انهيار مرحلة بأكملها

عندما كنا صغارا كنا من السذاجة بحيث اننا كنا نلوم اهلنا الذين عاشوا مأساة فلسطين ولم يفعلوا ما يكفي لمنع الكارثة. كنا بطبيعة الحال نسقط رغباتنا على واقع لم نكن ندرك يومها مدى ضعفه وهشاشته.

كان علينا ان نكبر لكي نكتوي بذات النار التى عرفها الجيل السابق وان بطرق مختلفة.

لقد رأى جيلنا العراق وهو يتهاوى وينهار ويقسم بالفعل على ارض الواقع ولم نستطع ان نفعل شيئا. رأى جيلنا المأساة تلو المأساة واخرها واكثرها قسوة المأساة السورية التى ستجر المنطقة كلها الى كارثة محققه حسب مؤشرات الواقع.

فالذي يحصل فى سوريا والمشرق العربي لا ينتمي لأوصاف مثل الربيع، وهي تعابير وصفها الاخرين لنا على كل حال وليست من اختراعنا. انه يشبه بركان كبير تنتشر حممه يوما بعد يوم لتطال مناطق جديدة ونحن نرى ذلك كله ولا نستطيع منعه.

والواقع بات حسب رأي اكثر خطورة بكثير مما كان يعتقده اكثر المتشائمين فينا.

ولم يعد يكفي وصف الواقع بذات الطريقة التى كان يوصف بها. انه اكبر من ثورة واكبر من انفجارا اجتماعى وثقافي عام، واكبر من انتقام من الاخر او من التاريخ. انه بركان حقيقي يطال المنطقة العربية بأسرها وسيؤدي فى رأي الكثيرين من المراقبين الى تغيرات راديكالية.

ومع ذلك نرى ان ثمة من يحصر الصراع فى سوريا على انه ثورة ضد نظام حاكم، او انه حرب الاخرين على سوريا من وجهة النظر الاخرى. وبالطبع من الصعب انكار ان بعض جوانب هذه التوصيفات صحيح بحدود ما. لكن الامر تجاوز المطالب الاولى التي كانت تنادي "حرية حرية" وبات يشبه اكثر بركانا من الصراعات المعقدة التي بات من الصعب السيطرة عليه.

فاالصراع الذى بدأ يأخذ بعدا طائفيا صار يتسع يوما بعد يوم وباتت شظاياه تطير حتى الهند وباكستان مرورا بالعراق والبحرين ولبنان .

كما باتت القوى التى تخوض الصراع فى سوريا الطرف الاضعف حتى وان كان الشعب السوري هو وقود هذه الحرب المدمرة. كما بات من المؤكد ان هذا الصراع يقود تدريجيا الى اختفاء لاقليات باكملها بسبب الهجرة او التهجير مثل الصابئة واليزيديين وغيرهم من المجموعات العرقية والدينية الصغيرة.

لذا فان ان نقدي ينصب اساسا على طرق التفكير السائدة فى اوساطنا نحن العرب الذين ما زالوا اسرى للثنائية فى التفكير الذي يعني على ارض الواقع انتشار اكبر للخراب والدمار بحيث لن يكون بوسع الجيل القادم اصلاحه تماما.

ولعل رؤية النشتاين في هذه الصدد صحيحة حيث لا يمكن حل مشكلة بطريقه تفكير تشابه الظروف التي صنعت فيها المشكلة اصلا. لذا لا بد من افكار جديدة تتجاوز الفكر الثائي المتصادم بحكم تكوينه.

والحقيقة انى كنت اعتقد وما زلت بعدم امكانية بناء نظام ديموقراطي عبر العنف المسلح فى مجتمع هش تسوده كل انواع ولاءات مرحلة ما قبل الحداثة.

فبناء نظام ديموقراطي يحتاج لوقت ولجهود اثر من جيل لتحقيقه.

كما انتقد الطروحات الاعتذارية التي تؤيد العنف منطلقة من الاطروحة التي تقول انها اجبرت على استخدام العنف لان النظام اجبرها على الدفاع عن نفسها. وهي اطروحة تبدو صحيحة على مستوى الشكل وليس المضمون. فقمع النظام في سوريا للقوى المعارضة ليس امرا جديدا. لكن الجديد ان القوى المعارضة، خاصة الدينية منها، وجدتها فرصة سانحة لطرح شعار اسقاط النظام بدلا من شعار اصلاحه وهو الشعار الذى شكل المقدمة الاولى للصدام الحاصل فى سوريا. وعلى أي حال، لقد بات واضحا ان قوى الاسلام السياسي لن تتوقف عند طرح شعار اسقاط النظام فقط في سوريا بل كل الدلائل تشير انها تتبنى ذات الشعار فى الاقطار العربية الاخرى وان بتكتيكات مختلفة.

اذن بات السؤال الان يتعلق بوجود الوطن السوري اكثر منه حول امكانية بناء مجتمع ديموقراطي. فقوى الاسلام السياسي التى تصارع النظام السوري تشترك مع النظام نفسه بعدم ايمانها بالديموقراطية السياسية .هذا عدا عن كونها قوى تنتمي لفكر وثقافة ما قبل الحداثة.

لذا فان ما تحتاجه سوريا الان هو عقلاء واطفائيين وليس الى من يدعموها بالمال وشعارات الحرب المدمرة.

فشرارة الازمة السورية ان لم تتوقف الان ستدمر سوريا اولا، ثم ستمتد عاجلا ام اجلا الى المحيط العربى المحتقن والجاهز اصلا للاشتعال وهذا سيؤدي على الاغلب الى صراعات دينية وعرقية قد تقود الى اختفاء دول وانقراض مجموعات عرقية ودينية وربما انهيار عام لمرحلة باكملها.