وتضيف "نحن منقول يا ريت كمشة 'حفنة'.. كمشة من العظم ياللي هو فيه يعطونا إياها لندفنها ونروح نقول هيدا قبره ونقرأ له الفاتحة. يعني تصوري أنت.. بعيد عنك يعني.. تلاقي خي تعيشي أنت وهو عمر لخيك.. العمر هيدا أنت وإياه صديقة.. ويجيك وقت ما تلاقيه.. وأنت مفتحة بس معه. وتفقديه هيك فجأة.. أو بتروحي تحضري جنازة حدا شهيد عم يجيبوهم وبيرجعوا بيستلموا الجثة وبيقرأ له الفاتحة. بس أتصور أنا بأقول الفاتحة لروح خيي بأتطلع ما فيه له قبر.. ما له شي."

ولا تزال صور الابن والأخ الغائب تحتل مكان الصدارة في منزل عائلة مكي ولا تزال مشاعر الغضب تغلب على أخته لمياء كلما تذكرت ملابسات اختفائه قبل 39 عاما.

كانت كل الفصائل اللبنانية والجماعات الفلسطينية ضالعة في الحرب الأهلية التي تدخلت فيها أيضا سوريا وإسرائيل.

وأدت مواجهات بين ميليشيات مسيحية لبنانية وفصائل فلسطينية قد إلى اندلاع الحرب لأهلية في لبنان عام 1975. وفي العام التالي دخلت قوات سورية لبنان وظلت فيه حتى عام 2005. ثم عزت قوات إسرائيلية لبنان في عام 1978 وعادت مجددا في سنة 1982 واحتلت غرب بيروت الذي خاضت فيه ميليشيات مسيحية متحالفة مع إسرائيل على مدى ثلاثة أيام حملة مروعة لقتل الفلسطينيين في مخيمي صابرا وشاتيلا للاجئين.

وتراجعت القوات الإسرائيلية بعد ذلك إلى منطقة عازلة في جنوب لبنان ظلت تحتلها حتى عام 2000.

عائلة سعيدي نالت نصيبها أيضا من الحرب الأهلية. ففي يونيو/حزيران عام 1982 أُبلغت مريم سعيدي أن ماهر أكبر أبنائها الثلاثة والذي كان عمره في ذلك الوقت 15 عاما ونصف العام قد صار في عداد المفقودين.

قالت الأم عن ذلك اليوم قبل 33 عاما "الحادثة هي كانت حادثة وطن. انفقد ماهر بالاجتياح الصهيوني.. العدو الصهيوني للبنان سنة 82 بكلية العلوم. كان فيه مواجهة بين فريقين.. فريق صهيوني وفريق وطني بسبعة عشر حزيران سنة 82 بكلية العلوم الحدث. وانفقد هناك".

كان ماهر طالبا في المدرسة وكان يهوى كرة القدم ويحب الموسيقى. وتتذكر الأم أن ابنها كان مصمما على مقاومة الاحتلال الإسرائيلي وأنها حاولت إقناعه بلا جدوى بمخاطر حمل السلاح.

ورغم السنوات الطويلة التي مرت على اختفاء ماهر لا تزال والدته مريم تنتظر أي معلومات عما حدث في آخر يوم رأته فيه.

وقالت الأم "33 سنة كنا لما نعرف معلومة عن مخطوف نحن نكون فرحانين فيها. هيدا إنجاز. وفي نفس الوقت أنا كنت عم أنتظر أي معلومة عن ماهر وعم أشتغل بأي معلومة عن ماهر. ماهر لحد اليوم أنا بأنتظر معلومة عنه. ما يتوقف الأمل عن معلومة. وبأتمنى أي شخص هو بيعرف معلومة عن كلية العلوم يقول لي إياها.. أنا بأكون ممنونة. أي صورة.. أي شي.. لأنه أنا حتى بدي أنتظر معلومة عن ماهر."

مريم سعيدي فنانة تؤلف وترسم وتكتب عن ابنها المفقود ماهر ورسمت له صورة كبيرة الحجم كما نحتت له تمثالا نصفيا.

وتنتمي مريم سعيدي ولمياء مكي إلى عضوية لجنة أهالي المفقودين والمخطوفين في لبنان.

في الثالث عشر من ابريل/نيسان عام 1975 أٌمطرت حافلة تقل ركابا فلسطينيا بالرصاص أثناء مرورها في منطقة عين الرمانة التي يغلب المسيحيون على سكانها في بيروت فلاقى 26 شخصا حتفهم. وكانت تلك الواقعة هي الشرارة التي أشعلت نيران الحرب الأهلية في لبنان.