انقاذ المدن العربية... من 'المرشد' الايراني والمصري

ما فعله المصريون، بدعم من المؤسسة العسكرية يشكّل خطوة أولى على طريق انقاذ مصر بدءا بأنقاذ القاهرة. فالقاهرة التي تعتبر امتدادا للمدن العربية في منطقة المشرق العربي، بل عاصمة العواصم العربية تتعرّض بدورها لعملية تهميش وترييف لم تبدأ البارحة لكنها أخذت بعدا جديدا مع وصول الاخوان المسلمين، الى الرئاسة. هذا ما تعرّضت له بيروت وطرابلس وصيدا على مراحل ثم بغداد والمدن السورية.

لا يمكن وضع كلّ اللوم على المشروع الايراني، الذي لعب دوره في السعي الى تغيير طبيعة بيروت وتركيبتها قبل الانصراف الى التركيز على بغداد، في تدمير المدن العربية الكبيرة في منطقة المشرق وصولا إلى القاهرة. لا بد أيضاّ من الاشارة الى أن الانظمة العسكرية التي حكمت العراق وسوريا ومصر والحرب الداخلية ذات الامتداد الاقليمي التي تعرّض لها لبنان وشارك فيها الفلسطينيون ثم اسرائيل، مهّدت للمشروع الايراني خير تمهيد.

لعبت هذه الانظمة والميليشيات الطائفية والمذهبية في لبنان دورا كبيرا في القضاء على النسيج الاجتماعي للمدن، وهو نسيج يسمح للمقيم في المدينة بالانتماء الى ثقافة الحياة. تعني هذه الثقافة، في جانب منها، وجود مدن كوزموبوليتية مثل بيروت والاسكندرية وحواضر مثل حلب ودمشق وحمص وحماة وطرابلس وصيدا والقاهرة التي تظلّ أمّ المدن العربية...

هناك مدن عربيّة ما زالت تقاوم. بيروت تقاوم. طرابلس تقاوم وصيدا تقاوم على الرغم من السعي الى تطويقها واختراقها. فما لا يمكن تجاهله أن الحادث الخطير الذي شهدته صيدا أخيرا ليس سوى محاولة جديدة لاخضاع المدينة الثالثة في لبنان بصفة كونها مدينة تعايش مشترك ترفض الخضوع للهيمنة الايرانية...

حمص وحماة تقاومان، كذلك حلب. لا يمكن لدمشق الاّ أن تنتصر. ولكن يظلّ للقاهرة معنى خاص. القاهرة مدينة المعزّ وعاصمة ارض الكنانة. القاهرة التي فيها الازهر بكلّ ما يمثّله على صعيد الوسطية والانفتاح على العالم والعلم وثقافة الاعتراف بالآخر. وقد ثبت ذلك حديثا من خلال الموقف التقدمي والمتقدّم في آن الذي اتخذه الدكتور أحمد الطيّب شيخ الازهر الذي لا همّ له سوى حقن الدماء والذي دعم من دون أيّ تحفظ من أيّ نوع كان الثورة المصرية الثانية.

تعني القاهرة في المرحلة الراهنة ثورة الثلاثين من يونيو (حزيران) 2013 التي انتهت باطاحة الاخوان وعزل محمد مرسي الذي لم يكن سوى واجهة لما يسمّى "المرشد" الاخواني. هل صدفة أن يكون هناك "مرشد" آخر في طهران يتحكّم بمصير الشعب الايراني ويسعى الى التمدد في كلّ الاتجاهات من منطلق مذهبي ضيّق يقوم على توظيف الدين في السياسة؟

ما كان لـ"المرشد" في ايران أن يتصرّف بالطريقة التي يتصرّف بها، أقلّه على الصعيد الاقليمي، خصوصا في المنطقة العربية، لولا الذي حصل في العراق حيث حققت ايران انتصارا لمتحلم به يوما.

تحقّق هذا الانتصار بمشاركة اميركية فاعلة عندما سلّمت اميركا - جورج بوش الابن العراق الى ايران على صحن من فضّة متجاهلة كلّ ما له علاقة بالتاريخ والجغرافيا والحساسيات العربية – الايرانية ذات الجذور العميقة. لذلك، كان طبيعيا أن تكون ايران منذ البداية الشريك الفعلي في الحرب على العراق بالطريقة التي حصلت بها.

هذا لا يعني في اي شكل أن التخلص من نظام صدّام حسين العائلي- البعثي، الذي حرم العراقيين من كلّ شيء وأخذهم الى كلّ انواع المغامرات، لم يكن عملا محمودا. ولكن كانت هناك ألف طريقة وطريقة للتخلص من هذا النظام من دون ترك البلد، على رأسه بغداد، للنظام الايراني الذي لديه حقد عميق على العراق وعلى كلّ المدن العربية، خصوصا المدن الكبيرة التي يزدهر فيها نمط حياة من نوع مختلف، نمط حياة مرتبطة بثقافة الحياة، على غرار ما كانت عليه طهران في الماضي، أي في مرحلة ما قبل الثورة الخمينية.

اعطى الاحتلال الاميركي للعراق ثم الطريقة التي انسحب بها الاميركيون من البلد دفعا للمشروع الايراني الذي استهدف منذ فترة طويلة بيروت ودمشق وحتى مدينة مثل مدينة بعلبك اللبنانية.

لم يعد سرّأ أنّ بغداد لم تعد بغداد. لم تعد بغداد مدينة بعدما فقدت ما بقي من معالم المدينة نتيجة التوغّل الايراني العميق ذي الطابع الميليشيوي والمذهبي في الوقت ذاته في احيائها. ففي المدينة الحقيقية لا تمييز بين مواطن وآخر من منطلق طائفي أو مذهبي. مطلوب تعميم تجربة بغداد، التي بوشر تطبيقها في بيروت، في كلّ المشرق العربي وصولا الى القاهرة التي كانت دائما على تماس مع المشرق وبقيت تؤثر فيه.

بيروت ودمشق في نهاية المطاف من ضواحي القاهرة.

يُستخدم الاخوان المسلمون في مشروع الغاء القاهرة حتى لا يعود لها أي تأثير لا في بيروت ولا في دمشق ولا في حمص... ولا حتّى في بغداد البعيدة. فمن "المرشد"، الوليّ الفقيه، المقيم في طهران، الى "المرشد" الاخواني المقيم في القاهرة يمكن أن تضيع المدن والحواضر العربية وتفقد قيمتها بالمعنى السياسي والثقافي.

لعلّ أفضل دليل على ذلك، الهجوم المستمر الذي يشنّه النظام الايراني المتحالف مع النظام السوري، وهو تحالف ذو طابع مذهبي محض، على حمص.

يكشف هذا الهجوم العقم العربي. فحمص ليست مدينة عادية بأيّ مقياس من المقاييس. انها رمز من رموز العيش المشترك السنّي- المسيحي في سوريا من جهة وهي من جهة أخرى رمز للمدينة التي سعى النظام الى تطويقها مذهبيا عن طريق جيوب علويّة زرعت في ضواحيها، وهي من جهة ثالثة مدينة ذات موقع استراتيجي يتحكّم بالمواصلات بين المدن السورية الكبرى من جهة والساحل السوري من جهة أخرى.

من يدافع عن القاهرة حاليا لمنع سقوطها في يد الاخوان و"المرشد" انما يدافع عن المدن العربية. الدفاع عن القاهرة في وجه حكم الاخوان هو دفاع عن دمشق وحمص وحماة وحلب وبيروت وطرابلس وصيدا... بعد سقوط بغداد والبصرة، أقلّه موقتا، تحت سلطة "المرشد" المقيم في طهران!