انهيار الهدنة في سوريا يخفف الضغوط على الجهاديين

الوضع على الأرض ينذر بتقويض التسوية السلمية

بيروت – خفف على ما يبدو انهيار الهدنة في سوريا الضغوط على التنظيمات المتطرفة بما فيها القاعدة والدولة الاسلامية وأتاح لها إعادة ترتيب صفوفها.

ويعمل الجهاديون على حشد قواتهم من جديد لحرب شاملة على الرئيس بشار الأسد بالاستفادة من انهيار محادثات السلام للتفوق على المعارضة الوطنية المنافسة التي وافقت على هدنة متعثرة.

ولا يشمل وقف اطلاق النار الذي بدأ في فبرايرا/شباط وانهار في ابريل/نيسان، تنظيمي القاعدة والدولة الاسلامية.

وتبادلت الحكومة السورية وخصومها الاتهامات بالمسؤولية عن التصعيد العسكري.

وبعد أن كان نشاط جبهة النصرة محدودا في الأيام الأولى من تطبيق الهدنة، قال قادة فيها ومعارضون آخرون إن الجبهة عاودت الظهور في ساحات المعارك مع انهيار المساعي الدبلوماسية وقادت هجمات في الآونة الأخيرة على ميليشيات إيرانية مؤيدة للحكومة قرب حلب.

وفي أحدث مظاهر هذا التطور أحيت الجبهة وجماعات أخرى منها جيش الفتح الذي يمثل تحالفا عسكريا لجماعات إسلامية متباينة حققت انتصارات كبيرة على القوات الحكومية في 2015.

ومن المحتمل أن تؤدي عودة جبهة النصرة للظهور إلى إضعاف جماعات المعارضة التي يدعمها الغرب والتي وافقت على اتفاق الهدنة وشاركت في مباحثات السلام بما يقنع الحكومة السورية وحلفاءها من الروس والإيرانيين بالمضي في الحرب التي وجهوا فيها ضرباتهم للمعارضة بكل أطيافها المعتدلة منها والمتطرفة.

وقال أحد قادة جبهة النصرة واسمه أبوشيماء من محافظة إدلب الخاضعة لسيطرة المعارضة عن إحياء التحالف الإسلامي المعارض "عاد جيش الفتح لكنه عاد قويا هذه المرة وهدفنا هو الانتشار على الجبهات الرئيسية في سوريا."

وأضاف زاهر أبوحسن رئيس المؤسسة الإعلامية لجيش الفتح في إدلب "نسأل الله أن تعود الانتصارات بعودة جيش الفتح."

وما زالت المعارضة الإسلامية تواجه تحدي التغلب على منافسيها.

وقال مصدر كبير في المعارضة إنه رغم عودة جيش الفتح في إحدى المناطق فما زالت المحادثات تجري لإعادة إطلاق التحالف على نطاق أوسع.

وأضاف "في خان طومان وجبهة الريف نعم ضمن هذه الجبهة صار في غرفة عمليات لكن الطموح هو تكرارها على كل الجبهات المشتعلة."

حملة تجنيد

ويشارك في الانتفاضة على حكم الأسد مجموعة متباينة من الجماعات المتصلة بتنظيم القاعدة أو التي تستلهم فكر التنظيم والجماعات ذات الأهداف الوطنية التي تحارب تحت راية الجيش السوري الحر. وقد حصلت بعض هذه الجماعات على مساعدات عسكرية من الولايات المتحدة وتركيا والسعودية.

أما تنظيم الدولة الإسلامية الذي خرج من عباءة تنظيم القاعدة فيحارب جماعات المعارضة الأخرى والحكومة السورية في إطار دفاعه عن دولة الخلافة التي أعلنها في سوريا والعراق.

وقد فقد التنظيم مساحات من الأراضي الخاضعة لسيطرته في الشهور الأخيرة لكنه ما زال يسيطر على جانب كبير من شرق سوريا وشمالها.

وفي العام الماضي نحّت الفصائل الإسلامية التي تشكل جيش الفتح خلافاتها جانبا لإخراج قوات الحكومة السورية من محافظة إدلب قبل اختراق مناطق قرب الجبال الساحلية التي تشكل قلب الطائفة العلوية التي ينتمي إليها الأسد.

وساهم هذا التطور في حفز روسيا على اتخاذ قرار إرسال قوة جوية لقصف الأهداف لحساب الأسد الأمر الذي أدى إلى قلب ميزان القوى لصالحه بمساعدة تعزيزات إيرانية على الأرض.

وروت مصادر المعارضة روايات مختلفة للمدى الذي ذهبت إليه جماعات جيش الفتح في إحياء تحالفها وبصفة خاصة مدى مشاركة جماعة أحرار الشام القوية التي يعتقد على نطاق واسع أن تركيا تدعمها في التحالف.

وكانت أحرار الشام من العناصر المهمة في التحالف العام الماضي وأيدت المسار السياسي لكنها نأت بنفسها شيئا فشيئا عن المساعي الدبلوماسية التي تقودها الأمم المتحدة والتي فشلت في ضمان وقف الضربات الجوية بالكامل أو إتاحة مساعدات الإغاثة الكافية أو إطلاق سراح المعتقلين.

وقد وحدت أحرار الشام وجبهة النصرة اللتان تتمتعان بوجود قوي في شمال غرب سوريا صفوفهما في هجوم أسفر عن السيطرة على مدينة علوية كانت تخضع لسيطرة الحكومة في محافظة حماة في 13 مايو/أيار رغم أن ذلك لم يتم تحت راية جيش الفتح.

ونسب الفضل صراحة في انتزاع السيطرة على بلدة خان طومان جنوبي حلب في السادس من مايو/أيار من أيدي فصائل شيعية مؤيدة للحكومة من بينها قوات إيرانية إلى جيش الفتح وقال معارضون إن من القوى الرئيسية في تلك العملية جبهة النصرة وجماعة أخرى اسمها جند الأقصى.

وقالت مصادر المعارضة إن جبهة النصرة وحلفاءها نشروا قواتهم جنوبي حلب من محافظة إدلب المجاورة التي تعد أحد معاقلهم وذلك للحيلولة دون تقدم القوات الحكومية التي هددت بتقسيم المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة إلى شطرين.

من ناحية أخرى أطلق الداعية الإسلامي المتشدد عبدالله المحيسني السعودي الجنسية حملة تجنيد جديدة في إدلب. وفي أحد التجمعات الجماهيرية التي نشر مقطع منها على يوتيوب دعا كل الذكور فوق سن الخامسة عشرة إلى المشاركة في الجهاد.

وقال أحد سكان المنطقة التي عقد فيها هذا اللقاء الجماهيري إن 300 شاب تطوعوا للجهاد في ذلك اليوم وسيتم توجيههم إلى فصائل جيش الفتح.

كما تدخل أيمن الظواهري زعيم تنظيم القاعدة برسالة صوتية انتقد فيها العملية السياسية وحث الجهاديين على توحيد صفوفهم. وفسر البعض تصريحاته بأنها توجيه للجماعة لتركيز اهتمامها بدرجة أكبر على سوريا.

مؤشر خطير

وتقول جماعات الجيش السوري الحر التي لعبت دورا بارزا في العملية السياسية التي أطلقت بمباركة من الولايات المتحدة وروسيا هذا العام إنها ما زالت لها اليد العليا على جبهة النصرة في مناطق مهمة من أبرزها مدينة حلب نفسها ومناطق في جنوب سوريا قرب الحدود مع الأردن.

وتحارب فصائل الجيش السوري الحر تنظيم الدولة الإسلامية على الحدود التركية في الأسابيع الأخيرة.

وقال زكريا ملاحفجي رئيس المكتب السياسي لتجمع "فاستقم" إن هذه الفصائل صدت في الوقت نفسه ثلاث هجمات من جانب القوات الحكومية إلى الشمال من حلب مباشرة.

وتقول الفصائل إنها لن تعود إلى محادثات السلام حتى يتحسن الوضع على الأرض. ومما يعكس ضعف احتمالات نجاح المساعي الدبلوماسية أنه لم يتحدد موعد للمحادثات في اجتماع دولي عقد الثلاثاء.

وقال قائد آخر في الجيش السوري الحر إن الدور البارز الذي لعبته جبهة النصرة في المعارك الأخيرة "مؤشر خطير" لمسار الحرب إذا فشلت الدبلوماسية بالكامل.

وقال القائد الذي طلب عدم الكشف عن هويته إن جبهة النصرة استغلت الظروف في إظهار مدى قيمتها للانتفاضة وكذلك فشل الدبلوماسية.

وأضاف "يوجد كلام على إعادة هيكلة جيش الفتح خاصة بعد الانتصار الذي حققوه في خان طومان لأن غياب أفق الحل السياسي والمساعدات وأي شيء مريح للناس سوف يراجع نسبة فرص تشكيل جيش الفتح والتحالف مع جبهة النصرة."

وقال نواه بونزي المحلل الكبير لدى مجموعة الأزمات الدولية إن عودة جيش الفتح مؤشر على المناخ السياسي في المعارضة وإدراكها أن وقف القتال ليس قابلا للاستمرار.

وأضاف أن استئناف القتال في صالح جبهة النصرة وقال إنه "يمنحهم مصداقية في حين أن وقف القتال يقلص مصداقيتهم في ما يبدو ويسلط الضوء على خلافات حقيقية بين النصرة وبقية المعارضة."

وقال إن قطاعا كبيرا من المعارضة يعتقد "أن النظام والميليشيات التي تدعمها إيران استطاعا الاستفادة منها وأنها بحاجة للانضمام إلى النصرة في إعادة تأكيد الضغط الهجومي."