انطلاق وحش وقبيلة مركبة مرة أخرى

بقلم: حمزة الحسن

نشر هذا المقال قبل الحرب على موقع الحوار المتمدن وفي موقع الأعزل، بتاريخ 15/2/2003، أي قبل الحرب بشهر، وهي مسافة لم تكن كافية لانتزاع العقل من دوامة الأحداث المتسارعة والعنيفة، ومع ذلك فإنه يشكل رؤيا استباقية لكثير من الوقائع التي حصلت والتي ستحصل، ومن أبرزها أن المقال كان قد حدد بدقة ملامح النظام المقبل بعد الحرب، وتوقع التركيز على عودة "القبيلة" في وقت كان كل ما يكتب، ولا يزال، يقع في خانة الرفض والقبول، كجزء من ثنائية العقل العراقي الشهيرة الذي لا يرى المناطق الرمادية بين الألوان، ودون إمعان الفكر في الوجوه الأخرى، والفراغات، والثقوب، وهي كثيرة وتحتاج ، أيضا، إلى عقل استباقي، كي لا نغرق، كما في كل مرحلة ساخنة، وعاصفة، ومنعطف، في وحول صغيرة، لزجة، أو نجر إليها من قبل نماذج لا تمتلك غير مؤهل وحيد هو خلق الفتنة.
إن قطار التاريخ يمر بسرعة بدون رحمة، وهناك نوع من الذين لا نفع ولا دفع فيهم (لا يصك ولا يفك! كما يقول المثل الجنوبي العراقي)، وكل موهبتهم هي"الرهز" على الأحداث، كما يحدث حين ينزو كلب بكلبة، في حين يقف على مبعدة منه عشرات الكلاب وهي "ترهز" على المشهد، منتشية بالوهم! انطلاق وحش وقبيلة مركبة
تاريخ النشر: 15/2/2003
إذا نجا العراق من مطحنة الحرب الكيمياوية والنووية، ومن احتمالات الحرق، والحرب الأهلية، فإن صورة الحكم القادمة ستكون توليفة وتركيبة من تحالف اصطناعي جديد لم يشهده تاريخ العراق بهذه القوة والتماسك والعلنية من قبل.
ما هي هذه القوى الجديدة؟

أولا: نخب مالية يوجد أغلبها في الخارج تجمع بين مزاولة التجارة وبين السياسة. وهذه النخب المالية ستكون وحدها قادرة على دمج العراق في نظام السوق الحر، وهذا السوق سيكون الجسر الذي يربط العراق مع الرأسمالية العالمية.

وهذه النخب بحكم تركيبتها الطبقية والثقافية والنفسية سيكون من مصلحتها القصوى تواجد محتل أجنبي لأنه الضمانة من التمردات السياسية والاضطرابات الاجتماعية وفوضى السوق.

ونخب المال هي نخب طاعة واستسلام وهي غير قادرة على مقاومة أي مشروع يعرضه المحتل بحكم خوفها المزمن والأبدي من القوى المسيطرة واحتكار الآخر.

ونخب المال العراقية تجمع بين ذهنية الجبن وبين الأمية الثقافية والسياسية، وهي تختلف من ناحية الوعي والسلوك عن النخب المالية الغربية ذات القدرة على مواجهة تحديات سياسية وحربية وثقافية جدية.

ثانيا: ضباط الجيش.

هؤلاء سيتم خلق تركيبة منهم تجمع بين ضباط الخارج وبين عناصر في الحكم القائم الآن. وهؤلاء وبحكم التربية العسكرية، وغياب أي مؤهل قيادي للحكم، سيكونون أفضل قوة قادرة على حماية المؤسسة الحاكمة التي سيعمد المحتل على صنع "واجهة" خارجية لها، وترك فسحة حركة لها أمام الناس، ولا يبدو أنه يتدخل في قضايا جوهرية من أجل حفظ ماء وجه هذه النخب المشتراة.
أي أن هذه النخبة، مثل نخبة المال، ستتصرف، وتترك لكي تتصرف، على أنها هي النخب الحاكمة فعلا، مع أن الحبل الحقيقي الذي يشدها غير مرئي أحيانا كثيرة أو مرئي أحيانا أخرى.

ثالثا: القبائل.

سوف تشهد مرحلة الاحتلال عودة كاسحة للقبلية. وبلا شك أن الاعتماد سينصب على قبائل عانت من السلطة الفاشية كثيرا أو أهملت أو همشت.

وهذه القبيلة سيتم دمجها مع نخب المال والجيش في مؤسسات صورية دستورية.

هذه القوى الثلاث نخب المال، ونخب الجيش، ونخب القبيلة، وبحكم طبيعتها وتكوينها تميل بل تتمسك بقوة بفرض "الاستقرار" وهو تعبير مهذب وأنيق لمعنى آخر هو النهب.

إنها تكوينات عريقة في تقاليد الصمت والتحالف والثبات والبقاء على واقع الحال.

من هو المتضرر من التغيير القادم؟
إنه اليسار العراقي والقوى الشعبية المهتمة بالتغيير الحقيقي والحركات الإسلامية والتكوينات الثقافية التي ستنبثق من أصحاب "الرؤوس الحارة!".

وثيقة "التوجهات السرية" المعدة سنة 1992 عن صورة النظام الدولي الجديد والتي أعدت كخطة عمل للسنوات القادمة والمكونة من 46 صفحة تشير بوضوح على أن المرحلة القادمة تتميز بالسمات التالية، كما ورد في كتاب "نادي القتلة" المنشور في ألمانيا سنة 1998 بقلم كونهاناندان ناير ومايكل اوبرسكالسكي:

1: تؤكد الوثيقة على أن المهمة الأمريكية "القادمة ستنصب على توجيه أصابع الاتهام وإصدار أحكام الإدانة والتجريم باتجاه المنافسين المحتملين"..

2: شرعت الوثيقة السرية عالم تهيمن عليه قوى عظمى وحيدة.

3: استخدام القوة العسكرية إذا لزم الأمر لمنع انتشار الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل.

4: العمل خارج نطاق الأمم المتحدة إذا اقتضى الأمر.

5: الإبقاء على آليات ردع المنافسين السياسيين حتى عن الطموح لأداء دور أكبر إقليميا أو عالميا.

6: مواصلة استهداف الأسلحة النووية لدول ما يعرف سابقا بالاتحاد السوفيتي واحتمال بروز قادة وزعماء من بين هذه الدول يشكلون خطرا محتملا أو وبيّنا على الأمن القومي الأمريكي.
7: التواجد في أوربا والعمل في آن واحد على منع ترتيبات أمنية خاصة بأوروبا.

8: لا ينبغي لأمريكا سحب طائراتها المعدة للضربة النووية في كل الأحوال من أوروبا.

9: بالنسبة إلى شرق آسيا: باستطاعة أمريكا تخفيض قواتها لكن ينبغي عليها المحافظة على قوة عسكرية في المنطقة تمنع بروز فراغ أو ظهور قوة إقليمية مهيمنة.

10: العودة إلى "الأعمال القذرة" إذا تطلب الحال.

11: إحداث تغير وقائي في الدكتاتوريات الموالية للغرب والمغالية في قمعها وتحويلها إلى "أنظمة حكم ديمقراطية مقبولة" أو موجهة أو مضبوطة حتى لو تطلب الأمر قتل أو اغتيال أو الانقلاب على ديكتاتور عميل انتهت صلاحيته مثل:
ـ تصفية الرئيس الفيتنامي "نجو دنه ديم" وهو عميل أمريكي وعضو في المخابرات الأمريكية على يد شقيقه "نهو" في 2 تشرين الثاني عام 1963 من اجل ضمان استمرار مصالح الولايات المتحدة الأمريكية.

ـ قتل خادم الولايات المتحدة الذليل رافائيل ليونيداس مولينا رئيس الدموينيكان في 30 ايار 1961، وقد اشترك في القتل كل من "الدبلوماسيين" الأمريكيين هنري دير بورن، وجون بارفليد، وايتالو كوكس، وهم موظفون في وكالة المخابرات الأمريكية.

ـ إغتيال الرئيس الفيلبيني الصديق لهم والحليف لأنه تجاوز حدوده رومان ماغسيسه سنة 57 بعد إحداث خلل في طائرته لأنه "صار مصدر قلق وإزعاج للادارة الأمريكية".

ـ تصفية الرئيس الكوري الجنوبي الدمية والمأجور للولايات المتحدة "بارك تشنج هي" في 12 كانون الأول 79، بعد خروجه على قواعد اللعبة بإطلاق النار عليه من قبل رئيس جهاز المخابرات الكوري الجنوبي.

وبهذه الطريقة يتم "تلقيح" الدكتاتوريات وليس القضاء عليها كما يدعون كذبا.
(الأمثلة الأربعة الأخيرة إضافة جديدة على النص الأصلي وهي الإضافة الوحيدة).

12: في حال حدوث اضطرابات واسعة ضد الأنظمة الموالية للغرب يمكن دمج أقسام واسعة من حركات الاحتجاج ضمن آليات مضبوطة من التغيير "الديمقراطي".

وتشير الوثيقة وهذا هو جواب سؤالنا السابق عن المتضرر من التغيير، إلى أن يترافق ذلك "مع إضعاف تأثير العناصر الثورية عن طريق استهدافها بشكل مدروس بوسائل العنف المباشر أو الذي تمارسه «القوة الثالثة» أي وكالة المخابرات الأمريكية، ويتضمن خيار القوة الثالثة مبدأ" الإنكار المقبول ظاهريا".

ومبدأ "الإنكار المقبول ظاهريا" يعني بلا شك القتل ثم الإنكار المقبول والعلني.

13: إقامة آليات دستورية تقصر ممارسة "الديمقراطية" على النخبة الوطنية الحاكمة، بينما يجري إضعاف تأثير كل من المنظمات والحركات الشعبية أو النقابية من خلال دمج الحدود القيادية والدستورية والمؤسساتية فيما بينها. وتكمن الأهداف الاستراتيجية البعيدة المدى لهذه الآليات في ضمان "مجتمع السوق الحر" أي الرأسمالية.

وجاء حرفيا في هذه الوثيقة "مع إيجاد آلية للتحكم بالواقع الاجتماعي مع أقل استخدام ممكن لأسلوب الإكراه القسري".

وعلى هذه الوثيقة علق الصحفي الأمريكي وليام روبنسون في مقال شهير نشر تحت عنوان "الديمقراطية منخفضة الحدة/ الوجه الجديد للهيمنة الشاملة" وفي فصلية "العمل السري" الأمريكية خريف 1994، قائلا:
"هكذا يجري التدخل السياسي الجديد من خلال غطاء واق وكامل من أدوات السياسة الخارجية الأمريكية، ومن خلال المؤسسات ما فوق القومية أيضا والتي تقوم عبرها نخب الشمال مع شركائها" الصغار" في الجنوب بفرض إرادتها على العالم أجمع. وهذا يتجاوز بكثير كون المسألة مجرد سياسة التدخل القديمة بوجه أكثر نعومة ولطفا".

نحن إذن أمام وحش ينطلق! * حمزة الحسن، روائي عراقي www.alaazal.com