انقلابٌ لِسَانيّ في قصر الأليزيه!

هل صحيح أنّ اللغة يمكن أن تقود إلى الإطاحة بالسياسي؟ وهل صحيح أنّ السياسيّ يمكن أن يطيح باللغة؟ هذان سؤالان يبدوان عند الملاحظين العاديين للشأن السّياسي غير جديرين بالطرح ولكنّ الساسة والخبراء بها يعرفون ما للّغة الوطنية من دور في الإعلاء من الساسة أو في التنكيل بهم ويعرف اللّسانيون ما للسّاسة من دور في الاهتمام باللغة أو في الإزراء بها.

غير بعيد من هذا السياق مقال ورد في صحيفة 'لوفيغارو' الفرنسية بتاريخ 4/9/2015 وكان بعنوان 'بيان مليء بالأخطاء اللغوية: هل يعرفون التكلم بالفرنسية في الأليزيه؟' بقلم الكاتب الفرنسي كريستيان كومباز عدّد فيه الأخطاء اللغوية في بيان صحفي وجهه الأليزيه إلى الصّحافيين حول موضوع اللاجئين السوريّين الأسبوع المنصرم. وجاء في مقدّمة المقال الذي خصص جزء غالب منه لإيراد الهنات اللغوية في البيان، أنّ الرئيس الفرنسي فرنسوا هولند الذي لم يعوّد الفرنسيين على تعبير مفرط في السلامة أو العناية لم تصل قلة العناية باللغة إلى الدرجة التي وصل إليها في بيانه المذكور وأورد الكاتب مقاطع فيها أخطاء بدائية من نوع استخدام الصيغة الصرفية الصحيحة والمطابقة في الجنس والعدد والتعدية واللزوم في الأفعال وغيرها من الأخطاء التي لا يقع فيها عادة المبتدئون المتكلمون بألسنتهم الأصلية ولا يقع فيها أيضا المتوسطون ممّن تعلموا الفرنسية بما هي لغة ثانية. ويختم الكاتب مقاله بعد عرض الأخطاء البدائية في بيان الرئيس الصحفي بالذهاب إلى التساؤل عن نوعيّة المكلفين بمهام في الأليزيه ممّن كان من ينبغي لهم مراجعة تلك الأخطاء ولم يراجعوها وبطرح السؤال عن نواياهم فعن مستواهم لا ينفي الكاتب إمكان أن يكونوا على ضعف فادح في الكتابة وفي الإصلاح وعن نيتهم وهي التي تعنيه يرى كاتب المقال أنهم من الممكن أنّهم فعلوا ذلك عن قصد يتمثّل مبيّت يتمثّل في إلحاق الضرر برئيسهم وفي هذه الحالة يمكن الحديث عن انقلاب لساني هو الأوّل من نوعه.

الانقلاب اللغوي أو الإطاحة اللسانية بالحاكم تعني في هذا السياق إخراج النصّ بهناته وبزلاته دون تصحيحه وهذا يعني أشياء كثيرة من بين أكثرها خطرا أنّ الرئيس الذي يحمي الوطن وهويّته لم يستطع أن يحمي ركنا ركينا من أركان تلك الهوية وهو اللغة. ومن لا يستطيع أن يذود عن حوض الهوية لا يستحق مركز القيادة وعليه أن يخلع من سدّتها. في السياسة ليس إلى الخطأ من سبيل والتشديد على الخطأ يكون كلّما زادت درجات المسئولية علوّا وارتفاعا وفي أعلى الهرم حيث لا ينبغي أن تقبل الأخطاء لا تقبل أخطاء اللغة أيضا لأنّها لا تدلّ على مسار جيّد لمن وصل إلى سدّتها فمن فسدت لغته فسد فكره لأنّ اللغة في علاقة متينة ووشيجة بالفكر.

والأخطاء في اللغة في أعلى الهرم هي أخطاء حمراء تقرأ على أنّها سوء تحكّم في الرصيد العامّ التاريخي والمشترك الذي يجمع الأمّة فهي على حدّ عبارة علم اللسانيات جماعة لغوية تتكلم بلسان وحيد منذ مئات السنين ومن يخطئ في اللغة يكون كمن يعبث برابط مشترك ويسعى إلى إضعافه وزعزعته هو الذي نصّب حارسا على تمتينه وتشديده. إنّ أي يكسر لقواعد اللغة يكون بمثابة الكسر القواعد الأخلاقية فللمسالة بعد اجتماعي وأخلاقي قبل أن تكون ذات طابع معرفي. على المعلّم الذي يدرّس الناشئة اللغة أن لا يخطئ في قواعدها في رسم همزتها وفي شكلها وفي إعرابها وإذا ما فعل المعلّم ذلك فعليه أن يترك مكانه لغيره ممّن يحسن تعليمها التعليم الصحيح وإلاّ تعلّم الناشئة اللغة محرّفة مشوّهة وعمّموها وصار للغة وجهان محرّف وسليم وربّما هيمن المحرّف على السليم وضاعت حالة اللغة الأصلية وذهبت كل اللغة إلى زوال. كذلك الرئيس عليه ألاّ يكون إلا مثالا سليما لمن تعلّم اللغة التعلّم الصحيح وإلاّ كيف وصل لسدّة الرئاسة التي من المفترض ألاّ يصل إليها إلاّ المميّزون المحسنون للغة. وأن تحسن اللغة يعني أن تحسن فنّ السياسة فيعني أن تحسن منطقك مع من تسوسه وأن تحسن ذللك فيعني أنّك أحكمت أبوابا كثيرة من السياسة كالخطابة والمحاورة والإقناع والحجاج وغير ذلك من سياسة الناس باللغة.

وللمسألة بعدٌ آخر ذلك أنّ العالم اليوم يعيش تحت وطأة تنافس شديد بين اللغات وبالتالي بين الثقافات ويخوض الفرنسيون حروبا طاحنة من أجل تطوير مكانة لغتهم في العالم ولذلك تأسست المنظمة الدولية للفرنكفونية ويعود تأسيسها إلى سنة 1970 تحت اسم وكالة التعاون الثقافي والتقني قبل أن تحمل تسميتها تلك وترعى المنظمة اللغة الفرنسية في الدول والمناطق التي تتكلم الفرنسية، وفي دراسة تعود إلى سنة 2014 تقدّر المنظمة أنّ عدد من يتكلم هذه اللغة 274 مليون موزعين على القارّات الخمس. على أنّ الفرنسية التي لا تستطيع أن تصمد أمام الأنكليزية ولا حتّى أمام الإسبانية تشكو تراجعا يتمثّل في جنوح بعض الدول الفرنكفونية إلى أن تجعل لغاتها الثانية الأنكليزية بما هي لغة الإنتاج العلمي وثاني لغة يتكلمها الناس في العالم بعد الصينية. وخطأ كالخطأ المسرّب للرئيس الفرنسي يجعل جهود الفرنكفونية في العالم تذهب سدى: فإذا كان النبع لا يصدر عن لغة صافية فكيف سيكون المصب؟

ولو وجّهنا المنظار من هذه الزاوية إلى البلاد العربية وجدنا أنّ اللغة العربية الفصحى ما تزال هي اللغة المهيمنة على الخطابات السياسية ونسمع في ملتقيات الرؤساء العرب في الجامعة العربية أو في لقاءاتهم الدولية هذا اللسان غير أنّهم قد يستعملون الفصحى مع اللغات المحلية في المناسبات الوطنية وهي بدورها لهجات عربية. لكن ليس لأغلب الساسة الحاكمين أو غير الحاكمين رؤية سياسيّة للّغة العربية استشرافية تتجاوز مجرّد الشعارات التي ترفع تحت باب التعريب المغالطي في غالب الأحيان. يعتقد الداعون إليهم أنّهم سيتخلصون به من هيمنة فكر غربي أجنبي وهو أمر مضلّل إذ كيف نتخلّص من علم وفكر أجنبيّين ونحن نعرّبهما والحال أنّ الفكر واللغة مترابطان متلازمان؟ أن يخطئ السياسي العربي في اللغة ليس مشكلا في الغالب ومن سينتبه إليه ومن سيراقبه لذلك لا يعتقد الساسة العرب أنّ الانقلاب عليهم سيأتي من اللغة؛ فحتى يصل العالم العربي إلى التفكير في انقلاب لغوي أو لساني عليه أن يشعر بأنّه لا انقلاب عليه من جهات أخرى تدبّر بالليل وبعض آناء النهار وأنّ الهويّة اللغوية يمكن أن تكون عنصرا له قيمته في السياسة الداخلية والخارجية وأنّ جزءا من السياسة ثقافة السائس الجمعية وإرثه الحضاري الذي لا يصنعه شيء أمتن من اللغة.