انقذوا البصرة!

بقلم: سمير عبيد

لو سألت العراقيين الذين كانوا في الخارج ولازالوا: لماذا أنتم خارج العراق؟ فسيكون جواب الأكثرية المطلقة: من أجل الحرية وفراق الخوف والرعب والحروب والمطاردات، ففي بلدنا ديكتاتورية مطلقة يقودها الفرد والعائلة، وطائفية سياسية في بعض أركان الدولة ومؤسساتها، ولأجل أو بسبب ذلك هربنا من العراق. ولكن لو طرحت السؤال على العراقيين الذين هاجروا بعد سقوط النظام ومجيء الاحتلال، وعلى المهاجرين العراقيين الرافضين للعودة وهو: لماذا خرجتم من العراق، ولماذا ترفضون العودة إلى العراق؟، لكان الجواب: خرجنا لأنه ليست هناك دولة، وليست هناك سلطات، وليس هناك قانون، وليست هناك كرامة، بل هناك قانون الغاب الذي يُحمى بماكينة الاحتلال، وهناك قانون المحاصصات الحزبية الذي يُنصف جماعاتهم ويذل المواطن العراقي، وهناك الديكتاتورية الدينية والطائفية والعِرقية التي تفشّت في العراق بعد سقوط النظام، ولكن جواب الشق الثاني من السؤال هو: نعود لمن ولماذا؟ ، فالعراق لم يبق عراق، بل هو ضيعة تتقاسمها الولايات المتحدة وإيران والكويت والأردن، لا نستطيع العودة للعراق حيث الديكتاتورية الجماعية والحزبية، والحكم الذي يدار من خارج الحدود، فلا ضمان لحياتنا وحياة أطفالنا، ولا ضمان أن تكون الحياة طويلة في العراق حيث أصبح الإنسان العراقي لا ثمن له في بورصة بوش وعلاوي والجعفري وصولاغ والباسدران وإطلاعات، ومن ثم هناك قانون الطوارئ الذي يحصي حتى الأنفاس، وهناك تطبيق لأساليب تفوقوا بها على أجهزة نظام صدام حيث أصبحت حالة عادية أن يتم اعتقال الزوجة والأخت والأم وأخذها رهينة حتى حضور الزوج والأخ والابن.
فالبصرة العراقية والعربية و التي هي خاصرة العراق الجنوبية، وهي الميناء المهم للعراق، وهي فم العراق كما يقال، والتي عصت على الإيرانيين أن يدخلوها طيلة ثمان سنوات من الحرب المدمرة ( 1980 ــ 1988)، تصبح اليوم عارية من الكرامة والعروبة وغطاء الرأس، حيث يُسلّم جسدها وشوارعها وبيوتها ومؤسساتها إلى الحرس الثوري (الباسدران) والى المخابرات الإيرانية (إطلاعات) وبالمجان، فهم يسرحون ويمرحون بها، ويراقبون ويسجنون ويعذبون بالعراقيين الذين يتشبثون بعروبتهم وانتمائهم العربي والمذهبي والفكري، حيث أصبحت البصرة الآن مرتعا للإيرانيين وللمخابرات الإيرانية وعملائها، حيث أصبحت هناك هجرة مستمرة للطبقة المثقفة من البصرة نحو المدن الأخرى وخارج العراق، والذي لم يخرج من هذه الطبقات المثقفة والواعية يخرجوها بالقوة وبوسائل شتى.
ففي الأسبوع المنصرم ومن تقرير وصلنا من إحدى المؤسسات بمدينة البصرة، وأيده بعض الشهود من هناك، وهم على مستوى عال من الفكر والثقافة والثقة، حيث أكد التقرير والشهود إن هناك مجموعات (ترتدي العمائم) أخذت تجوب الكليات والمعاهد في البصرة هذه الأيام، وتم أخراج جميع البعثيين السابقين وغيرهم من وظائفهم ومن مقاعد الدراسة، ولقد هجموا بشكل عشوائي وغوغائي على الدكتور "غياث" وهو عميد كلية الزراعة، مما تفاوض معهم وأجبروه على الإستقالة، وخرج إلى بيته كي يرتب أمر الرحيل من المدينة أو من العراق، وعندما طالبهم بعض الأساتذة أن يبرزوا كتابهم الرسمي الذي يخولهم عمل ذلك، خصوصا بعد أن أرهبوا وعاثوا في مجمع "باب الزبير" وبعض المناطق والمؤسسات في البصرة، فكان جوابهم "نحن ننفذ أمر الشعب والرئاسة في البصرة."
فيصف الشهود هذه المجموعات بأنها متوحشة وغوغائية، وحاقدة على الثقافة والمثقفين بشكل خاص، ولقد قاموا بتصوير سفرة قامت بها كلية الهندسة في جامعة البصرة، حيث نصبوا لهم كاميرات سرية، وأخذوا يبيعون أفلام السفرة في الأسواق للابتزاز، وليشهروا بتعليقات أن الاختلاط معصية، وأن السفرات من عمل الشيطان، ولقد كتبوا على الأشرطة عنوان "أنظروا فساد كلية الهندسة" والناس تشتري وكأن هؤلاء الطلبة عملوا جريمة أخلاقية أو جنائية، حتى يؤكد بعض الطلبة ويقولون إن الاحترام مفقود في جامعات البصرة، والنجاح الجماعي وارد وحصل اتجاه جماعاتهم.
فهذه الأساليب الظلامية ولدت إحباط كبير لدى بعض المسئولين الذين لم ينغمسوا في اللعبة التي تقودها بعض الأحزاب الإسلامية العراقية مع الإيرانيين في مدينة البصرة، لهذا أصبحوا في حيرة من أمرهم، حيث أصبحت أوامرهم لا تُنفذ من قبل منتسبي دوائرهم، ويسرنا هنا نعطي شهادة مدير شرطة محافظة البصرة الجنرال حسن السادة عندما قدم اعترافه ونشرته صحيفة الغارديان البريطانية ونقلته صحيفة القدس العربي في لندن بتاريخ 1/6/2005 حيث قال الرجل "لقد فقدت السيطرة على ثلاثة أرباع من قوة الشرطة العاملة في مدينة البصرة، وأن مليشيات الأحزاب اخترقت القوة وتقوم بتصفية حسابات ضد المعارضين، حيث أن 13 ألف من عناصر الشرطة تعمل لصالح الأحزاب السياسية، وأن بعض الضباط متورطون في هجمات واغتيالات، وأن الجزء المتبقي من القوات محايد وغير مهتم بحماية الأمن وتنفيذ الأوامر، لذا لم أثق إلا ب 25% من أفراد قوتي". وفي تعليق ممتاز من صحيفة الغرديان تقول أين تبجح الحكومة البريطانية إن جنوب العراق واحة من الأمان؟
ويكشف الجنرال حسن السادة ثغرات في غاية الأهمية حيث يقول "إن المليشيات في الجنوب هي السلطة الحقيقية هناك، وهي مكونه من مجرمين وأشخاص سيء السمعة" وهذا ديدن الأحزاب التي تعاني من نقص القاعدة الجماهيرية الحقيقية، فتلجأ لشراء ذمم أرباب السوابق والمجرمين كي تكون لها قاعدة جماهيرية وقوة ضاربة تعوض بها عن الجماهير العراقية التي تمقت هذه الأحزاب، وخصوصا الإسلامية التي داهنت الاحتلال، وأصبحت أميركية أكثر من الأميركان، لذا فالبصرة في طريقها لوداع حضن العراق باكيه حيث الحضن الفارسي.
وهنا يقول مدير شرطة البصرة "إن الهدوء في مدينة البصرة يغطي على دور الأحزاب الإسلامية المحافظة، وعمليات القتل والاغتيال التي تقوم بها المليشيات، وغض الطرف عن نشاطات مثل هذه الجماعات". وقال أيضا "أننا غير قادرين على تطهير الوحدات من تأثير قوات بدر التابعة للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية بزعامة عبد العزيز الحكيم"، وفي نقطة أخرى يؤكد مدير شرطة البصرة كاشفا الحقيقة التي نُشرت عنها بعض التقارير والتي تؤكد على اضطهاد السنة في مدينة البصرة، حيث يقول "إن معظم المغتالين والمستهدفين هم من السنة."
وقال حول معاناته وحول البيروقراطية والضبابية والاستحواذ على القرارات والمسؤوليات "أنني مقطوع عن المسئولين الكبار في وزارة الداخلية التي يديرها رئيس قوات بدر بنفسه"، وطبعا عندما يقول أن مسئول فليق بدر هو الذي يدير وزارة الداخلية في العراق، هذا معناه أن إيران هي التي تدير وزارة الداخلية في العراق، حيث أن مسئول قوات بدر يوالي إيران من ناحية الولاء والعقيدة والتدريب والأيديولوجية، فهو جندي مدرّب من قبل الإيرانيين، ويمتلك علاقات واسعة مع المؤسسة الدينية والعسكرية والإستخبارية الإيرانية، ناهيك إنه يقلّد مرشد الجمهورية الإسلامية السيد علي خامنئي من الناحية الدينية والمذهبية، وبالتالي لا يستطيع منع أو رفض أي قرار أو طلب إيراني بحكم الولاء والتقليد.
ما يحدث في البصرة ليست النهاية، فهناك مؤشرات أن يمتد الداء والأسلوب نحو مدن جنوبية محاذية إلى إيران، ومنها مدينة العمارة والكوت في جنوب وشرق العراق، ولقد بدأت بعض المؤشرات في النجف الأشرف وكربلاء المقدستين، حيث هناك مجموعات غامضة أخذ تغري بعض العائلات بترك مركز مدينة النجف وكربلاء مقابل مبالغ طائلة نحو مدن أخرى أو نحو أرياف المدن، وأنها خطة خبيثة كي تُغلق المدينتين إلى الإيرانيين وتجار البازار، والى العراقيين الموالين لهم، والمتصاهرين معهم، لذا نحذر الجميع من "أرننة أو فرسنة" العراق أو جنوبه أو المدن المقدسة فيه، وعلى جميع الشرفاء في داخل العراق من رجال دين وشيوخ القبائل، ومن السياسيين والمفكرين والمثقفين والإعلاميين والشباب التصدي إلى هذا المخطط الاستيطاني الرهيب الذي يراد به أفراغ العراق من عروبته وأصله وانتمائه.
فتحركوا وأنقذوا البصرة..فمن خلال إنقاذ البصرة سيُنقذ العراق بعون الله، وأن لم تُنقذ البصرة سوف تخسرون العراق والبصرة!

سمير عبيد
كاتب ومحلل سياسي عراقي samiroff@hotmail.com