انهيار جيوبولتيكا التسامح في تركيا الاردوغانية

تسعى تركيا دوما الى طرح نفسها في المجال الحيوي الذي يمثله الشرق الاوسط على انها نموذج للدولة الديمقراطية التي يجب ان يحتذى بها من قبل الاخرين على الاقل في مجال ممارسة الحكم. وهي نظرة باتت محل شكوك كبيرة من قبل دول الجوار التركي التي عاشت أسوأ ظروفها خلال السنوات الماضية بفعل انهيار مبدأ التسامح في السياسة الخارجية التركية.

في وقت يعتبر فيه الكثير من الباحثين ان موضوع التسامح السياسي, الذي يؤمن علاقات داخلية وخارجية متزنة، يشكل مصدرا رئيسيا من مصادر الحُكم على فاعلية النموذج الديمقراطي من عدمه.

وهو ما يجعل العديد من المراقبين من داخل تركيا وخارجها يشيرون الى حجم الانهيار في موضوع الجغرافيا السياسية للتسامح في العقيدة التركية المعاصرة، وهو ما برزت اهم ملامح التحول المعاصرة في معاييره بعد الانتخابات البرلمانية الاخيرة التي فقد فيها حزب العدالة والتنمية فرصة الامساك بالسلطة. لتليها مرحلة مهمة من الاضطرابات الداخلية والاقليمية تركياً عبر اعتماد سياسات جديدة يبدو انها ستؤجج الاوضاع في ملفات عديدة تمسك تركيا الاردوغانية بمفرداتها بشكل دقيق.

الامر الذي يثير تساؤلات عدة حول التاثير الذي سيتركه هذا الاسلوب في صناعة القرار على صورة تركيا في اذهان ابناءها قبل الاخرين ودورها في تشكيل خريطة الصراع الهوياتي الذي باتت له جذور راسخة في عمق التفاعلات الحاصلة في الداخل التركي.

ملف تشكيل الحكومة

جاءت الانتخابات البرلمانية بغير ما كانت تترقبه طموحات حزب العدالة والتنمية الذي كان طوال اكثر من عقد من الزمن مهيمنا على السلطة ومحددا لمسارها وتفاعلاتها المختلفة. حيث افرزت الانتخابات صعودا مهما لاحزاب المعارضة. وهو ما شكل مصدرا مهما من مصادر الازمة لاردوغان الغارق اليوم في ازمة تشكيل الحكومة التي يبدو بان دور المعارضة فيها سيكون اكبر مما كان عليه في الماضي، وهو ما يشكل تقويضا لدور الخليفة العثماني الذي مارسه اردوغان بمساحة تاثير ونفوذ متحررة من ضغوطات الداخل الى حد ما خلال الفترة السابقة من الزمن.

لذلك نجده مؤخرا يؤكد في تصريح يعبر فيه عن حجم الامتعاض الذي يشعر به ازاء تحجيم فرص تشكيل الحكومة وفقا لرغبات حزب العدالة والتنمية بالقول "نحن بحاجة الى انتخابات مبكرة في حال فشلت المباحثات في التوصل الى قناعة خاصة بتشكيل الحكومة. فخلال اكثر من 20 سنة كان العمر الاطول للحكومات الائتلافية يتراوح بين ثلاث الى اربع اشهر. وخلال الدورة الماضية من عمر الحكومة كان هنالك استثناء من هذه القاعدة حيث استمرت الحكومة الائتلافية لستة عشر شهرا. في مثل هذه الحالة نحن نخوض في هذه المباحثات من اجل لاشيء في حال ظن البعض بان مثل هذه الحكومة الائتلافية سوف تكون فعليا من مصلحة تركيا ".

يتخوف الاتراك من ان تكون هذه التصريحات تعبيرا عن عقيدة راسخة في ذهن قادة حزب العدالة والتنمية الذين يسيرون بتركيا الى الهاوية بفعل رغبتهم الجامحة في اقصاء القوى السياسية المعارضة من خريطة تشكيل الحكومة التركية.حيث بدأت بوادر انعدام التسامح في العلاقة بين هذه الاحزاب تتصاعد بفعل ممارسات اردوغان.

في هذا الصدد ينقل البعض صورة عن المُناخ الشعبي الاخذ بالتشكل من رؤى اردوغان السياسية، حيث يشير البعض الى ان اردوغان يتعامل مع المعارضة وبالذات الاكراد وفقا لهذه القناعة "ان اردوغان يحب الديمقراطية متى ما كانت لمصلحته. وهو يحب الكرد ويسعى الى تعزيز اتفاق السلام معهم، متى ما أحبوه وصوتوا له. بالمقابل فهو لن يرغب بهم شركاء ولن يمانع بممارسة العنف ضدهم، اذا ما أعطوا أصواتهم لغيره".

يبدو وفق هذه النظرة ان هنالك اليوم قناعة راسخة بدأت تتزايد مساحة تاثيرها الاجتماعية من ان اردوغان وحزبه يمارسان سياسات عقابية بحق المكونات التركية التي منحت صوتها لاحزاب المعارضة التي لن تترك الطريق سالكا لممارسة الادوار السابقة التي اساءت للواقعية السياسية التي كان يحلم الاتراك بتطبيقها في الداخل قبل الخارج، على الاقل من اجل الحفاظ على مبدأ مهم عملت عليه تركيا وهو السلام في الداخل من اجل تامين السلام في الخارج.وهو السلام الذي بات يتضاءل في حجم فرصه يوما بعد آخر.

ملف الصراع مع حزب العمال الكردستاني

منذ ان عقدت تركيا حزب العدالة والتنمية اتفاق السلام الاخير مع اوجلان، والاوضاع مع هذا الحزب تسير بالاتجاه الذي يحبذه المجتمع التركي الراغب كغيره من الشعوب بالعيش في المستويات المقبولة من السلام بعيدا عن استخدام العنف المتبادل الذي تُدفع ضريبته من ابناء الوطن الواحد.

تم التوصل الى تسوية لموضوع النشاط العسكري لهذا الحزب الذي نقل جزء كبير من قوته التسليحية الى جبال قنديل وفقا لتفاهمات متعددة الاطراف ذات علاقة مباشرة بهذا الملف. وكان من المفترض ان تستمر الخطوات اللاحقة من موضوع التسوية هذه. الا ان الاحداث الاخيرة التي شهدتها تركيا كانت كفيلة باصرار قادة حزب العمال الكردستاني على التوقف عن المفاوضات والتاكيد على ان اتفاقية السلام قد انتهت ولم يعد لها اي دور.

في كثير من المناسبات التي كانت تحصل فيها مثل هذه الانقطاعات في مسيرة السلام والهدوء المؤقت في علاقات الطرفين، كانت تثار شكوك عديدة من قبل الاتراك انفسهم حول من يقف وراء عرقلة التوصل الى حل نهائي للموضوع الكردي او على الاقل ادامة زخم تفاعلاته السلمية في الداخل التركي.وفي اغلب الاحوال كانت التهم توجه الى الحكومة التي لم تتدخر جهدا لاقناع الاخرين بعدم صواب هذه الفكرة، وذلك عبر رفع ورقة التهديد بتجريم كل القوى التي تستخدم مثل هذا الخطاب في التشكيك بدور الحكومة في دعم التسوية لهذا الملف. وهو ما اثبته اردوغان في تهديده الاخير لقادة حزب الشعوب الديمقراطي الكردي عبر تهديدهم بالخضوع للمحاكمة بحجة مساندة منظمة تهدد الامن القومي التركي.

يعتقد الاكراد بان الهجمات الاخيرة التي طالتهم بعد الانتخابات في تركيا قد جاءت بضوء اخضر من قبل اردوغان الذي يعتبرونه احد اهم اركان توفير الدعم لداعش في تركيا والمنطقة. حيث بدات تتشكل قناعات واسعة في الداخل التركي من ان حكومة العدالة والتنمية تستخدم التطرف الاسلامي اداة لمحاربة الاكراد في تركيا. وذلك بالرغم من كل التاكيدات التي اطلقت من قبل رئيس الحكومة التركية السيد داوود اوغلو لنفي هذه الحقائق مؤكدا دور بلاده في الدخول الى منظومة التحالف الدولي في حربه ضد الارهاب.

الرد البليغ على تصريحات الحكومة التركية جاءت هذه المرة من نائب الحزب الجمهوري التركي التي قال فيها "إن داعش موجود في حي سينجان القريب من قصر رئاسة الجمهورية (القصر الأبيض) في أنقرة، أي أنها موجودة في قلب العاصمة أيضاً. يتم تنظيم رحلات بالتاكسي وسيارات النقل في منطقة سينجان المجاورة مباشرة للقصر الرئاسي للانضمام لمقاتلي تنظيم داعش في سوريا… وأفادت قوات الأمن بأن الشيخ عبد الرحمن ألاجوز البالغ 20 عاماً المنضم لصفوف تنظيم داعش قبل ستة أشهر هو من نفذ الهجوم الاخير. ويزعم أن ألاجوز المسجل في ضمن سكان مدينة أديامان انضم لداعش في نفس الفترة التي انضم فيها أورهان جوندر منفذ الهجوم التفجيري في اللقاء الجماهيري لحزب الشعوب الديمقراطي بديار بكر، وأنهما يعرفان بعضهما البعض. كما تم الكشف عن أنهما استخدما مواد تفجيرية وقنابل من نفس النوع في التفجيرين".

ملف الحرب ضد داعش

تحول مهم ولافت في الخطاب التركي من موضوع جيوبولتيكا التطرف في المنطقة التي يتزعمها تنظيم داعش. هذا التحول جاء في اعقاب الاتفاق النووي الايراني مع الغرب حول البرنامج الذي يؤمل له ان يسهم في حدوث تغيرات مهمة في البنية الوظيفية والصراعات الجارية في هذا الاقليم. لذا برز في بادئ الامر تصور مفاده بان تركيا قد اُجبرت عبر الحليف الاميركي الذي راس المفاوضات مع ايران على تغيير بوصلة تحالفها مع داعش الذي خرج عن نطاق السيطرة وبات مصدر خطر مستقبلي يتهدد القوى التي انتجته. حتى باتت مصداقية هذا الافتراض تجد صدى مهما لها في الاحداث التي تعمل اليوم على تهديد الامن القومي التركي بشكل مباشر. وهو ما دعا الكُتاب الاتراك الى التاكيد بان الخطر الحقيقي لداعش انما يتمثل في نموه وسهولة حركته ودعمه الذي يجري على الاراضي التركية برعاية حكومية. لذا فان بداية انهيار هذه العلاقة تمثل في تصاعد حدة العداء بين طرفيها لينتج سلسلة من العنف الممنهج الذي تجيد داعش الخوض في ادق تفاصيله الدموية.

التصور الاخر لهذا الموضوع نحاول ان نضع فيه مقاربة جيوبولتيكية جديدة للاوضاع عبر التاكيد على ان تركيا ارادت من الدخول الى التحالف الاميركي لتقويض دور داعش في سوريا، ان تعمل على خلق فرصة جديدة لها لاعادة تسويق نفسها في التفاعلات الاقليمية. ففتح قاعدة انجرليك امام الاميركان جاء عبر مقايضة مفضوحة المعالم بين الطرفين يقوم فيها الاتراك بسحب يدهم عن داعش في مقابل تخلي الاميركان عن التسامح مع الادوار التي يمارسها حزب العمال الكردستاني الذي يعتبر القوة الرئيسية التي حالت دون هيمنة داعش على شمال سوريا. وبذلك تضمن انقرة عدم تمكن الاكراد هناك من تقوية مكانتهم وتعزيز انتصاراتهم التي ستحولهم لاحقا الى خطر حقيقي على تماس مباشر مع حدودها التي اصبحت واحدة من اكثر الحدود اضطرابا في المنطقة.

هنا جاء دور المشروع الجديد الذي عبر عنه اوغلو تحت تسمية "منطقة خالية من داعش في سوريا" لتحل محل تسميات سابقة بعنوان منطقة حظر الطيران والمنطقة الآمنة. هذه التسمية التي يراد من ورائها الحصول على التعاطف الاقليمي الرافض لموقف تركيا من احداث السنوات الماضية، انما جاءت بهذه الصيغة لتبعد عن الاذهان الردود السلبية التي اثارتها التسميات السابقة.

هذه المنطقة التي تريد انقرة تثبيتها في اطار الجغرافيا ـ السياسية الحرجة لسوريا، تشير فيها الى انها ستعمل بكل السبل المتاحة لديها من اجل تأمينها ومن ثم تسليمها بيد عناصر ما يسمى بالجيش السوري الحر، بحجة تحويلها الى نطاق يسمح باستقبال السوريين المتواجدين في تركيا كلاجئين يصل عددهم الى مليوني نسمة. في حين يشير التحليل الجيوبولتيكي الى ارتباط هذا المشروع بقضايا ابعد من هذه الحجة التي يراد عبر تسويقها العمل على حجب الابعاد العميقة للموضوع.وهي ابعاد تقود في مجملها الى انغماس تركيا الاردوغانية في مزيد من السياسات التي تقود الى مزيد من النفي في جيوبولتيكا التسامح التركي, ولكن هذه المرة في اطار اوسع تمثله سياساتها الخارجية التي يبدو انها حتى اللحظة لا زالت عصية على التغيير الذي ينشده الكثيرون. وهي سياسات يتم في ظلها ترسيخ مفاهيم العداء تجاه الاخرين المتصدين لمواجهة المشروع الذي يقوده اردوغان، الذي يتسند في تطبيقه له على آليات التطرف داخلياً وخارجياً بالطريقة التي ستقود تركيا الى اوقات عصيبة.