انفتاح بدون مخاطرة: انتخابات الإمارات، خطوة انتقالية نحو مشاركة سياسية أوسع

بقلم: نجاح محمد علي

لا يدّعي الإماراتيون أبدا أن الانتخابات "المقيّـدة"، التي شهدتها بلادهم طوال أسبوع، من "الديمقراطية" التي وعدت بها الولايات المتحدة دول الشرق الأوسط، وما يتضمّـنه هذا المصطلح من سياقات تداول السلطة. لكنهم بالتأكيد، يعتبرونها خطوة انتقالية أولى نحو المشاركة السياسية الواسعة، دون أن يخلّ ذلك بالنظام السياسي الراهن، الذي يُوصف بأنه "الأكثر استقرارا في العالم".
الإمارات العربية المتحدة أنشأت كِـيانها الفدرالي في مجتمع قبلي، تتجمّـع السلطات فيه بِـيَـد الأمير، الذي هو رأس القبيلة الكبرى لدولة تأسست من اتحاد سبع إمارات صغيرة، وفي منطقة حساسة مُـلتهبة، تشهد باستمرار الكثير من التقلّـبات السياسية، وأن انتخابات الإمارات، أرادها القيّمون استبيانا لما تشهده هذه المنطقة والاستفادة من دروسها للوصول إلى إيجاد توازن بين هدف المشاركة الشعبية والاستقرار.
ويجب أن لا تُقارَن التجربة الإماراتية الخاصة بمجتمعها، مع ما هو موجود بالفعل في المنطقة، ومع الانتخابات في الدول الغربية، لجهة أن المنطقة تحمّـلت الكثير من التفجيرات السياسية، ليس لأنها تفتقد لـ "ديمقراطية" النظم الغربية التي لا تنسجم في الكثير من تفصيلاتها مع المقاسات المحلية، بل لأن الإمارات حرِصت منذ قيام الاتحاد في 2 ديسمبر/كانون الاول 1971 على أن لا تتعاطى نظام الحزبيات، الذي يعاني من الأيديولوجية المفرطة، وتهيمن عليه النظرة الأحادية الإقصائية ورفض التداول.
ومن هنا، فان الإمارات لا تجد حاجة إلى هذا النوع من الديمقراطية الذي يهدد كيانها السياسي والاجتماعي، القائم على التسامح ورفاهية الفرد والمجتمع. ومن هنا أيضا، عملت الإمارات على" تقييد" تجربة الانتخابات فيها بشكل مميّـز وفريد، لن يكون ناجحا إلا في دولة على طراز الإمارات يعيش مُـواطنوها في رفاهية واستقرار وأمن وسلام، ولا يبدو أنهم مستعدون للتفريط بها لإرضاء الرئيس الأمريكي جورج بوش وديمقراطيته الهشّـة الممزوجة بالدماء، في العراق أو في أفغانستان. هدفان مستقبليان
من هنا تبدو تجربة الانتخابات الحالية معاصرة للتطوّرات خارج الدولة ومواكبة لحِـراك اجتماعي وثقافي واقتصادي، كما تهدف في نهاية المطاف إلى تحقيق هدفين مستقبليين: هما مجلس وطني اتحادي فاعل يؤازر الحكومة، وانتخابات عامة تعزّز المشاركة الشعبية في صنع القرار.
ولقد حصرت السلطات الإماراتية حقّ الانتخاب بشريحة من الناخبين، وحدّدت عددهم بأقل من 1% من عدد المواطنين، وتم بعِـناية فائقة اختيار الهيئة الناخبة، التي منها انبثق الناخبون والمرشحون.
وقد راعت وجود خُـبراء واختصاصيين فيها، وعدد أشخاصها لم يتجاوز 6688 يختارهم حكام الإمارات بحسب النسبة التمثيلية لكل إمارة في المجلس الوطني، انسجاما مع الطابع الفدرالي للدولة.
ولم تعتمد الانتخابات مبدأ الإقتراع المفتوح، حتى للعشرين مقعدا التي جرت من أجلها الانتخابات، عِـلما أن المقاعد العشرين المتبقِّـية يتم إشغالها بالتعيين، وهذا أمر لا يخدش - بنظر المسؤولين الإماراتيين - في العملية الانتخابية التي يُراد لها الاستمرار بهدوء، دون قفز على الواقع وبخطوات تدريجية مدروسة تضمن الحفاظ على استقرار الإمارات، أمام موجة التقلبات السياسية التي تشهدها المنطقة، وتحول الانتخابات في العديد من دولها إلى سبب للانقسام الطائفي.
ومن مقاربة للانتخابات في المنطقة، فإن انتخابات الإمارات بالطريقة "المقيًّدة"، ربما تكون هي الطريقة الوحيدة (الآن) لإجراء الانتخابات لمنع التطرف الإسلامي المنتشر في العراق وبعض دول المنطقة الأخرى، من الولوج إلى بلد مستقر لا توجد فيه كِـيانات وأحزاب سياسية، وتعيش فيه غالبية ساحقة من الإماراتيين السُـنّة ومواطنون ينحدرون من أصول فارسية وباكستانية، كما توجد فيه أقليات من أصول إفريقية وبلوشية وهندية.
صحيح أن هذه القوميات تذوب تدريجياً في المجتمع الإماراتي عبر التزاوج وسياسة المساواة، التي تنتهجها الدولة مع المواطنين من أصول مختلفة، إلا أن المكاسب تبقى مُـعرّضة للانتكاس في ظل نظام انتخابي لا يراعي الخصوصية، ويسمح لاستغلال الانتماءات القومية والمذهبية في صراع النفوذ الإقليمي في المنطقة.
انفتاح بدون مخاطرة
وفي ضوء ما سبق، فإن قرار إجراء الانتخابات، الذي اتُّـخذ في ديسمبر من عام 2005، جاء مُـتطابقا مع رؤية واقعية لما تشهده المنطقة، وصداها الذي تردّد في الانتخابات البحرينية، التي أسفرت مؤخرا عن سيطرة الشيعة "الأغلبية" على أكبر كُـتلة معارضة في البرلمان هناك.
كذلك، فإن التجربة الإماراتية، تبدو وكأنها تقاوم دعوات الانفتاح، التي يردِّدها الغرب ومواطنون تأثروا بها، لا تُظهرُ اكتِـراثا لِـما أصبح يُـعرف بمنظمات المجتمع المدني، التي تتحرك (في العديد من الأحيان) وِفق أجندة خارجية.
ولهذا، لم تتردد الجهات الأمنية بدولة الإمارات في استدعاء الأكاديمي الدكتور محمد النقبي، الباحث في شؤون الصِّـراع والتفاوض الدولي، حيث حقّـقت معه، وذلك بعد أن شارك في برنامج تلفزيوني على قناة "الحرة" الأمريكية، بشأن الانتخابات، ومع محاوره الكويتي محمد عبد القادر الجاسم في برنامج موجّـه يُـروِّج للفكر الليبرالي في الخليج باسم "المجلس"، جوانب في هذه الانتخابات، مطالباً بتفعيل دور المجلس الوطني المقبل وإعطاء مساحة أكبر لمشاركة الشعب الإماراتي أسْـوَةً بالدول الخليجية التي جرت فيها انتخابات، كالبحرين والكويت وعُُـمان والسعودية، ومن أجل أن "تصبح التجربة الإماراتية مُـنسجمة ومعايير الديمقراطية على المقاس الغربي".
وتريد الإمارات من خلال إصرارها على الانتخابات بالطريقة التي جرت فيها، إيصال رسالة عن رغبتها في الانفتاح وتعزيز المشاركة الشعبية، لكن ليس بالمُـخاطرة باستقرارها وبتطورها الاجتماعي والمدني، وهي تخشى من ظهور حركة إسلامية أصولية، يمكن أن تتهدد التجربة الاقتصادية الفريدة في دبي وأبو ظبي، والمرشحة للانتقال إلى باقي الإمارات.
وتخشى أيضا، أن يطلق التحوّل السريع لنظام انتخابي، العِـنان لتدعيم الانتماءات القبلية، التي تتعرّض حالياً للاضمحلال التدريجي، لكنها في سِـياقٍ انتخابي حُـر يمكن أن تتنامى وتترعرع وتكَـرِّر نجاحاتها الكويتية، على سبيل المثال.
وعلى أي حال، فإن انتخابات المجلس الوطني الإماراتي، محاولة جدِّية لتعزيز المشاركة وخطوة على الطريق الصحيح، رغم أن المجلس الوطني الاتحادي الجديد، لن يكون برلماناً كما هو في النظم الديمقراطية، وهي نوع من الحِـراك الاجتماعي وتغيير في الأسلوب الذي يهدف إلى وجود نوع من الممارسة الانتخابية السياسية، ووعد بتطويرها، إذ وُضع في الاعتبار أنّ هذه مرحلة أولى، ستتم دراسة سلبياتها وإيجابياتها من واقع نتائجها، وسيكون هناك، على الأرجح، اهتمام بتطوير لصلاحيات المجلس مستقبلاً.
أحد أهم الإيجابيات الأخرى في انتخابات الإمارات، يتمثل في مشاركة المرأة أول مرة، خصوصا وأنها المرة الأولى التي يُتاح لها الدخول إلى المجلس الوطني، رغم أنها تقلدت الوزارة في مرحلة سابقة.
ومن الجوانب الأخرى، التي تبرز في فضاء التجربة، أنّ الانتخابات تُعتبر مكسباً للبروز الاجتماعي لبعض الأفراد وتحقيق علاقات عامة، وتدريب، وما يزيد من أهمية ذلك، ما يُـصاحب هذا من حالة توعية عامة وإثارة الاهتمام بالشؤون العامة.
نجاح محمد علي - دبي