'انقلاب عسكري' محتمل في العراق!

بقلم: نجاح محمد علي

يبدو أنه تحذير جدّي، ذلك الذي يطلقه هذه الأيام عدد غير قليل من السياسيين العراقيين في الائتلاف الحاكم وخارجه، وفي التحالف الكردستاني على لسان رئيس إقليم كردستان مسعود بارزاني.
غير أن الحديث عن احتمال حصول انقلاب عسكري في العراق يطيح بحكومة رئيس الوزراء نوري المالكي، ليس بالجديد، وقد كنت أشرتُ له العام الماضي، ويمكن وضعه هنا في إطار تسريبات أميركية لحمل حكومة المالكي على التوقيع على الاتفاقية الأمنية مع واشنطن بالشروط وبـ "التواريخ" الأميركية.

كما يمكن وضعه أيضا في سِـياق المنافسة داخل الائتلاف وبين أطراف العملية السياسية، المنافسين لرئيس الوزراء نوري المالكي، ذلك أن معظم الذين لا يستبعدون حدوث انقلاب عسكري، يربطون ذلك بما يعتقدونه من فشل الحُـكم في العراق ووصول العملية السياسية إلى طرق مسدود، على الرغم من كل التقدم الحاصل - حتى الآن ـ في العلاقة بين الفرقاء "المتخاصمين" حول تقسيم الكعكة.
حتى رئيس المؤتمر الوطني العراقي أحمد الجلبي، وهو عراب العملية العسكرية الكُبرى التي قادت إلى إسقاط نظام صدّام في ربيع عام 2003، يرى أن هذا الانقلاب العسكري وارد الحصول ويبرره برغبة الأميركيين في العودة بالعملية السياسية إلى مرحلة ما قبل سقوط النظام، لأن أطراف العملية السياسية (المعارضة سابقا) اتَّـفقت مع الأميركيين الذين خسِـروا المعركة السياسية في واشنطن، بوجوب تشكيل حكومة عراقية مؤقَّـتة بعد مرحلة سقوط صدام، تتسلم زِمام الأمور وتلتزم بقرارات مجلس الأمن، حيث أصبح القرار بيد مَـن رفضوا خَـوض الحرب وتحرير العراق (!) وهو ما جعل أميركا تتناقض في سياستها، وربما ستلجَـأ إلى خيار الانقلاب العسكري للتخلُّـص من "عِبء" ومشاكل الإسلاميين الحاكمين.
أما نائب رئيس الجمهورية عادل عبد المهدي، فقد أعرب عن خِشيته من وجود دور للجيش في حسم مسائل سياسية، متحدّثا بشكل صريح عن مخاوف من "إعطاء دور كبير للجيش في حسم مسائل سياسية"، ومحذرا من حدوث انقلاب عسكري فى العراق.

الترحيب بانقلاب الحديث عن انقلاب عسكري، كان رائجا كثيرا في مرحلة ما قبل أبريل 2003، حين كانت واشنطن تلعب بأعصاب المعارضة العراقية، خصوصا الإسلامية منها، وتدفعها إلى تقديم الكثير من التنازلات بشأن شكل الحُـكم في مرحلة ما بعد صدّام لصالح العِـلمانية والتحضير لتكرار "التجربة" في دول أخرى، كإيران وسوريا.
وفي تلك الفترة، كانت الإدارة الأميركية تسرّب، وبشكل متواصل، أن الخطة الأميركية التي أرادت أن تكرّر احتلال اليابان في أعقاب الحرب العالمية الثانية، كانت تهدف إلى استعمار العراق عسكريا، وتنصيب حاكِـم عسكري أميركي يقوم بإدارة شؤون العراق لمدة عام أو أكثر، في إطار فترة انتقالية تسبق تحقيق الديمقراطية في العراق، بما أثار ارتياب عدد غير قليل من العراقيين ممَّـن رفضوا الانخراط في المشروع الأميركي.
وانطوت الخطة أيضا على تحجيم الدّور الأولي لقوات المعارضة، وبشكل خاص "فيلق بدر" و"قوات الشهيد الصدر"، التابعة لحزب الدعوة الإسلامية وغيرهما، في حكومة ما بعد صدّام، والاستعانة بالمعارضين العراقيين كمستشارين، فقط.
وكانت واشنطن تُعوِّل على أن يؤدّي الضغط الأميركي على العراق – آنذاك - إلى حصول انقلاب عسكري، يسمح لها بدخول العراق بطريقة سلسلة وإقامة قواعد عسكرية دائمة فيه، وأن تدخل القوات الأميركية العراق في جميع الأحوال لإحكام سيطرتها على البلاد في مطلق الأحوال، ليس لتدمير أسلحة الدمار الشامل فحسب، بل للحيلولة دون وقوعها فريسة الفوضى.
وكانت واشنطن تأمل أن يُساعد الحُكم العسكري الأميركي في الحيلولة دون حصول اقتتال داخلي في عراق ما بعد صدّام، على نحو ما حصل في أفغانستان بعد القضاء على نظام طالبان، وأن يتيح للولايات المتحدة أمر القيام بتفتيش دقيق عن أسلحة الدمار الشامل.

الإنقلاب.. مجرد تلويح أم احتمال وشيك؟

قبل تحذير عادل عبد المهدي، سرَّبت صُـحف غربية أن الولايات المتحدة الأميركية، وتحديدا جهاز المخابرات المركزية الأميركية "سي آي أي"، انتهت من إعداد سيناريو لتنفيذ انقلاب عسكري في العراق، بانتظار الظروف السياسية والأمنية المناسبة، لأن حكم العسكر سيضمَـن لها وجودا دائما ومستقِـرا في العراق، يسهِّـل عليها الحصول على التوقيع على أية اتفاقيات وفي مختلف المجالات، وفي مقدمتها المجالات العسكرية والأمنية.

هذه التسريبات، تعكِـس أن الولايات المتحدة، إذا حصلت على ما تريد – دون الحاجة إلى اللجوء للانقلاب العسكري - فإنها ستعزف عن الفكرة، وهذا الأمر يدعم نظرية الذين يعتقدون أن التلويح بالانقلاب، هو وسيلة للحصول على المكاسب التي من أجلها احتلَّـت أميركا العراق.

أما بالنسبة للسياسيين العراقيين، فالأمر لا يعدو كونه صراعا سياسيا ومحاولة الاستقواء بورقة الانقلاب للتقرب أكثر إلى الأميركيين بشأن الحصول على مكاسب سياسية.

حتى الأكراد، فإنهم تبنَّـوا فكرة الانقلاب العسكري واعتقدوا بها بعد الجدال الحاد بينهم وبين حكومة المركز حول "خانقين"، والذي تفاقم وكاد يتحوّل إلى أزمة حقيقية تهدّد وِحدة العراق السياسية.

فالزعيم الكردي مسعود البرزاني، الذي انتقد ما سمّـاه "تهميش" الدور الكردي في الجيش العراقي، برغم أن الأكراد أصبح لديهم جيش مستقل لا يأتمر بأوامر الحكومة المركزية، بل ويتعارض مع سياساتها وخطَـطِـها الأمنية، في حالة مثل خانقين، فإنه حذر من انقلاب عسكري وشيك، وكأنه يخاطب الحكومة المركزية وغير الكرد المشاركين في العملية السياسية، بأن اعتمادهم المفرط على الجيش في حلّ المشكلة الأمنية وقضايا سياسية، سيؤدّي إلى نتيجة عكسية.

يد العسكر.. طويلة! وبالفعل، تشهد بغداد ومُـعظم المدن العراقية، بروز مظاهر عسكرة حقيقية للشارع العراقي، لم تكن موجودة حتى في عهد الرئيس السابق صدّام حسين، الذي حوّل العراق إلى مؤسسة عسكرية فريدة.

صحيح أن الجيش العراقي الحالي لا يوازي في قُـدراته ما كان عليه أيام النظام السابق، غير أن الواضح هذه الأيام، هو الدور المناط بالجيش وبقادته المنغمسين حتى النخاع في ثقافة النظام السابق وطريقة قضائه على حالات التمرّد والانفلات الأمني. وحتى المختلفون مع الأكراد في طريقة تعاطيهم مع الأزمة في "خانقين"، لا يمكنهم صـمّ آذانهم عن الشعارات التي أطلقها الجيش العراقي، لدى محاولته دخول "خانقين"، والتي تُـعيد بالكلية إلى عهد صدّام وكيفية مواجهته لمعارضيه.

في العراق الجديد، يظهر قادة الجيش وهم ضباط النظام السابق، على التلفزيون وهم يصرّحون ويجمَعون حولهم الأنصار والمؤيِّدين، ويعاملون الشعب أو من يظُـنون ـ مجرد الظن - أنهم متمرّدون، بقسوة بالغة لا يمكن تبريرها على الإطلاق.
هذه صور بعض قادة الجيش تملأ الجدران والساحات العامة، وهذه البصرة مثلا، وبمجرد نزاع بسيط بين أفراد حماية محافظها وضابط تابع لقيادة العمليات، فإن الضابط المذكور يقود قافلة من مدرّعات ودبّـابات، ويحاصر مبنى المحافظة ويطالب باعتقال المحافظ واعتقال أفراد حمايته.
ومن "العسكرتاريا" الجديدة في العراق الجديد أيضا، أن قاضي التحقيق في البصرة أمَـر بطلاق سراح 50 من عناصر التيار الصدري، اعتقلوا أثناء عملية "صولة الفرسان"، التي نفِّـذت في مارس الماضي، غير أن عمليات البصرة لاتنفذ الأمر، لأن المعتقلين قد تم تكسير أيديهم وأرجلهم، ولايمكن أن يُـطلق سراحهم في حالاتهم هذه.
وأيضا من هذه العسكرتاريا ـ في البصرة فقط ـ أن مجرد كتابة تقرير كيدي على أي شخص واتهامه بالانتماء للتيار الصدري، يجعله عرضة للاعتقال من قِـبل الجيش وتعذيبه بوحشية وضربه بقنينة الغاز، بدلا من استخدام اليد أو العصا، حتى قبل التحقيق معه، إذا كان صدريا بالفعل أم شيوعيا!

في الساحات العامة، يقف أفراد الشرطة والجيش في بغداد ومُدن أخرى، وهم يجاهرون بالإفطار في شهر رمضان، ولا أحد يجرُؤ على ردعهم ما داموا هم المسؤولين عن "الرّدع"، وهذا ما أصبح يثير خِـشية حقيقية من أن يد الجيش.. باتت طويلة.
وهذه من بين المؤشِّـرات على إمكانية أن تستثمر واشنطن هذه العسكرتاريا العراقية الجديدة للانقلاب على المالكي، إلى جانب تفوّق عدد أفراد الجيش العراقي على القوات الأميركية عام 2007.

مزايا الانقلاب! خِيار الانقلاب العسكري لم يعُـد سرا.. فالانقلاب ضد حكومة المالكي يضمَـن لواشنطن التخلص من هيمنة الإسلاميين وعموم رجال الدّين في السياسة ومواجهة النفوذ الإيراني، وإعادة التوازن في منطقة الخليج وضمان ولاء الحكومة العراقية.
وفي هذا الواقع، يمكن أن نضع ما يُـقال عن وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس، أنها تمكَّـنت من إحباط اتِّـفاق كاد يُـطيح بالمالكي، حين حضرت أثناء زيارتها الأخيرة إلى العراق اجتماعا للأكراد والمجلس الأعلى والحزب الإسلامي، وقد اتفقوا على تنحية المالكي وسحب الثقة منه، غير أنها رفضت هذا الموقف وأقنعتهم بالعدول عنه.. فالمالكي أمام خِـيارين أحلاهما مُـرّ: إما أن يوافق على الاتفاقية الأمنية بالشروط الأميركية أو أن يسمع كل يوم أحاديث قوية عن حصول انقلاب عسكري وشيك يُـطيح به وبحكومته الصديقة لإيران.
والخلاصة، فإن الخِشية من حدوث انقلاب يعكسه البعض بتنامي قوة الجيش العراقي من دون وجود ضمانات تسيطر على طوح القادة العسكريين، خصوصا مع اقتراب الإعلان عن انسحاب القوات الأميركية من المُـدن، ورفض واشنطن إدراج بند تتعهَّـد بمُـوجبه بالتدخُّـل لمنع حصول انقلاب عسكري.. في الاتفاقية الأمنية الموعودة. نجاح محمد علي، دبي